العناصر :

1) قيمة الوقت وأهميته .                        2)  سرعة انقضاء الوقت .

3) أهمية الانتفاع بالوقت .                       4) الاعتبار بمرور الوقت .

5) واجب المسلم فى الأجازات والعطلات

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولى الصالحين ، وأشهد أن محمدا رسول الله إمام الأنبياء والمرسلين .      وبعد ...

فإن من ينظر إلى حال الناس  ، ويعرف كيف يقضي كل واحد منهم وقته ويعيش حياته سيجد أن أكثر الناس مضيع لوقته غافل عن الانتفاع به محروم من نعمة استغلال الوقت . ويجد المرء كذلك كيف أن أكثر الناس فرح بسرعة انقضاء عمرة ووقته ، وغابت عنه حقيقة أن كل يوم بل كل ساعة ودقيقة تمر على الإنسان إن هي إلا نقص في عمره ودنو من أجله كما روي عن الحسن البصري حين قال : " يا ابن آدم إنما أنت أيامٌ مجموعة ، كلما ذهب يومٌ ذهب بعضُك"، وصدق الشاعر حيث قال : -

هي الليالي فلا تغتر بالأمل              وهل سمعت بظل غير منتقل

إنا لنفرح بالأيام نقطعها                 وكل يوم مضى نقص من الأجل

    وتضييع الوقت وعدم انتفاع المرء به دليل على إفلاسه  وقلة البركة في حياته لذلك أثر عن السلف قولهم : " من علامات المقت إضاعة الوقت "، ولما كان الوقت هو الحياة كان الحفاظ عليه والعمل على الانتفاع به من أهم واجبات المسلم فإن تضييع الوقت أساس كل شر.

وفيما يلي بيان لقيمة الوقت وأهميته وعوامل الانتفاع به وبين أهمية الاعتبار بمرور الوقت وسرعة انقضائه وبيان إثم تضييع الوقت  والله المستعان  .

 قيمة الوقت وأهميته :

إذا عرف الإنسان قيمة شيء ما وأهميته حرص عليه وعز عليه ضياعه وفواته، وهذا شيء بديهي فالمسلم إذا أدرك قيمة وقته وأهميته، كان أكثر حرصًا على حفظه واغتنامه فيما يقربه من ربه، وها هو الإمام ابن القيم رحمه الله يبين هذه الحقيقة بقوله: 'وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر مر السحاب، فمن كان وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبًا من حياته .. فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير من حياته'.

ويقول ابن الجوزي: 'ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ويقدم فيه الأفضل فالأفضل من القول والعمل، ولتكن نيته في الخير قائمة من غير فتور بما لا يعجز عنه البدن من العمل'. ولقد عني القرآن والسنة بالوقت من نواح شتى وبصور عديدة، فقد أقسم الله به في مطالع سور عديدة بأجزاء منه مثل الليل، والنهار، والفجر، والضحى، والعصر، كما في قوله تعالى: { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى } [ الليل:1ـ 2]، { وَالْفَجْر ِ* وَلَيَالٍ عَشْرٍ } [ الفجر:1ـ2 ]،{ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ } [ العصر:1ـ 2]،  

ومعروف أن الله إذا أقسم بشيء من خلقه دل ذلك على أهميته وعظمته، وليلفت الأنظار إليه وينبه على جليل منفعته.

وجاءت السنة لتؤكد على أهمية الوقت وقيمة الزمن، وتقرر أن الإنسان مسئول عنه يوم القيامة. فعَن ِعبد الله بْنِ مَسْعُود – رضي الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم- قَالَ  " لاَ تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ  " أخرجه الإمام الترمذي وغيره واللفظ له.

سرعة انقضاء الوقت :

على المسلم أن يبادر باغتنام الوقت واستثماره ويسارع في ذلك فإن من خصائص الوقت أنه سريع الانقضاء وأن ما مضى منه لا يعود أبدا يقول أبو العتاهية :

          ما أَسرَعَ الساعاتِ في الأَيّامِ    وَأَسرَعَ الأَيّامَ في الأَعوامِ

وهو القائل أيضا  :-

   يا عَجَباً ما أَسرَعَ الأَيّاما      عَجِبتُ لِلنائِمِ كَيفَ ناما

فالوقت يمرُّ مر السحاب ، ويجري جري الرياح ، سواء أكان زمنَ مسرَّة وفرح ، أم زمن اكتئاب وتَرح ، و إن كانت أيامُ السرور تسير أسرع ، و أيام الهموم تسير أبطأ ، فدقيقة الألم ساعة وساعة اللذة دقيقة ،

قال بعض الشعراء :

مرَّت سنونٌ بالوصال و بالهنا            فكأنها من قصرها أيامُ

ثم انثنت أيام هجر بعدهــا               فكأنها من طولها أعوامُ

ثم انقضت تلك السنون وأهلها           فكأنها و كأنهم ما كانوا

لذا فقد أوصانا رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم  - بحسن استغلال الوقت محذرا إيانا من أن نكون من المخدوعين الخاسرين لأوقات فراغهم      فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما – قَالَ :  قَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- : « نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ ». أخرجه الامام البخاري وغيره واللفظ له

أهمية الانتفاع بالوقت :

إذا كان الإنسان شديد الحرص على المال، شديد المحافظة عليه والاستفادة منه، وهو يعلم أن المال يأتي ويروح، فلا بد أن يكون حرصه على وقته والاستفادة منه كله فيما ينفعه في دينه ودنياه، والانتفاع بكل جزء منه وما يعود عليه بالخير والسعادة أكبر، خاصة إذا علم أن ما يذهب منه لا يعود. ولقد كان السلف الصالح أحرص على ما يكون على أوقاتهم؛ لأنهم كانوا أعرف الناس بقيمتها، وكانوا يحرصون كل الحرص على ألا يمر يوم أو بعض يوم أو برهة من الزمان وإن قصرت دون أن يتزودوا منها بعلم نافع أو عمل صالح أو مجاهدة للنفس أو إسداء نفع إلى الغير.

يقول الحسن البصري :  " أدركت أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصًا على دراهمكم ودنانيركم "، ولأهمية الوقت وأهمية الانتفاع به كان الرسول e في دعائه يسأل الله عز وجل أن ينفعه بوقته وان تكون حياته زيادة له في كل خير فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه – قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ : - " اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِى دِينِىَ الَّذِى هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِى وَأَصْلِحْ لِى دُنْيَاىَ الَّتِى فِيهَا مَعَاشِى وَأَصْلِحْ لِى آخِرَتِى الَّتِى فِيهَا مَعَادِى وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِى فِى كُلِّ خَيْرٍ وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِى مِنْ كُلِّ شَر ".

وما أجمل كلمات أمير الشعراء أحمد شوقي في أهمية الانتفاع بالوقت حين قال : -

دَقّاتُ قَلبِ المَرءِ قائـــِلَةٌ لَهُ               إِنَّ الحَيــاةَ دَقائِقٌ وَثَواني

فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها           فالذكر للإنسان عمـر ثاني

لِلمَرءِ في الدُنيا وَجَمِّ شُؤونِها            ما شاءَ مِن رِبحٍ وَمِن خُسرانِ

فهي الفضاء لراغب متطلـع              وهي المضيق لمؤثر السلوان

أسباب تعين على حفظ الوقت :

-  محاسبة النفس                              -  تربية النفس على علو الهمة

-  صحبة الأشخاص المحافظين على أوقاتهم-  معرفة حال السلف مع الوقت

-  تنويع ما يستغل به الوقت                    - إدراك أن ما مضى من الوقت لا يعود ولا يعوض

-  تذكر الموت وساعة الاحتضار:              -  الابتعاد عن صحبة مضيعي الأوقات:

- تذكر السؤال عن الوقت يوم القيامة

أهمية الاعتبار بمرور الوقت :     

    من الواجب على المسلم أن يعتبر من تتابع الأيام ومرور الشهور والسنوات وألا تمر عليه مرور الكرام ولا يأخذ منها لنفسه في حياته عبرة  ولا يعيش في حياته عيش اللاهين الغافلين . فلقد أمر الله عز وجل في القرآن الكريم المؤمنين أن يأخذوا العبرة من تقليب الليل والنهار وتتابعهما  فقال : ( يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ) (النور:44)، وقال تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً ) (الفرقان:62)، فواجب عليه أن يعلم أن مرور الوقت وتتابع الأيام والأسابيع والشهور والسنوات إنما يؤذن بانقضاء هذا العمر وأن له نهاية فيبادر المرء بالإقدام على الطاعات ليدخر لنفسه الأجر لما بعد الموت ولا يطيل الأمل فيخسر الدنيا والآخرة .

وقد حذر رسولنا الكريم e من طول الأمل  وأمرنا بالاستعداد لما بعد الموت فإنه يأتي بغتة فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود- رضى الله عنه - قَالَ خَطَّ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- خَطًّا مُرَبَّعًا وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ وَخَطَّ خُطُطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ وَقَالَ « هَذَا الإِنْسَانُ وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ - أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ - وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ وَهَذِهِ الْخُطُطُ الصِّغَارُ الأَعْرَاضُ فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا ». أخرجه الإمام البخاري

وقال أيضا فيما  أخرجه الترمذي في جامعه عن أبي هريرة  - رضي الله عنه : -

« بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْظُرُونَ إِلاَّ فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ».

قال أبو العتاهية في الاعتبار بالأوقات المارة بالإنسان :

وَإِنّا لَنُرمى كُلَّ يَـــومٍ بِعــِبرَةٍ               نَراها فَما تَزدَدُ إِلّا تَمادِيــا

نُسَرُّ بِدارٍ أَورَثَتنا تَضاغُنـــــاً              عَلَيها وَدارٍ أَورَثَتنا تَعادِيـا

إِذا المَرءُ لَم يَلبَس ثِياباً مِنَ التُقـى                 تَقَلَّبَ عُرياناً وَإِن كانَ كاسِيا

أَخي كُن عَلى يَأسٍ مِنَ الناسِ كُلِّهُم              جَميعاً وَكُن ما عِشتَ لِلَّهِ راجِيا

أَلَم تَرَ أَنَّ اللَهَ يَكفي عِبـــــادَهُ              فَحَسبُ عِبادِ اللَهِ بِاللَهِ كافِيـا

أَلا يا طَويلَ السَهوِ أَصبَحتَ ساهِيا                وَأَصبَحتَ مُغتَرّاً وَأَصبَحتَ لاهِيا

أَفي كُلِّ يَومٍ نَحنُ نَلقى جَـــنازَةً             وَفي كُلِّ يَومٍ نَحنُ نَسمَعُ ناعِيا

وَفي كُلِّ يَومٍ مِنكَ نَرثي لِمُــعوِلٍ           وَفي كُلِّ يَومٍ نَحنُ نُسعِدُ باكِيا.

واجب المسلم فى الإجازات والعطلات :

الإسلام لا يعرف الفراغ ، لأن عمر الإنسان هو رأس ماله ، وكل دقيقة تمر بلا عمل سيندم عليها صاحبها يوم القيامة .

قال -U- على لسان الكافرين فى النار ( وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ )(فاطر: من الآية37) فرد الله -U-عليهم كما فى بقية الآية ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ)(فاطر: من الآية37).

وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t - يقول : " إنى لا كره أن أرى الرجل فارغاً لا فى عمل الدنيا ولا فى عمل الآخرة "

ويقول أحد الصالحين : " ما ندمت على شىء ندمى على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلى ولم يزدد فيه عملى " .

وفى الأثر : " من استوى يوماه فهو مغبون ، ومن كان فى يومه أقل من أمه فهو محروم ومن لم يكن فى ازدياد الإيمان كان فى نقصانه ومن كان فى نقصانه فالموت خير له "

لذا يجب على الشباب الذى يستقبل عطلة الصيف أن يعلم أن الإسلام لا يرضى بتعطيل طاقته ، أو اهدارها فى اللهو واللعب ، أو قتلها فى النوم والكسل بل إن الإسلام يأمره بما يلى :

  • تنظيم وقته للاستفادة من كل لحظة فيه .
  • الاحتراف والعمل اليدوى النافع مع ما حصل من علم مفيد .
  • المشاركة فى الأعمال الخيرية والواجبات الاجتماعية فى مجتمعه .
  • إعطاء القلب حقه من الغذاء الروحى بالمداومة على النوافل ، وملازمة ورد قرآنى ، والمحافظة على الأذكار .

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

                                                     كتبه

                                                                                   د / محمد أحمد كمال الغباشي