Thu08282014

أخر التحديثات11:37:01 AM GMT

Backمجلة التبيان - العدد 93 دخول الجنة فضل من الله تعالى ورحمة

دخول الجنة فضل من الله تعالى ورحمة

عن أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم ِ يَقُولُ: "لَنْ يُدْخِلَ أَحَداً عَمَلُهُ الْجَنَّةَ". قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "لاَ، وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِى اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَلاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِناً فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْراً، وَإِمَّا مُسِيئاً فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ". (أخرجه البخارى ومسلم).أ

المباحث اللغوية

"يَتَغَمَّدَنِي": أى يلبسنى ويسترنى برحمته، مأخوذ من: غِمْد السيف وهو غِلافه، يقال: غمدت السيفَ وأغمدتُه إذا أدخلته فى غلافه.

"فَسَدِّدُوا": السداد التوسط فى العمل، والمراد: ألزموا السداد وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط.

"وَقَارِبُوا": أى إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه.

والمراد بقوله: "فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا" اطلبوا بأعمالكم السداد والاستقامة، وهو القصد فى الأمر والعدل فيه دون إفراط أو تفريط.

"يَسْتَعْتِبَ": أى يرجع عن الإساءة ويطلب الرضا بالتوبة والرجوع إلى الله تعالى.

فقه الحديث

هذا الحديث من الأحاديث التى فهمت فهماَ غير صحيح حتى جعله البعض سبباً لترك العمل الصالح والانهماك فى المعاصى والمحرمات معللين ذلك بأن دخول الجنة ليس متوقفًا على العمل الصالح، ومادام أن الناس سيدخلون الجنة بفضل الله تعالى ورحمته فلا داعى للعمل الصالح وترك المعاصى والمحرمات خاصة وأن الالتزام بفعل الواجبات وترك المعاصى والمحرمات يحد من حرية الإنسان ويمنعه اللذة والمتعة.

ونأتى الآن لنبين المراد بهذا الحديث فى إطار مجموع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية فى بابها حتى لا يقع خطأ فى الفهم يؤدى إلى سوء الاعتقاد وسوء السلوك.

اشتمل هذا الحديث على مسألتين:

المسألة الأولى: هل هذا الحديث يعارض نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة التى علقت دخول الجنة على الأعمال الصالحة- وهى كثيرة.

المسألة الثانية: هل يجوز للمسلم أن يتمنى الموت؟

المسألة الأولى

إن الناظر فى القرآن الكريم والسنة المطهرة يجد نصوصًا كثيرة علقت دخول الجنة والنجاة من النار على الأعمال الصالحة، من هذه النصوص ما يأتى:

قال الله تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِم الأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَن هَدَانَا اللَّهُ لَقَد جَاءَت رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَن تِلْكُم الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ) (الأعراف:43).

قال الله تعالى: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُم الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُم ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ) (النحل:32).

قال الله تعالى حاكيًا ما سيُقال لأهل الجنة بعد أن يدخلهم الله تعالى إياها: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ) (الزخرف:72).

4- عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دُلَّنِى عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَالَ: "تَعْبُدُ اللَّهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ وَتُؤَدِّى الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ". قَالَ: وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئاً أَبَداً وَلاَ أَنْقُصُ مِنْهُ. فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رجل مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا" (أخرجه مسلم).

إلى غير ذلك من نصوص الكتاب الكريم والسنة المطهرة التى علقت دخول الجنة على الأعمال الصالحة، هذه النصوص ليس بينها وبين الحديث الذى نحن بصدد شرحه أدنى تعارض حقيقى وإن بدا تعارض من حيث الظاهر، وذلك للآتى:

* الأعمال الصالحة أسباب مفضية إلى دخول الجنة والنجاة من النار برحمة الله تعالى، وليست أسبابًا موجبة لدخول الجنة والنجاة من النار، فالله تعالى لا يجب عليه شيء لخلقه، وذلك للأسباب الآتية:

1- التوفيق للطاعة فضل من الله تعالى فالله هو الذى وفق الطائعين للطاعة وأعانهم عليها، ولولا توفيقه ما كان من الإنسان إلا الشر.

2- قبول الأعمال والإثابة عليها فضل من الله تعالى يمتن به على من يشاء من خلقه.

3- الأعمال الصالحة وإن عظمت لا تفى بشكر نعمة واحدة من نعم الله تعالى على الإنسان، فكيف بالنعم مجتمعة؟!

وهاهم أهل الجنة يعترفون بفضل الله عليهم، وأنه هو الذى وفقهم للطاعة وأعانهم عليها وقبلها منهم وأدخلهم الجنة، قال تعالى حاكيًا ما سيقوله أهل الجنة بعد أن يدخلهم الله تعالى الجنة اعترافًا بفضل الله تعالى ورحمته حامدين الله تعالى على توفيقه وقبوله للأعمال الصالحة: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِم الأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَن هَدَانَا اللَّهُ لَقَد جَاءَت رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَن تِلْكُم الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ) (الأعراف:43).

عنِ الْبَرَاءِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَوْمَ الأَحْزَابِ يَنْقُلُ التُّرَابَ وَقَدْ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: "اللهم لَوْلاَ أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَلاَ تَصَدَّقْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا. فَأَنْزِلِ السَّكِينَةَ عَلَيْنَا وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقيْنَا. إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا" (أخرجه البخارى).

لذلك يجب على المسلم أن يلزم باب الذل والافتقار لله رب العالمين وأن يحمد الله تعالى أن وفقه لطاعته وأعانه عليها وأن يسأل الله دوام الإعانة والتوفيق للطاعة وقبول عمله شكراً لله تعالى على توفيقه وطلباً لدوام التوفيق فإن شكر النعمة من أسباب دوامها.

قال الله تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ) (إبراهيم:7).

فأجل نعمة بعد نعمة الخلق هى نعمة الهداية للإسلام ثم نعمة الهداية للطاعة والحفظ من المعصية ويجب على كل المسلم أن يحمد الله تعالى آناء الليل وأطراف النهار أن هداه لدينه الحق ووفقه لطاعته ويسأل الله القبول.

كما يجب على المسلم أن لا يغتر بعمله مهما بلغ، فمهما بذل المسلم حتى لو بذل نفسه وماله فإن قدر الله تعالى أعظم وأجل وفضله و إنعامه على خلقه لا يحصى ولا يعد فالله تعالى هو مصدر كل خير ولا غنى للإنسان عن فضل الله تعالى ورحمته و إحسانه لحظة واحدة قال الله تعالى مذكراً خلقه بعموم نعمته عليهم (وَمَا بِكُمْ مِن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) (النحل:53).

فالمسلم الفاقه لدينه لا يغتر بعمله مهما عظم حتى ولو بذل نفسه وضحى بماله لله تعالى لأنه يبذل ما هو مملوك لله تعالى أصلاً وهو إذا يبذل نفسه لله تعالى وهى لا تبذل إلا لله تعالى يراها رخيصة لا تتناسب مع قدر لله تعالى.

فأنفس هو خالقها وأموال هو رازقها ثم يعطى عليها الجنة ربح البيع ورب الكعبة. قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) (التوبة:111).

وليس المراد بالحديث الذى نشرحه إحباط قيمة العمل الصالح، وأن الأعمال الصالحة ليست لها قيمة، لأن ذلك يؤدى إلى طى بساط الشريعة فلا يبقى واجب يؤتى ولا حرام يجتنب، ويصير الترغيب فى فعل الطاعات والترهيب من فعل المعاصى والمحرمات لا قيمة له، كما أن ذلك يؤدى إلى إبطال الحدود وترك الناس سدى مهملين، وذلك يفضى إلى خراب الدنيا والآخرة معًا، وهذا عبث نزه الله تعالى نفسه عنه.

قال تعالى: (أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى) (القيامة:36).. والمعنى أن الإنسان لن يترك فى هذه الدنيا مهملاً لا يُؤمر ولا يُنهى، ولا يترك فى قبره سدى لا يبعث، بل هو مأمور منهى فى الدنيا محشور إلى الله تعالى فى الدار الآخرة.

* لم يسوِ الله تعالى بين الصالحين والعصاة المذنبين، بل عاب على من يسوى بينهما، لأن مقتضى العدل الإلهى أن يأخذ كل إنسان نتيجة عمله وما صنعت يداه، فكيف نسوى بينهما فتسقط قيمة العمل الصالح؟

وفى هذا النص القرآنى يلاحظ أن الله تعالى ربط بين الجزاء على الأعمال وبين خلق السماوات والأرض فكما أن الله تعالى خلق السماوات والأرض بالحق فلابد أن يأخذ كل إنسان حقه إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، وهذا مقتضى العدل الإلهى الذى يثيب المحسن ويعاقب المسيء.

كما يجب أن نعلم أن الأحكام الشرعية إنما تؤخذ من مجموع نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة وليست من نص واحد، وذلك لأن المسلم مخاطب بجميع الأدلة الشرعية وليس مخاطبًا بنص واحد وهذا مما تميز به منهج أهل السنة أنهم استنبطوا الأحكام من مجموع أدلة القرآن الكريم والسنة المطهرة لذلك كانت أحكامهم صواباَ.

النبى صلى الله عليه وسلم يدخل الجنة بفضل الله ورحمته

لما كانت كل نعمة توجب على المُنْعَم عليه شكرًا لله تعالى، فإن النبى مع ما تحمله من جهد وعناء لا تقوى عليه الجبال الرواسى فى سبيل التلقى عن الله تعالى وتبليغ ما أمر بتبليغه إلى الناس، واحتماله المكاره فى سبيل ذلك، فلقد رمته الدنيا كلها عن قوس واحد وأعلنوا الحرب عليه، كما أنه بذل جهدًا لا يوصف فى تربية أصحابه حتى وصل بهم إلى هذه الدرجة العالية الرفيعة التى لم تعرفها الإنسانية، فربى منهم رجالاً أناروا الدنيا بالتوحيد وملأوها عدلاً وإحساناً، ومع ما قام به من طاعة وعبادة لا تصدر إلا عنه ولا يقوى عليها إلا النبى صلى الله عليه وسلم لا يستطيع مع ذلك وغيره مما لا نعرفه أن يفى بشكر نعمة الله تعالى على اصطفائه واختياره للرسالة، وهذا واضح فى أدعيته صلى الله عليه وسلم التى تفيض ثناء على الله وشكراً له فما عبد أحد الله تعالى كما عبده رسول الله محمد.

قال الله تعالى مبيّنًا فضله على نبيّه وحبيبه: (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَائِفَةٌ مِنْهُم أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَم تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (النساء:113).

ويلاحظ أن النبى صلى الله عليه وسلم بلغ قمة التواضع والتجرد والعبودية لله رب العالمين.

كما بلغ قمة الصدق فلم يُعجب بعمله ولم يأخذه الغرور؛ لأنه أعلم الناس بالله تعالى، وكان يعلم أن قدر الله تعالى أرفع وأعلى من يحيط به الخلق جميعًا، وأن العباد عاجزون تمام العجز عن حمد الله تعالى كما ينبغى لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأن العباد إن أطاعوا الله تعالى، فإن ذلك من توفيقه تعالى لهم، مع غنى الله تعالى المطلق عن طاعة خلقه، فطاعة العباد لله تعالى لا تحقق لله كمالاً ولا تدفع عن الله تعالى نقصًا، بل إن ثمرة طاعة العباد لله تعالى راجعة إليهم، حيث تحقق لهم السعادة فى الدنيا والنجاة فى الآخرة.

المسألة الثانية

هل يجوز للمسلم أن يتمنى الموت؟

من المعلوم أن الله تعالى خلق كل شىء وقدر ما يحدث له قبل أن يخلق الخلق، فلا يحدث حدث فى العالم العلوى أو السفلى إلا بقدرته ومشيئته.

قال تعالى: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَم يَتَّخِذ وَلَداً وَلَم يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) (الفرقان:2).

وأعمار العباد مقدرة قبل أن يُخلقوا، فقبل أن يُخلق الإنسان قدّر الله تعالى له كل شيء عمره- الفترة الزمنية التى يحياها فى الدنيا، وما يحدث خلال هذه الفترة من أحداث عظيمة أو صغيرة، ورزقه.. إلى غير ذلك- فلن تموت نفس حتى تستوفى رزقها وأجلها قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً وَمَن يُرِد ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِد ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) (آل عمران:145).

قال تعالى: (وَلَو يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُم إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُم لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (النحل:61).

وكما جاء في الحديث: (إن روح القدس نفث فى روعى أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها فأجملوا على الله فى الطلب).

وبذلك يكون الله قد أمن كل نفس على رزقها وأجلها لتعيش آمنة مطمئنة، فمن علم أن رزقه وأجله بيد الله تعالى لا بيد غيره، وأن غير الله تعالى لا يملك أمر نفسه- فضلاً عن أمـر غيره- فلن يذل نفسه لأحد، وبذلك يحرر الإسلام أتباعه من عبودية غير الله تعالى، ويتذكر المسلم دائمًا وأبدًا قول الله تعالى: (قُل إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) (آل عمران:145) وهذه الآية الكريمة كانت جواباً عن سؤال صدر عن المنافقين حين سألوا بعد معركة أحد قائلين: (هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ) فكان الجواب: (قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) (آل عمران:145) فإذا تيقن المسلم أن أمره بيد الله تعالى لا بيد غيره هدأت نفسه واستقر باله واطمأن قلبه.

إذا كان الأمر كذلك فلا يليق بالمسلم أن يتمنى الموت أو يدعو على نفسه به، لأن هذا لن يقدم ولن يؤخر أمرًا قضاه الله تعالى وقدره أزلاً. فإذا ألمت الخطوب بالمسلم وضاقت نفسه فعليه أن يفوض الأمر إلى الله تعالى فيقول كما جاء فى حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم "اللَّهُمَّ أَحْيِنِى مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْراً لِى، وَتَوَفَّنِى إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْراً لِي".

ونأتى الآن لذكر أقوال أهل العلم فى هذه المسألة:

ظاهر حديث الباب أنه لا يجوز للمسلم أن يتمنى الموت، بل إن هذا حرام، لأن النهى يقتضى التحريم ما لم يصرفه عن ذلك صارف، غير أن حديث أنس بن مالك صرف النهى عن حقيقته.

عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لاَبُدَّ مُتَمَنِّياً لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ أَحْيِنِى مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْراً لِى، وَتَوَفَّنِى إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْراً لِى" (أخرجه البخارى).

فذهب جماعة من العلماء إلى أنه يجوز للمسلم أن يتمنى الموت إذا كان يخشى من ضر أخروى كأن يخشى الفتنة فى دينه.. ولا يجوز للمسلم أن يتمنى الموت لضر دنيوى، واستدل العلماء بما يأتى:

حديث أنس، وفيه قوله: "لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ" أى نزل به بالفعل، حيث عبّر عن ذلك بالماضى.

فالنهى عن تمنى الموت إنما هو تمنى الموت المطلق دون التمنى المقيّد، وذلك لأن التمنى المطلق إنما هو تمنى الموت دون تفويض لله تعالى، وفى التمنى المطلق نوع اعتراض ومراغمة للقدر المحتوم.

أما التمنى المقيّد باختيار الله تعالى للعبد الأصلح كما فى حديث أنس: "فَإِنْ كَانَ لاَبُدَّ مُتَمَنِّياً لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ أَحْيِنِى مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْراً لِى، وَتَوَفَّنِى إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْراً لِي" ففى هذه الصورة المأذون فيها بتمنى الموت، نوع تفويض لله تعالى وتسليم للقضاء والقدر.

يجوز للمسلم إذا نزل به الموت أن يتمناه ويطلبه رضًا بقضاء الله تعالى وقدره.. لهذا ذكر الإمام البخارى بعد حديث أبى هريرة- وهو الحديث الذى نشرحه- حديث عائشة قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ مُسْتَنِدٌ إِلَىَّ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى وَارْحَمْنِى وَأَلْحِقْنِى بِالرَّفِيقِ الأَعْلَى" (أخرجه البخارى).

فهذه إشارة من البخارى إلى أن النهى مختص بالحالة التى قبل نزول الموت.

ولا يعترض على ذلك بأن نزول الموت لا يتحقق، فكم من إنسان انتهى إلى غاية جرت العادة بموت من يصل إليها ثم عاش.

والجواب عن ذلك بأنه يحتمل أن يكون المراد أن العبد يكون حاله فى ذلك الوقت حال من يتمنى نزوله به ويرضاه أن لو وقع به، والمعنى أن يطمئن قلبه إلى ما يرد عليه من ربه تعالى ويرضى به ولا يقلق ولو لم يتفق أنه يموت فى ذلك المرض.

ولا يعترض على النهى عن تمنى الموت بأن يوسف وسليمان عليهما السلام تمنّيا الموت، وأن عمر دعا به.

قال تعالى حاكيًا ما دعا به يوسف قال تعالى: (رَبِّ قَد آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّى فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف:101).

ما يستفاد من الحديث

1- دخول الجنة فضل من الله تعالى ورحمة يمتن به على من يشاء من خلقه.

2- الأعمال الصالحة أسباب مفضية لدخول الجنة وليست أسبابًا موجبة لدخول الجنة.

3- التوفيق للأعمال الصالحة فضل يمتن الله تعالى به على من يشاء من خلقه.

4- قبول الأعمال الصالحة والإثابة عليها فضل من الله تعالى يمتن به على من يشاء من خلقه.

5- الله تعالى لا يجب عليه شيء لخلقه فلو عذب الله تعالى أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم فإن رحمته خير لهم من أعمالهم.

6- صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فى البلاغ عن الله تعالى، فالإنسان مهما سمت نفسه وتجرد لا يستطيع أن يصل إلى هذه الدرجة العليا من التجرد فيعترف بأن أعماله لا تبلغ به الجنة وإنما يدخلها بفضل الله ورحمته مع ما بذل فى سبيل الله تعالى.

7- بلغ النبى صلى الله عليه وسلم قمة التواضع فمع ما بذل فى سبيل الله تعالى لم ير لنفسه فضلاً، بل لزم باب الذل والافتقار إلى الله تعالى.

8- على المسلم أن لا يتكل على عمله، بل عليه أن يعيش بين الخوف والرجاء، الخوف حتى لا يحمله الطمع فى رحمة الله تعالى ورجاء ثوابه على ترك الواجبات الشرعية وفعل المعاصى والمحرمات.. والرجاء حتى لا يحمله الخوف من الله تعالى على اليأس والقنوط من رحمة الله تعالى.

9- على المسلم أن يستقيم على منهج الله تعالى دون إفراط أو تفريط، فالخير كل الخير فى الاتباع.

10- الرضا بقضاء الله تعالى وقدره، والتسليم المطلق لله تعالى.

11- ثقة المؤمن بربه تعالى، وأن الله تعالى لا يختار لعبده المؤمن إلا الخير فى الدارين.

12- ينبغى ألا يتمنى المسلم شيئًا لم يقدره الله تعالى له، فإنه لا يعرف كيف يكون حاله بعد أن يأتيه ما تمناه وعليه أن يلزم الأدب مع الله تعالى فيدعو بما جاء فى دعاء الاستخارة فيقول: (اللهم اقدر لى الخير حيث كان ثم رضّنى به).

والله تعالى أعلى وأعلم.

بقلم أ. د. الخشوعى الخشوعى محمد

(أستاذ الحديث بجامعة الأزهر- عضو هيئة كبار علماء الجمعية الشرعية)

دخول الجنة فضل من الله تعالى ورحمة
التعليقات (0)add comment

أضف تعليق
bolditalicizeunderlinestrikeurlimagequote smilewinklaughgrinangrysadshockedcooltonguekisscry
تصغير | تكبير

busy