أدلة اليوم الآخر بين المنقول والمعقول (2-1)

أدلة اليوم الآخر بين المنقول والمعقول (2-1)

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

الإيمانُ باليوم الآخر ركنٌ من أركان الإيمان، وهو مرتبطٌ كلَّ الارتباط بالإيمان بالله - تعالى - لا ينفكُّ عنه، بل هو فرعٌ عنه، ومشروطٌ تحقُّقُهُ بتحققه؛ إذ لا يمكنُ أن يُنتَظَرَ ممن لا يؤمنُ بالله – تعالى - أن يؤمنَ باليوم الآخر، وهذا ما لم نعرف أنه حدث أصلًا، لم يَحدُثُ أن أحدًا يَجحَدُ الإله فلا يؤمن به أن يؤمنَ باليوم الآخر؛ إذ على أى أساسٍ يؤمنُ باليوم الآخر من لم يؤمنْ بالإله الحقِّ الذى يَبعَثُ الناسَ؛ ليُحاسبَهم ويُجازيَهم فى هذا اليوم؟

وإنْ وجدنا عكس ذلك واقعًا أحيانًا، وهو: من يُؤمنُ بالله فى حين أنه لا يؤمنُ باليوم الآخر، ولكنَّ هذا دليلٌ على خَلَلٍ فى الإيمان بالله - تعالى -؛ فلو صحَّ الإيمانُ بالله - تعالى – واكتملَ على وجهه الصحيح الأتمِّ لقادَ صاحبَه إلى الإيمان باليوم الآخر، كما أنَّ الإيمانَ بالله - تعالى - إذا كان على الوجه الأكمل فإنه يهدى إلى الإيمان ببقية أركانِ الإيمان من الإيمان بملائكته وكتبه ورسله والإيمان بقضائه وقدره.

لهذا وجدنا أكثرَ الآياتِ القرآنيةِ التى تَذكُرُ من آمن بالله تُردِفه بإيمانه باليوم الآخر، كقوله - تعالى -: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ البقرة (177)، وغيرها من الآيات.

ولما كان الإيمانُ باليوم الآخر مرتبطًا بالإيمان بالله - تعالى – مُتفرِّعًا عنه كانت الأدلةُ عليه كذلك مستندةً على الاعتقاد الصحيح فى الله - تعالى -، واستعادتِهِ إلى الذاكرة عندما يغيبُ عن العاقل الإيمانُ باليوم الآخر أو يستبعدُ البعثَ بعد الموت.

بين المنقولِ والمعقولِ

وتتداخلُ أدلةُ المنقولِ من الكتاب والسنة على إثباتِ اليومِ الآخِرِ مع أدلةِ العقل، كما هو الشأنُ فى الأدلة على الله - تعالى - ووحدانيته وتنزيهه وكماله، فلا تكادُ تُفرِّقُ بين منقولٍ ومعقولٍ، فقراءةُ ما فى العقل عند تجرُّده وتحرُّره تقتربُ بك كثيرًا من قراءة آيات الله فى كتابه؛ لأنَّ العقلَ لا يَستَمِدُّ أدلَّتَهُ إلا من الآياتِ المبثُوثَةِ فى الكون وفى النفس، هى هى التى عبَّرتْ عنها آياتُ اللهِ المسطورةِ.

وهذه حقيقةٌ جليَّةٌ تُعلِنُ عن نفسها كلما اقتربنا فى آنٍ واحدٍ وبدرجةٍ متساويةٍ من الآيات المسطورة فى كتاب الله - تعالى - والآيات المنظورة فى خلقه، لولا أن الصناعة المنطقية المصطنعة للتفريق بين المنقول والمعقول أورثت لدى كثيرٍ من الدارسين فى مجالِ العقيدةِ انطباعًا فيه جفوةٌ بين العقلِ والنقلِ، وكأنهما طريقان منفصلان وإن أوصلا إلى هدفٍ واحدٍ.

لماذا ينكرون اليوم الآخر؟

شُبْهَةُ الشُّبَهِ لمنكرى اليوم الآخر: مهما تنوَّعتْ شُبَهُ منكرى اليوم الآخر فهى فى نهاية الأمر تعود إلى شبهة واحدة، وهى الاستبعادُ: استبعادُ شىءٍ لم يره المنكرون، ولم يألَفُوه.

قال - تعالى-: ﴿وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ مريم (66). وقال - تعالى – حكاية عن منكرى اليوم الآخر: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ ق (3)، وقالوا: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ الإسراء (98)، (49)، وقالوا: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ النازعات (11)،

ونستطيع أن نردَّ هذا الاستبعاد إلى باعثه الأساسى الذى ربما نشأ عنه تنوُّعُ شبهات منكرى اليوم الآخر:

هذا الباعثُ هو الاستغراقُ التامُّ فى شئون الدنيا بحيث يسيطرُ هذا الاستغراقُ سيطرةً كاملةً على مشاعر صاحبه واهتماماته، فلا يتركُ له متنفَسًا يُفَكِّرُ فى غير دنياه أو حتى يتوقَّعه مجرد توقُّع فضلًا عن أن يستوعبه بأن ينتظره، فيؤمن بوقوعه.

هذه الحالة من الاستغراق التامِّ فى الدنيا وملذّاتها تعبِّر عنها آياتُ القرآن الكريم أصدق تعبيرٍ بأنها "سكرة "، وبأنها "غمرة، قال - تعالى-: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الحجر (72)، وقال - تعالى -: ﴿فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ المؤمنون (54).

إنعاش الذاكرة:

من كان فى هذه الغمرة وتلك السكرة التى سيطرت عليه حتى أعمته عما بين يديه بل عما بداخله فإنه لا يحتاج أكثر من إنعاش ذاكرته؛ لعله يُفيق، فيعود إلى صوابه؛ لهذا كثُر التذكيرُ فى نهاية الاستدلال بالمشاهد المرئية والوقائع المحكية فى القرآن الكريم لأولئك المغمورين؛ لإيقاظهم من غمرتهم، وبالفعل "يذكر "، و "يتذكرون ".

قال - تعالى -: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ الأعراف (57)، وقال - تعالى -: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ مريـــم (67)، وقـــال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ الواقعة (62)، وقال - تعالى – مخبرًا عن هذا الجاحد الذى فتَّت بين يدى رسول الله عظامًا بالية: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِى خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْى الْعِظَامَ وَهِى رَمِيمٌ﴾ يس (78).

ولعل هذا الغارِقَ فى حياته الدنيوية يتذكرُ أن لمثل حالَتِهِ تلك أمثلةً كثيرةً فى حياتِهِ وحياةِ غيرِهِ ممّن يعيشُ معهُ وممّن سَبَقَهُ فى هذه الدنيا أو من سيأتى من بعده.

ألا يعودُ بذاكِرَتِهِ إلى الوراءِ لِيَجدَ أنَّه فى طفولتِهِ كان يعيشُ فى بيئة طفولتِهِ التى لا يشعُرُ إلا بعالَمِها المليءِ بالمَرَحِ واللعِبِ ليس إلّا، بحيث لو قيل له وقتئذٍ: إنك ستعيشُ حياةً زوجيةً تعاشِرُ فيها زوجك معاشرةً جنسيةً صِفَتُها كذا وكذا، وهاتِ لتصويرِ هذه الحياةِ الجنسيةِ ولذَّتِها كلَّ مفرداتِ اللغةِ وأساليبِها لتنقلَ للطفلِ فى هذه المرحلةِ المعزولِ فيها تمامَ الانعزالِ عن هذه اللذَّةِ؛ لعلَّه يتصوَّرها أو تصلُ إليه فلستَ بمستطيعٍ ذلك، إلا أن ينتقلَ بعد تجاوُزِ مرحلةِ الطفولةِ إلى سِنِّ المُراهَقَةِ؛ لتشتعلَ فيه هذه اللذَّةُ اشتعالًا، وبالأمس ما كانت تدورُ بخلده!

وهذا قليلٌ من كثيرٍ مما يمرُّ بنا فى تقلُّبنا فى دنيانا على المستوى الفردىّ.

أمّا ما نراه فى غيرنا فهو من الكثرة بحيث يفوق الحصر، فلو حدَّثتَ قرويًّا أو بدويًّا لم يخرجْ من قريتِهِ أو باديَتِهِ طَوَالَ حياتِهِ عن مباهِجِ المدينةِ ومفاتِنِها وما يَنعَمُ المُترَفُونَ فيها فى قصورِهِم ولهوِهِم وحياتِهِم التى تُشبِهُ الخيالَ لَاستلقَى ذلك القَرَوِى على قَفَاهُ ضاحكًا من التعجُّب مما تقولُ استبعادًا واستنكارًا، فإذا قُدِّرَ له أن يذهبَ إلى المدينةِ التى كانت بالأمس أسطُورَةً تُحكَى له، وعاشَ ما كان حُلمًا لا يَمُرُّ له بخاطر زال ما كان به من عَجَبٍ، ونَسِى حالَهُ بالأمس.

وكم كنّا نسمعُ عن أسلافنا من الأجداد ما كان ينقُلُهُ لنا الآباءُ ممن عاصَرَهُم أَنَّهم كانوا يُحَدِّثُونهم فى استغرابٍ شديدٍ بأَنَّه سيأتى يومٌ يتكلمُ فيه الحديدُ! فكيف لو رأوُا اليومَ أَنَّ من الحديد تنبعثُ الأصواتُ المتنوِّعةُ والصوَرُ المتحرِّكةُ، ويُحتَفَظُ بالصوتِ والصورةِ والحركةِ، كأنك تعيشُ مع من مضى ورَحَلَ عن دنيانا من عَشَراتِ السنين؟ فإذا بالذى كان الأسلاف يتعجبون منه بالأمس ويتناقلونه على أنه ضربٌ من المستحيل لُعْبَةٌ فى أيدى الصِّبيةِ اليوم؟

متى كان أيُّها العقلاءُ استبعادُنا لشىءٍ ما سببًا فى إنكارِهِ؟

إننا لو حَكّمنا هذا المبدأَ فى حُكْمِنا على الأشياء ما ثبت لنا حكمٌ أصلًا؛ إذ كلُّ عاقلٍ منّا يجدُ فى حياته مألوفاتٍ يُفتَرَضُ أَنَّها هى وحدها التى يحكمُ عليها بالوجود، وما لم يألفه مما يقعُ لغيره ممن عاصره أو سبقه أو من سيأتى بعده لا يَحكُمُ عليه بمعقوليةٍ أصلًا فضلًا عن وجودٍ وتَحَقُّقٍ، فهل يثبُتُ للناس فى جُملَتِهِم والحالة هذه شيءٌ؟ وكيف نَتَصَوَّرُ حياةً لا بدَّ فيها بيننا من علاقاتٍ ولا يُسَلِّمُ فيها كلُّ واحدٍ منا للآخر إلا بما رآه أو صار له مألوفا؟! إن النتيجة من وراء تحكيمِ هذا المبدأ الفاسدِ عقلًا أن أحدًا لن يسلِّمَ لأحدٍ بشىءٍ.

الغرور وراء كل جحود:

وفِتنةُ الإنسان بمباهج الدنيا وزخرفِها تجعله يغترُّ بها، ويظنُّ أنها دارُ القرار، ويقابلُ أى خبرٍ يُعَرِّفُ بما وراءها كأنه يَصرِفُ عنها أو يُنَغِّصُ عليه انغماسه فى لذائذها، فيعامله على أنه ضربٌ من الخيال والخرافة التى لا حقيقة لها؛ ولهذا كثرت الآياتُ القرآنيةُ التى تُنَبِّهُ العقلاءَ بأنَّ الدنيا ليست دارَ قرار، بل هى لهوٌ ولعِبٌ، وكل ما فيها متاع وزينة لا بقاء له ولا خلود، ولكن يأبى المغرورون بالدنيا المفتونون بها إلا أن يُصِرُّوا على موقفهم الجاحد وكبريائهم، فيكابروا أمام هذه الحقيقة التى تقتحم عليهم حياتهم، وتؤرِّقهم فى ملذَاتهم، هنا يكسر الله - تعالى - ها الصَّلَفَ بهذا التحدِّى الذى لا فكاكَ عنه، فيتحدّاهم أن يَرُدُّوا الموت عنهم إذا أقبل عليهم، وأن يُعِيدوا أرواحهم إلى أبدانهم وهم يرونها تنزع نزعها الأخير خارجة من قفص البدن، لو كانوا قادرين، ولو كانوا حقًّا - كما يزعمون - غير مُقبِلين على يوم الدين الذى يجازَون فيه على ما قدَّموا، يقول - تعالى -: ﴿فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ الواقعة (87).

مع أدلة اليوم الآخر

أولًا: أدلة الكمال الإلهى:

1 - المتصفُ بالقدرة المطلقة لا يعجزُ عن البعث بعد الموت:

إن المؤمن بإلهٍ قادرٍ لا حدود لقدرته لا يقفُ عقلُهُ أمام إعادة الحياة بعد الموت، فإذا آمن بقدرة الله على شىءٍ وأنكر قدرته على آخرَ فهذا خَلَلٌ فى الإيمان بالكمال الإلهى الذى يقتضى أَلّا فرق بين مقدورٍ ومقدورٍ، فآثارُ القدرةِ المطلقةِ كثيرةٌ يراها العاقلُ بملء عينيه.

فمنها: خلقُ السماوات والأرض، يقول - تعالى -: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ يس (81)، ويقول - تعالى-: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْى بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِى الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الأحقاف (33).

ومن مظاهر طلاقة قدرته التى تتخذ دليلًا على البعث بعد الموت ما جاء فى قوله - تعالى -: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ﴾ يس (80)، وهو أَنَّ من قدرته - تعالى - أن يُخرِجَ الضدَّ من ضدِّهِ، كخروجِ النارِ من الماءِ الذى يسرِى فى غصنِ الشجرِ الأخضرِ عندما يحتكُّ الغصنان، فتتولَّدُ النارُ من احتكاكهما.

ومن مظاهر طلاقة القدرة هذا التحدِّى المعجزُ الذى يشيرُ إلى ما لم يكتشفه الإنسانُ إلا بعد مئات السنين من نزول القرآن الكريم، وهو استدلالٌ بالغيب النسبى الذى يقبلُ أن يكون شهادةً فى دنيا عالم الشهادة على الغيب المطلق، وهو البعثُ بعد الموت، ولهذا النوع من الاستدلال نماذجُ مذكورةٌ فى القرآن الكريم والسنة النبوية.

فمنها: تنقُّل الجنينِ بين أطوارِه من نطفةٍ فعلقةٍ فمضغةٍ، إلى آخر ما جاء فى الآيات فى سورة المؤمنون فى قولــه - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ المؤمنون (12-16)، وفى قوله - تعالى -: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَّنِى يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِى الْمَوْتَى﴾ القيامة (36-40).

وما أكَّدته السُّنَّةُ وبيَّنته فى حديث َعبْدِ الله بن مسعود - رضى الله عنه - قَالَ: حَدَّثنا رَسُولُ الله - ﷺ - وَهُوَ الصَّادقُ المَصْدُوقُ: "إنَّ احًدَكُمْ يُجْمَعُ خَلقُهُ فِى بًطنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمَا، ثُمَّ يَكُونُ فِى ذَلِكَ عَلًقةً مِثلِ ذَلِكَ، ثُمًّ يَكُونُ فِى ذَلِكَ مُضْغَة مثلِ ذَلكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فيهِ الرُّوحَ، وَيُؤمَرُ بأرْبع كَلِمَات: بِكَتْبِ رِزْقهِ، وَأَجَلهِ، وَعَمًلهِ، وَشَقِى أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّله الذِى لا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدكُمْ لَيَعْمًلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّة حَتًّى مَا يَكُوَنَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلا ذِراع، فَيَسْبقُ عَلَيْه الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدكُمْ لَيَعْمَلُ بعَمَلِ أهلِ النَّارِ حَتًّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَا ذِراعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلَ الجَنَّةِ، فَيَدْخُلُهَا ".

ومن مظاهر قدرة الله الدالَّةِ على إِمكانِ البعثِ بعد الموتِ: ما أخبر الله - تعالى - عنه من عدم تساوى بَصمَتَيْنِ اثنتَيْنِ لأناملِ أصابعِ اليد الواحدةِ، ولا حتى بين أنامِلِ الناسِ جميعًا، يقول - تعالى -: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُسَوِّى بَنَانَهُ﴾ القيامة (4)، ولم يكتشف الإنسان ذلك إلا بعد مئات السنين حتى استفاد به فى تحديد مرتكبى الجرائم.

ومن مظاهر طلاقة قدرته - تعالى - التى تُتَّخَذُ دليلًا على البعث بعد الموت ما حَدَثَ فى سالف الأزمان ممن حدَّثنا الله - تعالى - عنهم بأن أراهم صورة البعث بعد الموت فى أنفسهم أو أمام أعينهم.

فمن ذلك خبرُ من اختلفوا فى أمرِ القتيلِ وقاتلِهِ، إلى أن أمرهم الله - تعالى - بذبح بقرةٍ، وضربه ببعضها، فأحياه الله - تعالى - بقدرته، ونطق بمن قَتَلَهُ، يقــول - تعالى -: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْى اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ البقرة (72- 73).

ومن ذلك خبرُ الرجلِ الذى مرَّ على قريةٍ خَرِبةٍ، فتعجَّبَ من هذه القرية التى لا أثرَ للحياة فيها : كيف تحيا بعد مواتٍ! فقال - تعالى -: ﴿أَوْ كَالَّذِى مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِى خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِى هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ البقرة (259).

ومن ذلك سؤال نبى الله وخليله إبراهيم - عليه السلام - ربَّه أن يُرِيَهُ كيف يُحيى الموتى؛ طلبًا لمزيدٍ من الترقِّى فى مراتب الإيمان، فقال - تعالى -: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْى الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِى قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ البقرة (260).

2 - المتصف بالعلم المطلق لا يعجز عن البعث بعد الموت:

علمُ الله - تعالى - بالخلق شاملٌ لكلِّ ما دقَّ وخفى من أمورهم كعلمه تعالى بما ظهر، فإذا مات الميت فمهما تفرَّق فى باطن الأرض أو تحلّل فى الماء أو ذُرِّى فى الهواء فلا تخفى على علّام الغيوب - سبحانه - كلُّ ذرَّةٍ وُجِدت، وتَفرَّقت فى مكانها أو تَحلَّلت وذابت، ومَن عَلِمَ بهذه التفاصيل الدقيقة يعلم أعمال العباد سرَّها وعلانيتها؛ لينتظرهم الحسابُ والجزاءُ عليها.

وقد أثار منكرو البعثِ هذا التعجُّبَ من تفرُّقِ أجزاءِ أجسادِهِم فى الأرضِ كيف تُجمَعُ لِتَدُبَّ فيها الحياةُ من جديدٍ، وقال - تعالى - حكايةً عنهم: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِى الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ السجدة (10)، وقال - تعالى -: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ ق (4).

3 – تجليات الكمالات الإلهية المطلقة فى اليوم الآخر:

إن من ينظر بمنظور اعتبارات الدنيا يجد أنها تضيقُ بما رحُبَتْ عن أن تتجلَّى فيها للناظرين تمامَ التجلِّى كمالاتُ الله - تعالى - من رحمته وحكمته وعدله وملكه وغير ذلك مما لا نعلم إلا أقلَّ القليل منه من الكمال الإلهى.

فعن رحمة الله - تعالى - يقول رسول الله - ﷺ -: "جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَأَنْزَلَ فِى الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ رِجْلَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ" رواه البخارى .

وعن مُلْكه - تعالى - الذى لا يُنكِرُه منكرٌ فى ذلك اليوم يقول الله - تعالى -: ﴿لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15) يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ غافر (16).

وعن مظاهر عدله - تعالى - فى ذلك اليوم تكثُر الآياتُ التى تُخبرُنا عن عدل الله فى الحساب والجزاء، ومن ذلك قولُهُ - تعالى -: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ الأنبياء (47). إِنَّ الناظرين فى تجلِّيات الكمالات الإلهية وآثارها فى دار الدنيا وإن تفاوتت أنظارهم بتفاوت حظوظهم من الهداية إلا إنَّهم فى الدار الآخرة لا يتفاوتون فى يقينهم بتجلِّى كلِّ كمالٍ إلهى غاب عنهم فى الدنيا أم ظهر لهم منه ما ظهر، فتلك الدارُ هى اليقينُ الذى يتطلَّعون إليه وما هم بمدركيه حتى يصلوا إليه، وذلك اليقينُ فى تجلِّى الكمالات الإلهية لا يتفاوتون فيه، والله - تعالى - يقصُّ لنا حال الكفار من اليقين يومئذٍ، فيقول - سبحانه -: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ الأنعام (30). ▪

بقلم: أ. حبيب الله حسن أحمد

أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر

فيديوهاتنا

More Videos
Watch the video

الدعوة

More Articles

معنى حسن الخاتمة:أن يوفق العبد قبل موته للتقاصي عما يغضب الرب سبحانه، والتوبة من الذنوب والمعاصي، والإقبال على الطاعات وأعمال الخير، ثم يكون موته بعد ذلك على هذه...

 إن حب الوطن هو غريزة فطرية وسليقة بشرية، ونزعة إنسانية، فيتعلق الإنسان بالأرض التي يعيش عليها ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بأهلها، فترى حب الوطن بالنسبة للإنسان...

مشروعاتنا

More Articles