حرمة المال العام

حرمة المال العام

المال العام: هو المال المملوك للأمة كلها كالموارد العامة، والشركات، والمؤسسات، والمباني، والطرق، والمدارس العامة، والجامعات، ووسائل المواصلات العامة من سيارات وقطارات، وطائرات ونحوها، ويدخل فيه أيضًا: شركات القطاع العام أيًّا ما كان مجالها – تصنيعًا – أو تجارة – أو زراعة ونحوها، والوظائف العامة .

والانتفاع بهذه الأموال والممتلكات والقيام بالوظائف العامة حق للأمة كلها وفق الضوابط الموضوعة لكل نوع منها، وليست خاصة بأحد، ومن يتولى أمرها لا يعد مالكًا لها، وليس من حقه التصرف المطلق فيها بل هو مجرد أجير أو عامل أو حافظ عليه أن يديرها وفق القواعد القانونية والشرعية.

والإسلام ينظر إلى المال بشكل عام على أنه إحدى الضرورات الخمس أو الكليات الخمس التي جعل لها أهمية قصوى في تشريعاته ونظمه، وهذه الحماية والأهمية للمال مطلقًا أي سواء أكان عامًّا أم كان خاصًّا، والمال العام أجدر بالحماية وأولى.

ومن المؤسف أن البعض ينظر إلى هذا النوع من الأموال على أنه لا صاحب له، وأنه مال – كما يقال – سايب، وتكثر صور التعدي عليه، أو إهماله حتى أصبح مضربًا للأمثال في الإهمال والتخريب وسوء الإدارة، والموظف العام – في كثير من الأحوال – أصبح مثلًا للتراخي، والإهمال، وعدم الانضباط، وقلة الإنتاج .

العدوان على المال العام في الفقه الإسلامي: مع أن المال العام في السابق من حيث حجمه ودوره لم يكن بنفس قدره ودوره ومكانته في الدولة الحديثة؛ حيث كان مقتصرًا على أموال الزكاة بعد تحصيلها والغنائم والفيء، والأموال الموقوفة لمصلحة الجهاد، ومع ذلك حظي المال العام بحماية شديدة في الشريعة الإسلامية، وكثرت النصوص الرادعة والزاجرة لكل من تسول له نفسه الاعتداء عليه صغر أم كبر، حتى أن شملة - ثياب يوضع على الكتف - أخذها واحد من المجاهدين أبطلت جهاده وشهادته واشتملت عليه نارًا يوم القيامة، ولاشك أن سرقة شيء من أموال الغنيمة قبل تقسيمها يصغر أمام الأرقام المسجلة لناهبي المال العام وتسخيرهم مقدرات الأمة لمصالحهم الشخصية، وكثير منهم لا يفرق بين خزانته الشخصية وخزانة المؤسسة التي تقع تحت مسئوليته، ويطلق على جريمة العدوان على المال العام في الفقه الإسلامي جريمة الغلول.

أولًا: المراد بالغلول:

الغلول: ينصرف الغلول في اللغة إلى ثلاثة معان: أولها: الخيانة مطلقًا، الثاني: الحقد، الثالث: الخيانة من الغنيمة (المال العام)، وقيل: الغلول: هو الخيانة في المغنم، قال الله تعالى: )وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ(([1])، إذا فتحت الياء وضممت الغين فمعناه: أن يخون، وإذا ضممت الياء وفتحت الغين، فله وجوه منها: أن يخان أي يخونه غيره. وهنا يكون معنى الغلول المقصود في حديثنا: الأخذ أو الانتفاع بالمال العام بدون وجه حق، ويلحق به: إهداره وتضييعه وإهمال حفظه وصيانته وعدم القيام بما يتقتضيه الواجب.

ثانيًا: تجريم الغلول في الفقه الإسلامي: جاء في تجريم الغلول عدد من النصوص التشريعية في القرآن والسنة، وجميعها تثبت عظم الجرم وخطر الفعل، ومن ذلك: قوله تعالى:) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(([2]). والآية تنفي خيانة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – على قراءة )يَغُلَّ( بفتح الياء وضم الغين، أو أن يخونه أحد على قراءة )يَغُلَّ (بضم الياء وفتح الغين؛ لأن الله يطلعه على ذلك كما حدث، كما توعدت بالعذاب الأليم لمن أقدم على مثل ذلك([3]).

وروى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة واللفظ للبخاري، قَالَ: قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ق، فَذَكَرَ الغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، قَالَ: "لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ، عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، وَعَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ، وَعَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ، أَوْ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ"([4])، ويدل هذا الحديث على تغليظ تحريم الغلول كما ترجم بذلك مسلم، قال النووي: "وأجمع المسلمون على تغليظ تحريم الغلول وأنه من الكبائر، وأجمعوا على أن عليه رد ما غله".

وعند مسلم والترمذي وغيرهما عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى ابْنِ عَامِرٍ يَعُودُهُ وَهُوَ مَرِيضٌ فَقَالَ: أَلَا تَدْعُو اللهَ لِي يَا ابْنَ عُمَرَ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ق يَقُولُ: "لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ، وَكُنْتَ عَلَى الْبَصْرَةِ"([5]وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه بإسناده عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ ق رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كِرْكِرَةُ فَمَاتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ق: "هُوَ فِي النَّارِ، فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ فَوَجَدُوا عَلَيْهِ عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا"([6] وعنده عَنْ أَبِي عَمْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ، يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا، مِنَ الْمُسْلِمِينَ تُوُفِّيَ بِخَيْبَرَ وَأَنَّهُ ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ق أَمْرُهُ فَقَالَ: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ"، فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ الْقَوْمِ لِذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: "إِنَّهُ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"، فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ فَوَجَدْنَا خَرَزًا مِنْ خَرَزِ الْيَهُودِ مَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ([7]). وعنده عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ق إِذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ، أَوْ جَيْشٍ قَالَ: "لَا تَغُلُّوا"([8]). وعنده عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ق: "أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَمِلَ لَنَا مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِنْهُ مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ فَهُوَ غُلٌّ يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَسْوَدُ كَأَنِّي أَرَاهُ فَقَالَ: اقْبَلْ عَنِّي عَمَلَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "مَا ذَاكَ؟"، قَالَ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ الَّذِي قُلْتُ، قَالَ: "وَأَنَا أَقُولُهُ الْآنَ: مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَلْيَجِئْنَا بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَ، وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى"([9]). وفي هذا تحذير ممن ينهب المال العام ثم يتبرع لجهات خيرية، أو يبني مسجدًا ونحوه ظنًا منه أنه يطهر نفسه بذلك، أو أن يقنع المجتمع بأنه محسن. وقد اتفق الفقهاء على تعزير الغال بعقوبة تناسب جرمه، ورد ما أخذه، وإن كان ذا ولاية أو وظيفة عامة فيعزل منها لارتكابه ما يخل بتوليه. وإضافة إلى ما تقدم ذكره فقد حذر الشرع المجتمع الذي تفشو فيه تلك الجرائم بتعرضه لخطر كبير؛ وذلك حتى يمارس المجتمع دوره في مراقبة من يتعاملون مع المال العام ومحاسبتهم حتى لا تقع فتنة تصيب الجميع، روى مالك في الموطأ أنه بلغه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: "مَا ظَهَرَ الْغُلُولُ فِي قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا أُلْقِيَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبُ، وَلَا فَشَا الزِّنَا فِي قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا كَثُرَ فِيهِمُ الْمَوْتُ، وَلَا نَقَصَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا قُطِعَ عَنْهُمُ الرِّزْقُ. وَلَا حَكَمَ قَوْمٌ بِغَيْرِ الْحَقِّ إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الدَّمُ. وَلَا خَتَرَ قَوْمٌ بِالْعَهْدِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْعَدُوَّ"([10]).

وعند أحمد في المسند عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ق يَقُولُ: "مَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الرِّبَا، إِلَّا أُخِذُوا بِالسَّنَةِ، وَمَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الرُّشَا، إِلَّا أُخِذُوا بِالرُّعْبِ "([11]).

صور العدوان على المال العام: تتعدد صور العدوان على المال العام، وتتطور ألوانه ووسائله، وهي لا تأخذ شكلًا واحدًا، ولا يمكن حصر صورها، لكن يمكن الوقوف على أمثلة منها للتنبيه على غيرها، وكلها تدخل في إطار جريمة الغلول، ومن ذلك:

أولًا: صرف أموال من الخزانة العامة دون وجه معتبر، سواء أكان ذلك بموجب مستندات مستوفاة من حيث الشكل القانوني أو غير مستوفاة، وربما وصل الحال ببعض المؤسسات إلى صرف رواتب لأشخاص وهميين لا وجود لهم في الحقيقة.

ثانيًا: إهمال الموظف العام في عمله أو تركه له مع استيفائه كامل الأجر، وبذلك يكون قد أخذ مالًا بغير حق.

ثالثًا: إسناد الوظائف العامة إلى غير أهلها والجديرين بها من باب المحاباة والمحسوبية، وهؤلاء يكونون عالة على الجهاز الإداري للدولة ويتقاضون أجورًا بلا عمل، وقد يتسببون في مشكلات أخرى كثيرة.

رابعًا: المحاباة في إسناد الأعمال الحكومية إلى مؤسسات وفق مناقصات تفتقد أدنى درجات النزاهة والحيادية، ويكثر هذا في الأعمال التي يقوم بها القطاع الخاص للدولة، أو شراء أشياء لمؤسسات الدولة من القطاع الخاص.

خامسًا: استعمال الأموال العامة العينية كالسيارات ونحوها استعمالًا شخصيًا وفي غير الأغراض التي يجيزها القانون المنظم لاستخدامها.

سادسًا: إهمال المال العام من شركات ومباني ومؤسسسات ومصانع وسيارات، ماكينات ومعدات، وعدم صيانتها، والتقصير في حفظها.

سابعًا: سرقة المال العام والسطو عليه.

ثامنًا: التصرف فيه للغير على غير الوجه المأذون فيه قانونًا

 

[1] - آل عمران: 161 .

[2] - آل عمران: 161.

[3]- ابن العربي – مرجع سابق – 1/394.

[4] - البخاري – كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ - بَابُ الغُلُولِ - رقم / 3073.

[5] - مسلم – كِتَابِ الطَّهَارَةِ - بَابُ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ - رقم/ 224.

[6] - الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار - كِتَابُ الْسير - مَا ذُكِرَ فِي الْغُلُولِ - رقم/ 33526.

[7] - الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار – كِتَابُ الْسير - مَا ذُكِرَ فِي الْغُلُولِ - رقم/ 33527.

[8]- الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار – كِتَابُ الْسير- مَا ذُكِرَ فِي الْغُلُولِ - رقم/ 33531 .

[9]- الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار – كِتَابُ الْسير - مَا ذُكِرَ فِي الْغُلُولِ - رقم/ 33534.

[10]- موطأ الإمام مالك – كِتَابُ الْجِهَادِ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْغُلُولِ - رقم/ 26.

[11] - مسند الإمام أحمد بن حنبل – 29 / 17822- إسناده ضعيف جداً، عبد الله بن لهيعة سيئ الحفظ، ومحمد بن راشد المرادي مجهول غير معروف، ويبدو أنه سقط رجل بين محمد بن راشد وعمروٍ، فقد ذكر ابن يونس في المصريين محمدَ بنَ راشد المرادي، روى عن رجل عن عبد الله بن عمرو. انظر "تعجيل المنفعة"

فيديوهاتنا

More Videos
Watch the video

الدعوة

More Articles

إن حب الوطن هو غريزة فطرية وسليقة بشرية، ونزعة إنسانية، فيتعلق الإنسان بالأرض التي يعيش عليها ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بأهلها، فترى حب الوطن بالنسبة...

مشروعاتنا

More Articles