علماء الحديث وخدمة السنة المطهرة (4)

جهودهم من القرن الثالث الهجرى حتى الثانى عشر

يعتبر القرن الثالث الهجرى عصرًا ذهبيًّا للسنة النبوية المطهرة حيث تطور تدوين السنة فى هذا القرن ودخل التصنيف فيها مرحلة جديدة، كما شهد هذا القرن جيلًا فريدًا من كبار المحدثين، وحذاق الناقدين، ومهرة المؤلفين، فلذا ظهرت فيه الكتب الستة والتى تعتبر أمهات الكتب الحديثية، وفى هذا العصر أيضًا رأى بعض العلماء أن يفردوا أحاديث رسول الله ﷺ فى مصنفات ذات نوعيات مختلفة، فأفردوا أحاديث كل صحابى على حدة، ولو كانت فى موضوعات مختلفة، وجمعوها فيما عرف بالمسانيد، وأول من صنف على هذه الطريقة هو الإمام أبو داود سليمان بن الجارود الطيالسى (ت 204هـ)، ثم تبعه فى ذلك كثيرون منهم فظهر «مسند عبد الله بن موسى» (ت 213هـ)، و«مسند الحميدى» (ت 219هـ)، و«مسند مسدد بن مسرهد» (ت 228هـ)، و«مسند إسحاق بن راهويه» (ت 237هـ)، و«مسند عثمان بن أبى شيبة» (ت 239هـ)، و«مسند الإمام أحمد بن حنبل» (ت 241هـ)، و«مسند عبد بن حميد» (ت 249هـ)، و«مسند يعقوب بن شيبة» (ت 262هـ)، و«مسند محمد بن مهدى» (ت 272هـ)، و«مسند بقى بن مخلد القرطبى» (ت 276هـ).

وعلى أية حال فإن هذه المسانيد لم تقتصر على جمع الحديث الصحيح، بل جمعت الأحاديث مختلفة المراتب، وكذلك لم يقصد مؤلفوها جمع أحاديث الموضوع الواحد فيتعذر الوقوف من خلالها على أحاديث باب معين أو موضوع واحد، وكذلك يصعب من خلالها الاطلاع على درجة الحديث صحة أو حسنًا أو ضعفًا مما حدا ببعض العلماء أن يفرد مصنفات فى الأحاديث الصحيحة مميزين لها عن غيرها، وكذا حرصوا على أن يرتبوها على أبواب الفقه، وكان أول الراسمين لهذه الطريقة المثلى شيخ الحديث محمد بن إسماعيل البخارى (ت 256هـ)، فجمع فى مصنفه «الجامع الصحيح المختصر المسند من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه» الصحاح من الأحاديث مرتبة على أبواب الفقه، ثم اقتفى أثره فى ذلك الإمام مسلم بن الحجاج القشيرى (ت 261هـ) فى صحيحه، وقد اتفق العلماء على أن كتابيهما أصح الكتب المصنفة بعد كتاب الله تعالى، ثم حذا حذوهما كثير من المحدثين فى التصنيف على الأبواب الفقهية دون تمييز الصحيح من غيره كالإمام أبى داود سليمان بن الأشعث السجستانى (ت 275هـ)، وأبى عيسى محمد بن عيسى الترمذى (279هـ)، وأبى عبد الرحمن محمد بن شعيب النسائى (ت 303هـ)، وأبى عبد الله محمد بن يزيد القزوينى المعروف بابن ماجه (ت 273هـ)، فى سننهم وغيرهم كأبى بكر ابن أبى شيبة (ت 211هـ)، وعبد الرزاق بن همام الصنعانى (ت 211هـ)، فى مصنفيهما.
وقد حظيت هذه الكتب الستة ـ صحيحا البخارى ومسلم، وسنن أبى داود والترمذى والنسائى وابن ماجه ـ بخدمة العلماء فى جميع العصور ما بين شارح لها، ومختصر ومؤرخ لرجالها، وجامع لأطرافها، ومستدرك عليها، وفى الجملة فإن القرن الثالث الهجرى من أجل عصور السنة، وأزهاها وأسعدها بتدوين أمهات كتب السنة المشرفة.

من القرن الرابع الهجرى حتى السابع:
ما أن بزع فجر القرن الرابع الهجرى إلا وقد جُمِعَ معظم السنة ودُوِّنَ أغلبها، فقد سبق أن ذكرت أن الكتب الستة هى أمهات كتب السنة قد جمعت كثيرًا من الأحاديث النبوية، ولكن لم يقف علماء القرن الرابع الهجرى ومن بعدهم موقف المتفرج أو الممجد لجهود من سبقوه دون أن يضيفوا للسنة إضافات جديدة، ويتركوا لنا بصمات مميزة، فقد اهتم محدثو تلك القرون بالجمع والاختصار من كتب السابقين، ولكنهم اهتموا أيضًا بتراجم شيوخهم والشيوخ الذين نزلوا بلادهم، وكذلك لم يفتهم التصنيف فى مرويات أهل بلادهم، فجمعوا التواريخ والأخبار، كذا اهتموا بعمل المستخرجات، وهى أن يعمد مؤلفه إلى مصنف من مصنفات السنة المسندة فيخرج أحاديثها بأسانيد لنفسه عن شيوخه هو، وقد يلتقى مع شيخ المصنف أو شيخ شيخه، وعمل المستدركات، واهتموا بالترتيب والتهذيب، وإذا تكلموا فى شيء من الأسانيد فبلسان من سبقهم، من أهل القرون الأولى.
وبالرغم من ذلك فإن علماء هذه القرون عامة، والقرن الرابع خاصة كان لهم باع طويل فى خدمة السنة وعلومها، وكان لهم القدح المعلى فى رواية المرويات، والكلام على الأسانيد، ومن أشهر علماء هذه القرون أبو أحمد ابن عدى الجرجانى، وأبو نعيم الأصبهانى، وأبو القاسم الطبرانى، وأبو بكر البزار، وأبو الحسن الدارقطنى، وأبو عبدالله الحاكم، وأبو حاتم البستى، وأبو بكر ابن خزيمة، وأبو جعفر الطحاوى، وأبو بكر البيهقى، وأبو الفرج ابن الجوزى، عبد العظيم المنذرى، والنووى وغيرهم الكثير، ولا شك أنه كانت لهم طريقة استقلالية فى التدوين فى المتون والرجال.
ومن أشهر المصنفات الحديثية التى شهدتها هذه القرون ما يلى:
1ـ «صحيح ابن خزيمة» لمحمد بن إسحاق بن خزيمة (ت 311هـ).
2ـ «مستخرج أبى عوانة» يعقوب بن إسحاق (ت 316هـ).
3ـ «معانى الآثار» لأبى جعفر أحمد بن محمد الطحاوى (ت 321).
4ـ «صحيح ابن حبان» لمحمد بن حبان البستى (ت 354هـ).
5ـ «معاجم الطبرانى الثلاثة» لأبى القاسم سليمان بن أحمد الطبرانى (ت 360هـ).
6ـ «السنن» لأبى الحسن على بن عمر الدارقطنى (ت 385هـ).
7ـ «المستدرك على الصحيحين» لأبى عبد الله الحاكم النيسابورى (ت 405هـ).
8ـ «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء» لأبى نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهانى (ت 430هـ).
9ـ «السنن الكبرى»، و«الصغرى»، و«شعب الإيمان» لأبى بكر أحمد بن البيهقى (458هـ).
10ـ «مصابيح السنة» لحسين بن مسعود البغوى (ت 516هـ). وغير ذلك من الكتب والمؤلفات التى صنفت فى هذه القرون كثير وما ذكرته فهو على سبيل المثال لا الحصر.

من القرن الثامن الهجرى حتى القرن الثانى عشر:
لم تحظ سنة نبى من الأنبياء السابقين بمثل ما حظيت به سنة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام؛ فما كادت شمس القرن الثامن الهجرى أن تشرق حتى دخلت السنة الشريفة مرحلة جديدة، فبعد المدارس العلمية المنتشرة فى أقطار العالم الإسلامى، والرحلات التى تجوب ربوع الأرض من أجل طلب الحديث الشريف وعلومه، تقاصرت همم الطلاب، وفترت عزائمهم وانقرضت الرواية الشفاهية، وحل محلها الإجازة والمكاتبة، وصار الإسناد يقصد للتبرك والتيمن، وعكف علماء الحديث على كتب السابقين يتناولونها بالاختصار والتهذيب والانتقاء والتخريج والشرح والترتيب، وبالرغم من ذلك فقد أنجبت هذه الفترة من المحدثين من جدد ما خلق، وأحيا ما اندثر، وأعاد إلى الوجود ما كان غائبًا بين السطور، فرحلوا إلى الأقطار وجابوا الفيافى والقفار، وعقدوا مجالس للإملاء يذكر المحدث فيها الأحاديث بأسانيد لنفسه، وكان الناس يتبادرون بالأخذ منه، ومن أمثال هؤلاء الإمام الحافظ الكبير أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقى (ت 806هـ) فقد زادت مجالس إملائه عن أربعمائة مجلس، قال تلميذه ابن حجر رحمه الله عنه: شرع فى إملاء الحديث من سنة 796هـ فأحيا الله به السنة بعد أن كانت داثرة، فأملى أكثر من أربعمائة مجلس غالبها من حفظه متقنة مهذبة محررة كثيرة الفوائد الحديثية.
ومنهم الإمام الحافظ أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن على بن محمد بن حجر العسقلانى (ت 852هـ) فقد قال السيوطى رحمه الله: ختم به الفن وقال غيره: انتهت إليه الرحلة والرياسة فى الحديث فى الدنيا بأجمعها فلم يكن فى عصره حافظ سواه، ألَّف كتبًا وأملى أكثر من ألف مجلس؛ إلا إن أمثال هذين العالمين كانوا على ندرة وقلة وطريقتهما فى الإملاء لم تكن منتشرة انتشارها فى العصور الأولى، بل لم يعان جل علماء الحديث فى هذه الفترة الرحلة إلا نادرًا، ولم يطلبوا الإسناد إلا تبركًا وتيمنًا، وقد شهدت هذه الفترة مؤلفات مهمة قيمة فى السنة المطهرة بعضها يتعلق بالشروح والاختصار، وبعضها يتعلق بانتقاء الزوائد أو التخريج أو نحو ذلك وأسرد هنا أهم بعض المؤلفات فى هذه الفترة:
1ـ الإلمام بأحاديث الأحكام لتقى الدين أبى الفتح محمد بن على بن وهب بن مطيع القشيرى، المعروف بابن دقيق العيد (ت 702هـ).
2ـ نصب الراية لأحاديث الهداية لجمال الدين أبى محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعى (ت762 هـ).
3ـ جامع المسانيد والسنن الهادى لأقوم سَنَن للحافظ لأبى الفداء عماد الدين ابن كثير (ت 774هـ).
4ـ تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد لزين الدين عبد الرحيم بن الحسين، أبى الفضل العراقى (ت 806هـ).
5ـ إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة لأحمد بن أبى بكر بن إسماعيل البوصيرى (ت 840هـ).
6ـ فتح البارى شرح صحيح البخارى لأحمد بن على بن حجر أبى الفضل العسقلانى الشافعى (ت 852).
7ـ بلوغ المرام من أحاديث الأحكام لابن حجر العسقلانى أيضًا (ت 852).
8ـ أطراف المُسْنِد المعتَلِى بأطراف المسنَد الحنبلى لابن حجر العسقلانى أيضًا (ت 852).
9ـ المقاصد الحسنة فى بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة لشمس الدين محمد بن عبد الرحمن السَّخاوى (ت 902).
10ـ جمع الجوامع أو الجامع الكبير لجلال الدين عبدالرحمن بن أبى بكر بن محمد بن سابق الدين السيوطى (ت 911).
11ـ الجامع الصغير من حديث البشير النذير لجلال الدين السيوطى (ت 911).
12ـ الجامع الأزهر من حديث النبى الأنور لعبد الرؤوف المناوى (ت 1031هـ).
13ـ فيض القدير بشرح الجامع الصغير للمناوى أيضًا (ت 1031هـ).
14ـ كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس لأبى الفدا إسماعيل بن محمد الجراحى العجلونى (ت 1162هـ).
15ـ ذخائر المواريث فى الدلالة على مواضع الحديث لعبد الغنى بن إسماعيل النابلسى (ت 1143هـ).
وغير ذلك من المؤلفات الكثيرة التى خلفها لنا علماء هذه القرون، وإن كانت الحركة التأليفية الحديثية فى هذه الفترة لم تخرج عن نطاق الجمع والترتيب والاختصار والتهذيب والشرح والتخريج غالبًا إلا إنها كانت قوية ونشطة من أى فترة سابقة فى هذا الجانب، وقد أَثْرَت مؤلفات تلك الفترة المكتبة الإسلامية بمئات من المؤلفات الحديثية النافعة.  ▪

بقلم:د‮. ‬أسـامـة إبراهيـم مهـدى