يزخر التراث الإسلامى بالكتابات المتعددة والمتنوعة والتى تغطى جميع الجوانب التى يتطلع إليها الفكر البشري، واستقصاء هذه الألوان وحصر ما كتب فيها أمر يصعب تحقيقه إن لم يكن مستحيلاً، وإن كانت أمانة التاريخ ومسئولية التراث تفرض على الأمة أن ينهض بعض أبنائها للقيام بذلك إما تطوعاً وإما إلزاماً.

ومن بين تلك الجوانب المؤلفات التى أهتم أصحابها بإلقاء الضوء على قضية معينة وجمع كل ما قيل حولها إثباتاً ونفيا، تصويباً وتخطيئاًو ليخرج فى النهاية بنتيجة هى الأهم والمقصد بالنسبة لعموم الناس بينما تظل المعطيات التى أوصلت إلى النتيجة شغل الباحثين والدارسين.

ومن الملاحظ عبر التاريخ الطويل أن هذا اللون من الكتابة خضع فى كثير من الأحيان للتقلبات البشرية فهناك المنتصر لرأيه الباحث عن مؤيد له ولو من أقوال الكافرين، ومثل هذا لايتورع عن رد الصحيح والتكلف فى الإتيان بالدليل، ومن أشهر ما ابتليت به الأمة من أمثال هذه الكتابات هى تسفيه الآخرين والتنكر للتراث الفكرى للأمة المسلمة إذا اختلف هذا التراث مع نظرته التى يروج لها.

وهناك أيضا من خان الأمانة العلمية سواء كان فى العرض أو الاستدلال، وهناك من تطاول على الآخرين وألحق بهم أشنع الأوصاف، وأغرب من ذلك أن نشأت مدرسة تسعى لنفى نسبة الرأى المخالف إلى أحد الأئمة المعتمدين لينتهى إلى قوله «فى المسألة قول واحد».

على أنه بفضل الله ورحمته تميزت أكثر هذه الكتابات بالأمانة وسلامة الاستدلال والعفة فى القول مع الجرأة فى بيان الحق.

لهذا رأينا أيضا أن نعرض على القاريء الكريم نماذج من تلك الكتابات فإن الهدف الواحد هو البحث عن قضية محددة، ينتهى الباحث إلى نتيجة يراها هو ونقول نحن: إنه اجتهاده بمعنى أنه إذا كان فى المسألة خلاف له أصوله فستظل هكذا وليس من الحكمة القطع فيها برأى وتسفيه الآخرين، بل نحن مع الاعلام المحققين الذين قام نهجهم حيال المختلف فيه على مايلي:

1  ترك المشتبه به أولى ولو من باب الورع.

2  من فعل شيئا من المختلف فيه فليتبع مذهب من أجاز الفعل.

3  لا ينكر على أحد فعل شيئا من المختلف فيه.

وأول ما نعرض له من تلك الكتابات هو كتاب «جلباب المرأة المسلمة» تأليف الشيخ: محمد ناصر الدين الألباني.

بداية من عنوان الكتاب قضية وكتاب ومروراً بمقدمته وانتهاء بآخر صفحاته، لم يخف الشيخ توجهه المتمثل فى اختياره أن وجه المرأة ليس بعورة، ومن اللافت للنظر أن يدون على غلاف الكتاب فى الطبعة التى أصدرتها دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع(2423 ه/ 2002 م) أن القول بأن وجه المرأة ليس بعورة مذهب جمهور الصحابة والأئمة والكبار من فقهاء الحنابلة، وكأن الشيخ بهذا يقدم عنصر تشويق بالغ يتمثل فى ذكر نتيجة تشجع على مطالعة الأسباب التى أدت إليها المقدمة، وما أدراك ما المقدمة؟ إنها تسجيل لوقائع سجال لا يخلو من حدة ولايخفى فيه الانفعال، سجال دارت رحاه بين الشيخ وبين بعض المعارضين له ممن علقوا على كتابه بعد صدور الطبعة الأولي، إذ نسب الشيخ إلى مخالفيه أخطاء علمية عدها سبعة منها: أخطاء فى التأويل وعدم أمانة فى النقل مع العلم بذلك ومنها الجرأة على تأويل الأحاديث الصحيحة حتى لا تتعارض مع رأيهم وكذلك التواطؤ على الاستدلال بالأحاديث الضعيفة والآثار الواهية وآخرها تهافتهم على تضعيف بعض الأحاديث الصحيحة والآثار الثابتة عن الصحابة ونحن نغض الطرف عما ورد فى المقدمة من إيماءات أو تصريحات تتعلق بتصوير شخصيات المخالفين بصورة ما كنا نرجوها أو نقرها، ولكن نرى أن ما نسب إلى مدرسة المخالفين من أخطاء جدير بإعادة النظر ويتم ذلك أولا بتحرى تلك الأخطاء ثم بالنظر إلى النتائج التى انتهت إليها تلك المدرسة إن كانت تصح فى النهاية أو لا تصح.

وصلب الكتاب هو بيان لشروط الكتاب كما أوردها المؤلف من خلال تتبعه للآيات القرآنية والسنة المحمدية والاثار السلفية، حيث حصرها المؤلف فى ثمانية شروط :

الأول: استيعاب لباس المرأة جميع البدن إلا ما استثني، وقد استغرق توضيح هذا الشرط وما يتعلق به الصفحات من 39 : 117 من الكتاب، وهو بحق لم يترك فى الباب شاردة ولا واردة إلا أحصاها سواء كانت تؤيد أو تعارض مذهب الشيخ، وكان منهج الشيخ عرض النصوص وأقوال العلماء فى النصوص ثم يقدم تعليقه على أقوال العلماء، وغالبا ما كان الشيخ ينقل فقرات من كتابات مخالفيه ثم يقوم أيضا بالتعليق عليها.

الشرط الثاني: ألا يكون الثوب زينة فى نفسه، ولأن الخلاف فى هذا الشرط لا وجود له فإن بيانه قد انحصر فى عدد قليل من الصفحات (أقل من خمس صفحات) فيها قام الشيخ باستعراض النصوص مع أقوال بعض العلماء.

الشرط الثالث: أن يكون صفيقاً لايشف وهو كسابقه تم عرضه فى خمس صفحات من خلال النصوص الواردة وأيضا بعض أقوال العلماء.

الشرط الرابع: أن يكون فضفاضاً غير ضيق بحيث لايصف شيئا من جسمها، وعبر ست صفحات يستعرض الكاتب من النصوص وأقوال العلماء ما استدل به على وجوب هذا الشرط وفى نفس الوقت يعرج على بعض الأفعال التى تصدر عن بعضهن مخالفة لهذا الشرط وإن كان أخطر ما أشار إليه الشيخ أن هذا فعل بعض المنتسبين إلى الدعوة.

الشرط الخامس: ألا يكون مبخراً مطيباً: وهو شرط تم بيانه فيما يزيد قليلا على ثلاث صفحات وذلك لوضوح أدلته وقوة الحجية فيها.

الشرط السادس: ألا يشبه لباس الرجل: وجرى الحديث عنه فى الصفحات من 141 :159 وأكثر الشيخ فيه من التقول على الأئمة الأعلام وجميعهم لم ينكر وجوب هذا الشرط فى جلباب المرأة المسلمة.

الشرط السابع: ألايشبه لباس الكافرات وهو ثانى أطول الشروط من ناحية المعالجة (من ص 161 :212) ويستشعر القاريء أن الشيخ يواجه فى الصفحات خطر التذويب الذى تمارسه الحضارة الغربية على المسلمين وبخاصة نساؤهم، ولذا أفاض الشيخ فى بيان هذا الجانب وما ينطوى عليه من خطورة.

الشرط الثامن: أن لا يكون لباس شهرة: وهو أقصر فصول الكتاب حيث لم يزد على صفحتين ذكر الشيخ فيهما ما ورد فى إثبات هذه القاعدة من النصوص الشرعية وهو بيان علمى فى المقام الأول قصد به الشيخ منه كما ذكر فى مقدمة الطبعة الأولى بيان اللباس الشرعى الذى يجب على المرأة المسلمة أن تدَّثر به إذا خرجت من دارها، وذلك لما رآه تهاوناً من أكثر الناس فى هذا العصر بهذا الشأن غير أن الكتابات التى ظهرت عقب صدور هذا الكتاب ومنع تداول الكتاب فى بعض البلدان أشعلت حرارة القضية وصدرت، طبعات عديدة للكتاب، وفى كل طبعة كان الشيخ يضيف جديدا ويرد على الانتقادات الموجهة إليه.

وينتهى الرجل المحدث إلى أنه لايوجد حديث صحيح صريح يوجب النقاب ولكنه مستحب.

تأليف الشيخ: محمد ناصر الدين الألباني

عرض الشيخ: مرسى بسيونى مرسي