مع أن المواطن الغزاوى ينتظر الموت فى أى لحظة، إلا أنه يمتلك إرادة قوية تكسر الحصار، ويرفع شعار لن نموت كمدا"..

بهذه الكلمات التى تنبض بالحياة والأمل والمقاومة عبر الأستاذ مصطفى إسماعيل الأمين العام للجمعية الشرعية عن المشاعر الجياشة واللحظات المؤثرة التى عاشها أثناء زيارته الأخيرة لقطاع غزة ضمن وفد من جنسيات عربية وأوروبية، تحت شعار أميال من الابتسامات للتعرف عن قرب على معاناة المواطن الغزاوى بعد سنوات الحصار المفروض على القطاع برًا وجوًا وبحرًا.

وأوضح الأستاذ مصطفى أن شوارع غزة تدب فيها الحياة بجميع مظاهر الرقى والعمران من معارض السلع وانتشار المحلات وتشجير الشوارع بالنخيل، وأن شعب غزة يريد من ذلك إيصال رسالة للعالم أنه لن يموت جوعا ولن تنكسر إرادته، وأنه قادر بفضل الله على تحدى الحصار، ومواصلة الطريق.

وأشار الأمين العام إلى أن القيادة فى غزة تشارك المواطنين آلامهم وآمالهم، فارتبط الشارع بها، لأنه أدرك أن ما يعانى منه، تعانى منه القيادة بالدرجة نفسها، وربما أشد دون تفرقة.

مؤتمر دعم القطاع الصحى

وكانت الجمعية الشرعية قد شاركت فى مؤتمر "دعم القطاع الصحى فى غزة" الذى أقامته منظمة التعاون الإسلامى فى القاهرة، واستهدف المؤتمر دعم القطاع الصحى بغزة عبر توفير الأدوية والمستلزمات الطبية الطارئة والعاجلة فى مجالات الإغاثة وتقديم وتوريد تجهيزات طبية حيوية فى مجال الإنعاش، وتأهيل الكوادر الطبية لرفع الكفاءة الفنية فى مجال التنمية.

وقد ناقش المؤتمر فى جلساته الأزمة الصحية فى قطاع غزة، والتنسيق والعمل الإنسانى الجماعى، وبرنامج الدعم الإنسانى المقترح بناء على الدراسات الفنية وإعلان تعهدات الهيئات المانحة وآليات التنفيذ.

وبالفعل تعهد المشاركون بالوفاء بمبلغ 43 مليون دولار لتوفير الاحتياجات الطبية لمستشفيات غزة.

15 طن أدوية

وكعادتها دائما كانت الجمعية الشرعية أول من وفى بالتعهد وقامت بإرسال 15 طن أدوية ومستلزمات طبية لغزة عبر معبر رفح.

وأوضح الأستاذ مصطفى إسماعيل: أن الجمعية أرسلت هذه المساعدات لسد النقص الشديد فى الأدوية والمستلزمات الطبية التى تواجه مستشفيات غزة نتيجة الحصار الذى تفرضه سلطات الاحتلال الإسرائيلى على غزة.

وأضاف: أن هذه المساعدات تأتى فى إطار القوافل الطبية والمساعدات الغذائية التى ترسلها الجمعية الشرعية للأشقاء فى فلسطين والتى بدأتها الجمعية الشرعية منذ الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 2000م.

حملة للتبرع العينى

وأشار الأمين العام إلى أنه استكمالا لهذا التعهد فقد بدأت الجمعية الشرعية فى تدشين حملة للتبرع العينى بالأدوية المطلوبة فى غزة.

وأضاف لدينا قوائم حصلنا عليها من المسئولين فى غزة أثناء زيارتنا الميدانية لمستشفيات غزة وهى تمثل المستلزمات الطبية الضرورية وسنقوم بنشر هذه القوائم على موقع الجمعية الشرعية الرئيسية على الإنترنت www.Alshareya.com حتى نسهل على الإخوة المتبرعين معرفة الأدوية المطلوب إرسالها إلى غزة عن طريق الجمعية الشرعية الرئيسية، بواقع إيصال معتمد من الجمعية للمتبرع.

أربع مشكلات رئيسية

ثم تطرق الأمين العام إلى أهم المشكلات الملحة التى يعانى منها قطاع غزة، وهى تتمثل فى أربع مشكلات أساسية، وهى

أولاً: حبة الدواء؛ حيث يعانى القطاع ليس فقط من الأدوية عالية التكلفة بل أيضا من المستلزمات الطبية الأساسية والتى تكون تكلفتها المالية فى الغالب متواضعة جدًا كالسرنجات ومحلول الملح والكحول المطهر والشاش والقفازات والجلوكوز وغيرها.

وللأسف بعض الدول تقيم مراكز طبية ضخمة فى غزة ولكنها لا تمثل حاجة ملحة لمرضى القطاع دون معرفة دقيقة بطبيعة احتياجات الملف الصحى.

وأكد الأمين العام أن قطاع غزة يعد من أكثر المناطق كثافة سكانية فى العالم، حيث بلغت كثافته 3.871 نسمة لكل كيلو متر مربع، وهنالك زيادة مطردة فى عدد السكان مقارنة بمساحة القطاع المحدودة، فيما يجعل القطاع الصحى فى مواجهة حقيقية لتلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان، ويواجه قطاع الصحة صعوبات جمة وعقبات كثيرة لتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية، يتمثل ذلك فى قلة الموارد المالية اللازمة بالإضافة لصعوبة إدخال ما يمكن شراؤه من المعابر المؤدية إلى قطاع غزة.

وأوضح أن الاعتماد فى تقديم الخدمات الصحية فى القطاع يعتمد بشكل أساسى على المنح التى تقدمها المؤسسات الإنسانية العاملة فى قطاع غزة لتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية، وهذا أدى بدوره إلى عدم انتظام التوريد، ودخول القطاع فى أكثر من مرة حالات طوارئ بسبب النقص الشديد فى الأدوية والمستلزمات، وخلال الفترة السابقة توقفت غرف العمليات أكثر من مرة، وكذلك العمل فى الأقسام التخصصية مثل القسطرة القلبية والقلب المفتوح وعلاج أمراض الكلى، وذلك نتيجة النقص الحاد فى الأدوية والمستلزمات الطبية اللازمة للتشغيل.

وعلى سبيل المثال فقد بلغت احتياجات قطاع غزة فى شهر يناير 2012 من الأدوية الطبية 460 صنفا، ومن المستهلكات الطبية 963 صنفا.

نقص فى الأجهزة والكفاءات

وأوضح الأمين العام أن القطاع الصحى فى قطاع غزة يعانى مشكلة كبيرة بسبب نقص وعدم كفاءة العديد من الأجهزة الطبية، بالإضافة لتضرر الكثير من هذه الأجهزة سواء بسبب القصف فى مناطق مجاورة للمراكز الصحية أو بسبب الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائى، كما أن معظم المستشفيات فى القطاع تعانى قدم الجزء الأكبر من الأجهزة والمعدات المستخدمة فى تقديم الخدمات الصحية، والتى بلغت مرحلة نهاية العمر الافتراضى لعملها، ومع ذلك فهى مازالت تستخدم فى تقديم الخدمات الصحية للمواطنين، وتعطى أحيانا قراءات تشخيصية غير دقيقة وخاطئة.

وأشار إلى أنه بنفس قدر أهمية توفير عدد مقبول من المستشفيات وتجهيزات طبية جيدة، يجب إنشاء نظام تدريبى وتأهيلى متطور لرفع كفاءة الكادر الطبى بقطاع غزة، حيث يعانى القطاع من الندرة فى بعض التخصصات الطبية كالجراحات الدقيقة والمتمثلة فى جراحة المخ والأعصاب وجراحة الأوعية الدموية، مما دفع بالكثير من الحالات المرضية للسفر خارج القطاع للعلاج، أو البقاء دون علاج تحت الحصار.

وفيما يتعلق بجهود الجمعية الشرعية للإسهام فى معالجة الملف الطبى، أشار الأمين العام إلى أن الجمعية ستستقدم 100 مريض إشعاعى وتتكفل بعلاجهم وإقامتهم فى القاهرة، كما ستعمل على تدريب 120 كادرًا طبيًا فى مستشفيات الجمعية الشرعية بالقاهرة بالتنسيق مع وزارتى الصحة فى مصر وقطاع غزة.

إضافة إلى ذلك سيتم التعاقد على إيصال ألبان علاجية لأبناء القطاع.

ثانيًا: مشكلة الأسمنت؛ حيث يمثل عدم توافره فى القطاع مشكلة كبيرة تمس عدة مهن؛ لأنه يشكل مادة أساسية من مواد البناء.. الأمر الذى يؤدى إلى توقف عشرات الحرف المرتبطة بالبناء والإعمار.

وأشار الأمين العام إلى أنه على الرغم من الحصار المفروض- خاصة على مواد البناء الأساسية- إلا أن القطاع يشهد نهضة عمرانية واسعة تدل على إرادة التحدى والصمود.

ثالثًا ورابعًا: أزمة الكهرباء والوقود، وهى ترتبط بشكل أساسى بدعم الحكومات والدول؛ وأزمة الوقود تؤثر بدورها على الكهرباء فهو المسئول عن تشغيل محطات الكهرباء.. وبسبب تلك الأزمة وصل سعر لتر السولار إلى 8 جنيهات! بل إنه غير متوافر وتقف السيارات تتنظره فى طوابير طويلة تصل لعدة كيلو مترات ولعدة أيام.

وللأسف يؤدى انقطاع الكهرباء إلى كوارث إنسانية وصحية متعددة تجعل غزة تغرق فى كارثة إنسانية وصحية بسبب اعتماد الكثير فى مناحى الحياة على استمرار التيار الكهربائى، حيث يستمر انقطاع الكهرباء إلى أكثر من 18 ساعة خلال النهار وفى بعض المناطق يصل إلى 24 ساعة متواصلة.

ويتزامن انقطاع الكهرباء مع انقطاع السولار والبنزين المستخدم فى تشغيل مولدات الكهرباء. الأمر الذى فاقم المشكلة فى المستشفيات والمراكز الصحية بصورة أدت إلى وفاة أطفال رضع فى الحضانات، كما توقف الكثير من مخابز القطاع عن العمل، بالإضافة إلى أن استمرار اعتماد المواطنين على الطرق البدائية فى الإنارة خلال الليل أدى للكثير من الحوادث والحرائق التى طالت منازل المواطنين، بجانب توقف آبار المياه، ومضخات الصرف الصحى، ومحطات معالجة الصرف الصحى.

مشكلة المياه

بالإضافة إلى المشكلات الأربع فلا يزال الحصول على المياه تحديا يوميا لسكان غزة، إذ إن 10% من سكان القطاع الذين يعيشون فى مناطق سكنية بما فيها مدن غزة ورفح وجباليا لا تصلهم المياه إلا مرة كل أربعة أيام (6-8 ساعات)، فى حين أن 80% لا تصلهم المياه إلا مرة كل ثلاثة أيام (6-8 ساعات)، أما ال 10% الباقون فتصلهم المياه مرة واحدة يوميا (6-8ساعات)، ولكن من المتوقع أن تقل هذه الكميات مع ازدياد الطلب على المياه بسبب تدمير عدد من الآبار وتلوثها ونتيجة لأزمة الكهرباء الآخذة بالتفاقم فى قطاع غزة .

واختتم الأمين العام قائلا: إن الجمعية الشرعية متواصلة مع الشعب الفلسطينى منذ انتفاضته عام 2000 وداعمة له ماديا ومعنويا وطبيًا (أجهزة طبية- إجراء عمليات قلب- أجهزة تعويضية) ولم تتوقف يومًا؛ لأنها قضية أمة ونريد أن نرسل لهم وللعالم أجمع بأننا أمة واحدة، وعلى أتم استعداد لأن نقتسم رغيف الخبز الواحد معًا.

كتب: محمد سعد الحداد- السنوسى محمد السنوسى (سكرتيرا تحرير المجلة)