أولى القبلتين.. والمؤامرات الصهيونية عليه

أولى القبلتين.. والمؤامرات الصهيونية عليه

إن المسجد الأقصى أول قبلة للمسلمين، وثانى مسجد وضع فى الأرض، وثالث المساجد التى لا تشد الرحال إلا إليها، وباركه الله عزو جل فى القرآن الكريم، وهو مسرى النبى محمد ﷺ.. ومن هنا يتأكد أن التمسك بالأقصى والحفاظ عليه مسألة عقدية تخص الأمة بأسرها للوقوف أمام المؤامرات الصهيونية لتنفيذ أحلامهم الواهية بهدم قبلتنا الأولى، لإقامة هيكلهم المزعوم بدلا منه.

وبالرغم من قرارات لجنة التراث العالمى التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو"، بعدم وجود سيادة إسرائيلية على مدينة القدس، وتأكيد إسلاميتها، فإن المحاولات الصهيونية تستعر يوما بعد يوم لتغيير الواقع على الأرض لتنفيذ مخططاتهم.. وفى هذه السطور نستعرض بعض معلومات حول المسجد الأقصى، والمخاطر المحدقة به.

معلومات حول المسجد الأقصى:

تبلغ مساحة المسجد الأقصى 144 دونمًا ( 144 ألف متر مربع) ويشمل نحو 200 معلم تضم العديد من المصليات والمتاحف والمدارس والمآذن والقباب، والجامع القبلى وقبة الصخرة جزءان منه.

يزعم اليهود أن لهم " هيكلًا" أو " معبدًا" كان موجودًا مكان المسجد الأقصى وبناه سيدنا سليمان عليه السلام، ولذلك يسعون لإعادة بناء المعبد المزعوم كهدف استراتيجي، ولكن الحقائق الدينية والتاريخية والعلمية تؤكد أن المسجد الأقصى كان موجودًا قبل مجيء بنى إسرائيل بآلاف السنوات، فقد بنى بعد الكعبة المشرفة بأربعين عامًا كما أخبر النبى محمد- ﷺ، وكما تدل التركيبة الهندسية المتشابهة للكعبة وللأقصى، ولم يبن أنبياء بنى إسرائيل عليهم السلام – معبدًا – خاصًا بهم إنما رمموا المسجد الأقصى وتعبدوا فيه. ورغم العقود الطويلة التى قضاها علماء الآثار الأجانب واليهود للبحث عن آثار يهودية تدل على وجود المعبد المزعوم فإن كل محاولاتهم باءت بالفشل ولم يعثروا على أى أثر يهودى أسفل الأقصى ولا فى محيطه.

فى 7 / 6 / 1967م احتل الصهاينة كامل مدينة القدس بما فى ذلك المسجد الأقصى، واستولوا على مفاتيح باب المغاربة الواقع فى السور الغربى للأقصى وصاروا يتحكمون باقتحامات المستوطنين المتطرفين للأقصى عبر هذا الباب.

بعد احتلال كامل القدس والمسجد الأقصى فى يونيو 1967 م حاول الاحتلال الصهيونى فرض هيمنته الكاملة على المسجد الأقصى، ولكن المواقف الباسلة والصلبة لعلماء القدس وقضاتها ووجهائها والتى واجهت إجراءات الاحتلال الجديدة بحق الأقصى أجبرت الاحتلال الإسرائيلى على التراجع عن قراره، واضطر لإعادة تسليم إدارة الأقصى لدائرة الأوقاف الإسلامية فى القدس، وهى الجهة المشرفة عليه أصلًا.

يعتبر الأردن هو الوصى على المقدسات الإسلامية والمسيحية فى القدس، ودائرة الأوقاف الإسلامية فى القدس التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية هى الجهة الوحيدة المعنية بإدارة المسجد الأقصى.

أبرز المخاطر التى تهدد الأقصى:

تقسيم الأقصى: يسعى الاحتلال الإسرائيلى إلى بناء المعبد المزعوم كهدف استراتيجى ولكنه يدرك بصعوبة ذلك حاليا فقرر العمل على تحقيق هدف مرحلى وهو تحقيق وجود يهودى مباشر فى الأقصى ومحيطه وأسفله لتثبيت ما يزعم أنه (الحق اليهودى فى جبل المعبد) وفى هذا السياق يعمل الاحتلال على تقسيم المسجد الأقصى زمانيًا ومكانيًا بين المسلمين واليهود كما فعل فى المسجد الإبراهيمى فى الخليل. وتقضى خطته لتقسيم الأقصى بتخصيص أوقات لليهود لاقتحام الأقصى من دون المسلمين، وأوقات للمسلمين من دون اليهود، حيث يسعى الاحتلال لجعل الأوقات الصباحية من الساعة 7 حتى ما قبل الظهر، ومن بعد صلاة الظهر إلى قبيل صلاة العصر أوقات خاصة لاقتحامات اليهود اليومية، وما عدا ذلك من أوقات للمسلمين، فيما يكون المسجد من حق اليهود فقط فى أعيادهم ومن حق المسلمين فقط فى أعيادهم.

أما التقسيم المكانى فيهدف الاحتلال من خلاله إلى السيطرة على أجزاء من الأقصى لتكون مكانًا لصلاة اليهود وأداء طقوسهم، والراجح أن هناك محاولات للسيطرة على الساحات الشرقية الشمالية المقابلة لقبة الصخرة.

تطورات المواقف الإسرائيلية باتجاه السيطرة على الأقصى:

على مدار نحو 50 عاما من احتلال الأقصى تطورت مواقف الأطراف المختلفة فى دولة الاحتلال من الأقصى باتجاه فرض تقسيمه والسيطرة عليه وتثبيته (حق اليهود فى الصلاة فى المعبد) وذلك على المستويات الآتية:

دينيًا: بعدما كان الحاخامات اليهود يحرمون دخول الأقصى بُعيْدَ احتلاله عام 1967 لأسباب خاصة بشريعتهم اليهودية، أصبح عدد متزايد منهم يشجع اليهود على اقتحامه. وقد نظمت المنظمات العاملة لبناء (المعبد) أو الهيكل جهودها ووحَدتها فى إطار (ائتلاف منظمات المعبد) وهو ائتلاف يحوى عشرات الهيئات والمنظمات اليهودية التى تعمل لبناء المعبد المزعوم مكان الأقصى، وتجلى التأثير الكبير لهذا الائتلاف فى تصدره لدعوات اقتحام الأقصى وفرض تقسيمه وسيطرة اليهود عليه.

قانونيًا: بعدما كانت محاكم الاحتلال تمنع أداء صلاة اليهود فى المسجد الأقصى تحت طائلة العقوبة، أصبحت تجيز لليهود بدءًا من عام 2003م الصلاة داخلة بشكل فردى وجماعى وتكثف طرح مشاريع تقسيم الأقصى داخل الكنيست بمشروع يدعو لنزع الوصاية الأردنية والحصرية الإسلامية عن المسجد الأقصى.

سياسيًا: ازدادت الكتلة الداعمة لصلاة اليهود داخل الأقصى فى الكنيست والحكومة الإسرائيلية وباتت أكثر تأثيرًا، وأصبحت الحكومة بشكل أو بآخر ترعى كل ما يجرى من اقتحامات واعتداءات على الأقصى من خلال دعمها "لائتلاف منظمات المعبد"، وتصدر وزراء ونواب ومسؤولين سياسيين وأمنيين موجات التحريض على الأقصى واقتحامه، وباتت مزاعم الاحتلال فى ما يسمى بـ"حق اليهود فى الصلاة الجماعية" فى "جبل المعبد" تشكل إجماعًا لدى غالبية القادة السياسيين.

أمنيًا: تغيرت وظيفة الشرطة الإسرائيلية من منع الصلاة داخل الأقصى خوفًا من ردَات الفعل إلى حماية المستوطنين الذين يقتحمون الأقصى، وتعدى الأمر هذا الحد إلى مستوى تشجيع "منظمات المعبد" وتحريضها على تكثيف الاقتحامات بهدف إعطاء ذريعة للشرطة لفرض واقع أمنى فى الأقصى، وهذا ما صرح به عدد من حاخامات اليهود ومسئولى "منظمات المعبد".

نزع الحصرية الإسلامية عن إدارة الأقصى: يسعى الاحتلال إلى نزع الحصرية الإسلامية عن إدارة شؤون الأقصى من خلال التضييق على دائرة الأوقاف الإسلامية فى القدس، وجعل وجودها شكليًا فيما يتحكم هو بكل شؤون المسجد.

بناء مدينة يهودية أسفل الأقصى وفى محيطه: يعمل الاحتلال اليوم على بناء مدينة يهودية مقدسة تُحاكى الوصف التوراتى "أورشليم اليهودية" المزعومة فى محيط البلد القديمة فى القدس وفى محيط الأقصى وأسفل منه. وقد افتتح الاحتلال عشرات الكُنُس اليهودية والحدائق التلمودية والمتاحف والمراكز خلال السنوات القليلة الماضية.

الاقتحامات: تتصاعد وتيرة الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى برعاية من شرطة الاحتلال فى خطوة تعكس نضج القرار السياسى والدينى والقانونى والأمنى لدى الاحتلال بتقسيم الأقصى وفرض وجود يهودى مباشر داخله. وقد بلغ عدد مقتحمى الأقصى من المتطرفين اليهود عام 2016 نحو 14806 ما يعنى ارتفاعًا بنسبة 150% عن عدد عام 2009، وارتفاعًا بنسبة 28% عن عدد 2015، وقد بلغ عدد المقتحمين من عام 2009 حتى 2016 نحو 70000مقتحم، وبجميع الأحوال فإن أعداد المقتحمين فى ازدياد مضطرد، ويستغل الاحتلال الأعياد والمناسبات الدينية اليهودية لتكثيف الاقتحامات.

ولا تشمل هذه الأرقام جنود الاحتلال أو ما يسمى "السياح" الأجانب الذين يحملون أجندات صهيونية؛ فأعداد هؤلاء تصل إلى نحو ربع مليون مقتحم سنويًا.

وتجدر الإشارة إلى أن المتطرفين اليهود أصبحوا يتجرأون مؤخرًا على عقد قرانهم، والقيام بشعائر تلمودية يهودية داخل الأقصى، وقد شهد الأقصى اقتحامات يهودية له فى العشر الأواخر من رمضان خلال عامى 2016، و2017 وهو أمر لم يتجرأ الاحتلال على فعله منذ عدة سنوات.

الحفريات أسفل الأقصى وفى محيطه: حتى نهاية عام 2016 كان هناك نحو 63 حفرية أسفل الأقصى وفى محيطه: 31 منها فى الجهة الغربية، و25 منها فى الجهة الجنوبية، و6 فى الجهة الشمالية، وحفرية واحدة فى الجهة الشرقية.

وتبرر سلطات الاحتلال عمليات الحفر بحجة البحث عن "آثار يهودية" تعود للمعبد المزعوم، ولكن الهدف من الحفريات تخطى ذلك لتصبح شبكة الأنفاق والحفريات جزءًا من مدينة "أورشليم اليهودية المقدسة" التاريخية التى يعمل الاحتلال على بنائها لتكون المزار السياحى الأول فى دولة الاحتلال.

ويوظّف الاحتلال هذه الحفريات للترويج لادعاءاته الدينية والتاريخية المكذوبة من خلال تزوير الآثار العربية والإسلامية والحضارية.

بناء الكُنُس اليهودية أسفل الأقصى وفى محيطه: هناك عشرات الكنس تخنق المسجد الأقصى، ويحاول الاحتلال من خلال بنائها إضفاء الطابع اليهودى على منطقة المسجد الأقصى.

  • البناء التهويدى ومصادرة الأراضى: يعمد الاحتلال إلى مصادرة بعض الآثار والأراضى المحيطة بالأقصى لتنفيذ مخططاته الرامية إلى تشويه الطابع الإسلامى للمنطقة وإضفاء الطابع اليهودي، وتوجد هناك مراكز لشرطة الاحتلال فى محيط الأقصى وادخله، وهناك مشاريع لبناء مراكز أخرى، وجسر حديديّ معلق مكان باب المغاربة يسمح بإدخال آليات عسكرية ضخمة، وعدد كبير من جنود الاحلال، ويجرى العمل على تهويد منطقة ساحة البراق بالكامل.
  • منع المصلين من الوصول إلى المسجد الأقصى: لا يسمح الاحتلال لغير أهل القدس والأراضى الفلسطينية المحتلة عام 1948م من دخول الأقصى، ويمنع فى كثير من الأحيان من هم دون الـ 50 عامًا من دخوله فى محاولة لقطع المدِّ البشرى عن المسجد، والاستفراد به لتنفيذ مخططاته، ومن أخطر المؤشرات فى هذا السياق بدءُ الاحتلال مؤخرًا باتخاذ إجراءات عديدة من شأنها منع الفلسطينيين فى الأراضى الفلسطينية المحتلة عام 1948من دخول الأقصى أو التضييق عليهم.
  • التدخل فى عمل إدارة الأوقاف الإسلامية: تحاول سلطات الاحتلال نزع حصرية الإشراف على الأقصى من دائرة الأوقاف الإسلامية فى القدس التابعة للأردن، من خلال منعها من تنفيذ أعمال الصيانة والترميم فى الأوقات المناسبة، وعرقلة مهامها، والتضييق على موظفيها واعتقالهم.
  • إبعاد رموز الدفاع عن الأقصى: تسهم القيادات الفلسطينية المدافعة عن الأقصى فى تحريك الجماهير، وحثها على مواجهة الاحتلال، وتتصدر فعل المواجهة معه فى باحات الأقصى لا سيما فى الاقتحامات؛ وهذا ما أزعج الاحتلال وجعله يصدر قرارات قضائية بحث عدد من رموز الدفاع عن القدس بمنعهم بموجبها من الاقتراب من الأقصى مسافة 150م على الأقل لمدة زمنية تتراوح ما بين 15 يومًا و6 أشهر.
  • تهجير المقدسيين: سياسة تهجير المقدسيين وطردهم ثابتة لدى الاحتلال فى مختلف أنحاء القدس، ولكنها تتركز فى الأحياء المحيطة بالمسجد الأقصى والتى تشكل حزام أمان ودفاعاً عن الأقصى.
  • الاعتقال والإبعاد والتضييق: يستهدف الاحتلال حراس الأقصى والمصلين فيه بالتنكيل والتضييق والاعتقال والإبعاد، فقد أبعدت سلطات الاحتلال فى عام 2016 وحده نحو 258 من الحراس وموظفى دائرة الأوقاف والمرابطين والمرابطات والمصلين. وفى شهر أغسطس 2015 أصدر الاحتلال قائمة من 60 اسمًا من المرابطات لمنعهنّ من الدخول للأقصى، ولا يكتفى الاحتلال بذلك بل يلاحق روّاد الأقصى إلى بيوتهم فيداهمها فى أوقات متأخرة من الليل ويفرض عليهم الغرامات المالية الباهظة، ويسحب منهم التأمين الصحي، إلخ.
  • تقييد يد المرابطين والمرابطات: فى 8 / 9 /2015م أصدر الاحتلال قرارًا باعتبار المرابطين والمرابطات وطلاب حلقات العلم فى الأقصى تنظيمات خارجة عن القانون ليمنع بذلك رباطهم فى المسجد، ويزيل من أمامه أهمّ عقبة كانت تتصدى لموجات المقتحمين المتطرفين.
  • استهداف المؤسسات والهيئات العاملة للأقصى: أغلق الاحتلال الإسرائيلى عشرات المؤسسات والهيئات الفلسطينية العاملة للقدس والأقصى، وكان قراره فى نوفمبر2015م بحظر الحركة الإسلامية فى الأراضى الفلسطينية المحتلة عام 1948 بقيادة الشيخ رائد صلاح ونحو 17مؤسسة تابعة لها من أخطر القرارات التى أفقدت الأقصى أحد أهمّ شرايين الدعم والرباط.   ▪

بقلم: مصطفى إسماعيل - الأمين العام للجمعية الشرعية