Thu04242014

أخر التحديثات06:23:42 PM GMT

Backمجلة التبيان - العدد 06 الأخوان عروج وخير الدين بربروسا: أسطورة البحرية الإسلامية

الأخوان عروج وخير الدين بربروسا: أسطورة البحرية الإسلامية

كان الصراع بين الإمبراطورية العثمانية وأوروبا التى تتزعمها الامبراطورية الأسبانية مشتعلا على كل الأصعدة شرقا وغربا، ولما كان الصراع البحرى فى البحر المتوسط خصوصا جزءا من هذا الصراع فقد قرر السلطان العثمانى سليمان القانوني، تعيين خير الدين أميرا عاما على البحر (قبودان باشا) بالإضافة إلى بقائه على رأس دولة الجزائر، لأنه أفضل من يواجه الصليبيين فى البحر فى تلك المرحلة.

اتجه خير الدين فى عشرين سفينة إلى عاصمة الخلافة فى استانبول، وهناك استقبله السلطان سليمان القانونى استقبالا حافلا وقلده منصبه رسميا، وعاد خير الدين من استانبول وهو يقود اسطولا ضخما يتكون من (80) سفينة ليستطيع مواجهة التحديات الصليبية فى البحر المتوسط..

نكبة تونس

كانت الأخبار قد وصلت لخير الدين بالاضطرابات التى سادت الحفصيين الذى يحكمون تونس، واستعانتهم بالصليبيين على بعضهم البعض، فأسرع خير الدين وفتح تونس، وفر(الحسن بن محمد) واستنجد بشارلكان الذى لم يكن فى حاجة إلى دعوة لمهاجمة خير الدين، فقد كان أعد حملة تضم (30) ألفا من المقاتلين، واتجه صوب تونس ومعه فى مقدمة صفوفه السلطان المخلوع، راح خير الدين يعد العدة للمواجهة وجمع أعيان الناس فى تونس فاختلفوا عليه، وانحاز بعضهم إلى صفوف السلطان الحفصي، فتركهم (خير الدين) وخرج بجيشه المكون من سبعة آلاف من الأتراك وخمسة آلاف من التونسيين لمواجهة الحملة الصليبية والخائن الحفصي، ولكن ما إن ترك خير الدين المدينة حتى انتفض عشرة آلاف أسير صليبى كانوا بمدينة تونس، ونظموا صفوفهم وأغلقوا أبواب المدينة حتى لا يستطيع خير الدين ان يتحصن بها فى قتاله للصليبيين، ومع ذلك تقدم خير الدين وواجه تلك الحملة وأبلى بلاء حسنا ولم يكن يستطيع مواجهة تلك الجحافل دون حصن يحتمى به وقتا للزوم فاضطر إلى الانسحاب إلى مكان قريب يسمى القصبة، ودخل السلطان الحفصى إلى تونس فى مقدمة الجيش الصليبى! وكان من المتوقع أن تنتهى المسألة باعتراف السلطان الحفصى بتبعيته لإمبراطور الصليبيين نتيجة إعادته إلى الحكم، ولكن ثمن الخيانة لم يكن كافيا فى نظر الصليبيين، فشرطوا على الخائن استباحة تونس لمدة ثلاثة أيام، وأعملوا فى أهلها القتل والنهب والسبى وطمسوا معالمها الجميلة، وفى خلال تلك الأيام الثلاثة قتل ثلث سكان تونس فى أكبر نكبة عرفتها فى تاريخها، وكان تبرير شارلكان لهذه المذبحة الفظيعة أن سكان تونس لم يستقبلوا ملكهم كما ينبغى! واستقر السلطان الحفصى (الحسن بن محمد) على عرش تونس،فوق أشلاء أمته الممزقة كتابع ذليل للصليبيين وكان ذلك فى منتصف سنة ( 1535م).

خير الدين يرد على الصليبيين

انسحب شارلكان بعد هذه الواقعة إلى قاعدته فى صقلية ليستكمل الاستعداد للجزائر، بينما انسحب خير الدين حزينا إلى قاعدته فى الجزائر، وعندما وصلت أخبار نكبة تونس إلى أوروبا عمتهم الفرحة وظنوا أن خير الدين قد انكسرت شوكته فكر خير الدين فى عمل سريع يقلل فيه من اثار ما حدث فى تونس، فقرر فى خطوة جريئة أن يهاجم الاسبانيين فى قواعدهم، ووقع اختياره على مدينة تسمى (ماهون) وقام باحتلالها، وأخذ ما فى المدينة من ثروات واقتاد ستة آلاف أسير دفعة واحدة وعاد بكل ذلك إلى الجزائر، كانت لطمة موجهة للصليبيين ودليلا على أن المسلمين لم ولن يستسلموا أو يضعفوا فى هذا الصراع.

عندما وصلت تلك الأنباء إلى السلطان العثمانى سليمان القانونى قرر استدعاء خير الدين إلى القسطنطينية وتعيينه قائدا للأسطول العمثانى كله، سافر خير الدين وولى على الجزائر نائبه المجاهد الفذ (محمد حسن أغا) وبمجرد أن وصل خير الدين إلى القسطنطينية فى ديسمبر 1535م أخذ يرسم خطة للسيطرة على البحر المتوسط وتجريد الصليبيين من أماكن نفوذهم واستطاع فى وقت وجيز أن يحقق انتصارات رائعة فى البحر المتوسط ويطول الكلام أن خضنا فى تفاصيلها، أدت هذه الانتصارات إلى تعاظم قوة المسلمين بصورة كبيرة فى البحر المتوسط حتى إن سليمان القانونى قرر فتح إيطاليا وجمع قوات كبيرة فى ألبانيا وقام خير الدين بإنزال قواته فى ميناء (أوترينه) بجنوب إيطاليا، إلا أن الفتح لم يتم نتيجة الصلح بين شارلكان وبين ملك فرنسا حليف الدولة العثمانية آنذاك والذى تم بضغوط كبيرة من البابا.

الحملة الصليبية الأخيرة على الجزائر

عادت الجزائر لبؤرة الصراع الإسلامى الصليبى مرة أخري، وحاول شارلكان إحراز النصر بثمن بخس، فقد فكر فى أن يستميل خير الدين وأن يقنعه بأنه لن يستطيع الدفاع عن الجزائر مطلقا، فأرسل يفاوضه على أساس تعيينه ملكا على الشمال الأفريقى كله واعتراف أسبانيا بذلك فى مقابل اعترافه بتبعيته لشارلكان ودفع جزية سنوية صغيرة، ظلت المفاوضات لمدة سنتين كان خير الدين يجاريهم ويطلع السلطان العثمانى على كل تفاصيلها أولاً بأول، ووفقا لخطة متفق عليها ألقى القبض على الثلاثة الذين كان شارلكان قد أرسلهم يتفاوضون مع خير الدين وأودعوا السجن. ندم شارلكان أنه فكر مجرد تفكير فى استمالة خير الدين، وأضاع وقته وثلاثة من خيرة رجاله فى ذلك وسرعان ما أتم شارلكان استعداداته لحملته البحرية الكبرى ضد الجزائر، فجمع المقاتلين من جميع أنحاء أوروبا، وأصدر البابا بيانا أعلن فيه للبلدان الأوروبية كلها أنه من واجب كل مسيحي مخلص أن ينضم إلى هذه الحملة الصليبية، وأصبحت هذه الحملة تضم (450) سفينة نقل ضخمة و (65) سفينة حربية كبيرة و (12) ألفا من البحارة، و (26) ألفا من المشاة والفرسان، وتولى (أندريا دوريا) قيادة القوات البحرية فى حين تولى شارلكان بنفسه قيادة تلك الحملة الرهيبة وتحرك فى أكتوبر 1541 م.

كان خير الدين الذى لم يكن وقتها مسئولا عن الجزائر فقط متابعا للموقف واقترح قبل تحرك الحملة بأكثر من ثلاثة أشهر على المسئولين فى الاستانة تجهيز أسطول حربي يضم مائة سفينة لمواجهة الخطر القادم، ولكن اقتراحه لم يقبل لأنهم رأوا أن ظروف الصراع تتطلب المحافظة على الكتلة الرئيسية للقوات البحرية العثمانية فى شرقى البحر المتوسط وليس فى غربه فى الجزائر، غير أنه تقرر ارسال دعم عاجل إلى الجزائر، وفعلا بمجرد أن وصلت أخبار تحرك الحملة إلى القسطنطينية حتى جهز خير الدين اسطولا قويا قاده بنفسه متجها إلى الجزائر ولكن هذا الأسطول عندما وصل إلى الجزائر وصل متأخرا ولكنه وجد فى انتظاره أخبارا سارة للغاية، حيث وجدوا تلك الحملة الرهيبة قد أصبحت عبارة عن أشلاء وفاقت نكبة الصليبيين بقيادة شارلكان كل نكبة تعرضت لها الحملات الصليبية، حيث بلغت خسارتهم (200) سفينة و(200) مدفع و(12) ألف مقاتل ما بين قتيل وغريق وأسير، وغنم المسلمون كل ما كان معهم حتى كثرت الخيرات ورخصت الأسعار، وحكى أهل الجزائر لخير الدين كيف أن نائبه محمد حسن أغا قد أتبع نفس الخطة التى اتبعها عروج ثم خير الدين عندما هاجم الصليبيون الجزائر مرتين، وكيف أعانهم الله عز وجل، وأرسل الريح عواصف ومن الموج قواصف دمرت عليهم خططهم وسفنهم، وسالت الأمطار بغزارة شديدة على الأرض حتى جعلتها موحلة فلم يستطع الصليبيون القتال فيها، ونزلت على البارود الذى معهم فأفسدته جعلته كقطع العجين، وكيف قاتل المسلمون ببسالة وأثخنوهم حتى أنزل الله نصره على أوليائه.

شارك خير الدين أهل الجزائر فرحتهم بهذا النصر المبين، وخرج بأسطوله يهاجم المدن الأوروبية الساحلية، ولم يكن فى استطاعة بقايا الاسطول الصليبى مواجهة خير الدين فاكتفى بندب حظه. وعندما وصل الامبراطور شارلكان إلى بلاده رمى بتاجه إلى الأرض وأقسم ألا يضعه على رأسه إلا بعد استيلائه على الجزائر، ولم يضعه على رأسه ذلك بالطبع!! فقد نعمت الجزائر بالأمان فترة طويلة.

الأسطول الإسلامى فى فرنسا

كانت الخلافات قد دبت بين ملك فرنسا وبين شارلكان، فاستغل سليمان القانونى ذلك وعقد تحالفا مع ملك فرنسا ضد شارلكان وتولى خير الدين قيادة الاسطولين العثمانى والفرنسي، فكان أول أعماله الهجوم على قوات شارلكان المرابطة فى مدينة (نيس) الفرنسية، وأعادها للملك الفرنسي، أقام خير الدين بأسطوله فى مدينة مارسليا، ثم استقر أخيرا فى مدينة (طولون) وجعلها قاعدة للأسطول الإسلامى الذى صار صاحب اليد الطولى بلا منازع فى طول البحر المتوسط وعرضه، ولأن الأسطول المسلم كان محافظا على الشعائر الإسلامية، يرفع الأذان ويقيم الصلاة فى معسكراته فقد أشيع فى أوروبا أن خير الدين اقتلع أجراس الكنائس وأن مدينة طولون لم يعد يسمع بها إلا أذان المؤذنين وفى عام 1544م ترك خير الدين مدينة طولون وعاد إلى القسطنطينية ليباشر أعماله من هناك.

الأيام الأخيرة

لم يعمر (خير الدين باشا) طويلا بعد ذلك، فقد توفى رحمه الله بالقسطنطينية عام 1547م وانطفأت تلك الشعلة المضيئة وذلك الشهاب الساطع بعد أن دوخ الصليبيين وأفشل خططهم، فى وقت كان عصيبا على المسلمين، وأنقذ الله به عشرات الآلاف من المسلمين سواء من أهل الأندلس الفارين بدينهم أو سكان الشمال الافريقى.

وسيبقى شعب الجزائر على وجه الخصوص يردد تلك الأسطورة الخالدة (اسطورة بابا خير الدين).

مات ذلك البطل المغوار الذى امتلك  هو وأخوه عروج من قبله  قدرا هائلا من الجرأة والإقدام. وعلى الرغم من أنهما لم يدرسا الفنون العسكرية فى معهد من المعاهد إلا أنهما برزا كأساتذة فى هذا الفن وقدم خير الدين نموذجا رائعا لإنكار الذات فى سبيل مصلحة المسلمين عندما تخلى عن استقلاليته بالجزائر وربطها بالإمبراطورية العثمانية، وقدم نموذجا آخر فى الوفاء لدينه ولدماء المسلمين عندما رفض أن يكون ملكا على الشمال الأفريقى كله شريطة أن يكون تابعا للصليبيين، هذا فى الوقت الذى كان الخونة فيه يرتمون فى أحضان الأعداء ويقبلون منهم ما هو أدنى من ذلك بكثير.

مات خير الدين ولكن تأثيره فى الصراع الدائر لم يمت، فقد غرس الخوف فى نفوس أعدائه وأصبح العامة والخاصة فى أوروبا فى رعب حقيقى من خير الدين بربروسا حتى بعد وفاته! فكان الناس إذا رأوا سفينة صغيرة آتية من بعيد نسبوها إلى خير الدين فيتصاعد الصراخ والعويل ويفر السكان من ديارهم ومن حقولهم ومتاجرهم، وإذا حطمت الزوابع مركبا توهم الناس أن خير الدين هو الذى آثار البحر وهيجه ليغرق هذا المركب! بل وصل خوف أهل أسبانيا وايطاليا من خير الدين وقادة الجزائر إلى حد المرض، فكان إذا حدثت جريمة أو وقع تخريب أو فساد من أى نوع! قالوا: خير الدين وأصحابه هم السبب فى ذاك! ولم يكن القائمون اقل تغيظا على خير الدين، الذى وقف فى مجابهة الأعاصير وصدهم عن الشمال الافريقى بامكانات فى غاية التواضع، فكانوا يغذون هذه المشاعر الجنونية عند شعوبهم، ولا يصورون خير الدين إلا فى هيئة القرصان المعتدي، وسار أكثر مؤرخيهم فى نفس الاتجاه، اتجاه الحط من شأن خير الدين ومن قبله أخوه عروج وكأن احتلال الصليبيين للأرض المسلمة وما فعلوه بها من قتل ونهب وتدمير وغيرها من أعمال القرصنة كان ينبغى أن يقابل بالتصفيق والإعجاب نسوا ما فعلوه كدول وإمبراطوريات وتذكروا فقط ما فعله عروج وخير الدين بهم إنها نفس الصورة تتكرر اليوم، فاليهود فى أرض فلسطين يقتلون ويدمرون ويفعلون كل شيء، فإذا ما واجههم المسلمون وردوا عليهم بعض أفعالهم صرخوا ومن ورائهم أدعياء الحضارة الكاذبة: إرهابيون، قتلة، يمنعون المسلمين من العيش آمنين فى بلادهم ويضغطون عليهم بكل الأساليب الوحشية، ثم يستنكرون أن يرد عليهم أحد، وإلا أصبح إرهابيا عدوا للحضارة فى دعاية فجة يتأثر بها ضعاف النفوس لا غير، وعلى طريقة «رمتنى بدائها وانسلت»، وكلها وسائل لن تحقق لهم أهدافهم فى النهاية بإذن الله كما لم تحققها فى الماضى والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

بقلم: د. أحمد طه

عضو هيئة علماء الجمعية

الأخوان عروج وخير الدين بربروسا: أسطورة البحرية الإسلامية
التعليقات (0)add comment

أضف تعليق
bolditalicizeunderlinestrikeurlimagequote smilewinklaughgrinangrysadshockedcooltonguekisscry
تصغير | تكبير

busy