نور البيان فى‮ ‬كلمات القرآن 62 (يَثْنُونَ)

نور البيان فى‮ ‬كلمات القرآن 62 (يَثْنُونَ)

كلمة ﴿يَثْنُونَ﴾ جاءت فى سورة هود، فى قوله تعالى:﴿أَلاَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾. وأصل الكلمة مكوّن من حروف: (ث ن ى)، وكل كلمة مكونة من هذه الحروف الثلاثة تجدها تدور حول معنى: جعل الشّىء شيئين. ومنه يُقال "ثَنَيْتُ الورقةَ ثَنْيًا" أي: رددتُ بعضها على بعض. كما فى قوله تعالى: ﴿ثَانِى عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج:9]. ومنه كذلك "التثنية"، ومنه أيضًا يُقال "أمر ثانوى" أى يقع فى المرتبة الثانية. و"الثنائى" ما كان ذا شِقَّين. و"المثانى" الآيات تُتلى وتُكرر. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِى وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:87]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِى تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر:23].

ومن هذا الباب كلمة "يَسْتَثْنُونَ" فى قوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ. وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: 17-18]. والمعنى: لا يَثنون عزمَهم على حِرْمانِ الفقراء والمحتاجين.

وقد جاءت مادة (ث ن ى) فى القرآن الكريم تسعًا وعشرين مرة؛ منها أربع وعشرون مرة للعدد (اثنان)، بصيغ مختلفة، هي: "ثَانِيَ"، "مَثْنَى"، "اثْنَانِ"، "اثْنَا"، "اثْنَتَا"، "اثْنَي"، "اثْنَتَي"، "اثْنَيْنِ"، "اثْنَتَيْنِ" فى مواضع متعددة.

وفى قوله تعالى: ﴿أَلاَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود/5] ثلاث وقفات بيانية:

الأولى: فى قوله تعالى ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾

تعبير ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ يدل على الانحراف عن الحق؛ لأن من أقبل على الشىء استقبله بصدره، ومن انحرف عنه، ثنى عنه صدره؛ كما روى عن قتادة رحمه الله: أن أهل الكفر كَانُوا يَحْنُونَ صُدُورَهُمْ لِكَيْلا يَسْمَعُوا كِتَابَ اللَّهِ، وَذَلِكَ أَخْفَى مَا يَكُونُ ابْنُ آدَمَ إِذَا حَنَى صَدْرَهُ وَاسْتَغْشَى بِثَوْبِهِ، وَأَضْمَرَ هَمَّهُ فِى نَفْسِهِ.

والذى يثنى صدره يثنى معه ظهره، ولكن جاء التعبير هنا بثنى الصدر دون ثنى الظهر، فالسياق يتحدث عن محاولة الاستخفاء، والصدور هى مستودع أسرار الإنسان، فناسب ذكر "الصدر" لا ذكر "الظهر"، وهذا يشير إلى أقصى مراحل التحرى فى الإخفاء، أن يضعوا سرهم فى صدورهم، ثم يزيدون فى الاستخفاء فيثنون صدورهم، ثم بعد ذلك ﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾. والله سبحانه ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.

الوقفة الثانية: فى قوله تعالى ﴿مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.

لنتأمل الفرق بين الجُمَل الثلاث الآتية: "يعلم الذى يسرون والذى يعلنون"، "يعلم إسرارهم وإعلانهم"، "يعلم ما يسرون وما يعلنون". فالجملة الأولى معناها: يعلم الشىء الذى يسرونه، ويعلم الشىء الذى يعلنونه. والثانية معناها: يعلم حدث الإسرار وحالته، ويعلم حدث الإعلان وحالته. وأما الجملة الثالثة -وهى التى جاءت بها الآية الكريمة- فمعناها يجمع المعنيين معًا: فالله عز وجل يعلم الشىء الذى يسرونه ويعلم حالة الإسرار وكيفيته وحدثه، ويعلم الشىء الذى يعلنونه ويعلم حالة الإعلان وكيفيته وحدثه. وهذا كله تُفيده كلمة ﴿مَا﴾ التى تصلح هنا للمصدرية والموصولية.

وجاءت الآية بلفظ "يُسِرُّونَ" ولم تأت بلفظ "يُخْفُونَ"، والفرق بين الإسرار والإخفاء أن الإسرار قد يكون بين المرء ونفسه؛ كما فى قولـــه تعالى: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ [يوسف:77]. وقد يكون بين المرء وغيره؛ كما فى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِى إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم:3]. وقوله تعالى: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة:1]. أما عند إطلاق الإخفاء فلا يكون إلا بين المرء ونفسه، ولا يعلمه إلا صاحبه؛ ولذلك هو أمعن فى السرية. ولك أن تتأمل قوله تعالى: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:7]. فهناك (السِّرّ)، وهناك (أَخْفَى) من السر.

وتأمل فى كتاب الله فى مجىء "الإعلان" مع "الإسرار"، ومجىء "الإعلان" مع "الإخفاء"، تجد أن السياقات التى تتحدث عن أولئك الذين يتناجون بالإثم والعدوان ويُسر كل واحد منهم لصاحبه لكى يثبت كل منهم الآخر على باطله.. تجد كل هذه المواضع قد جاءت بمعنى "الإسرار" لا "الإخفاء"؛ وهى أربعة مواضع: فى سورة البقرة ﴿أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ[77]﴾. وفى هود ﴿أَلاَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ[5]﴾. وفى النحل ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ[23]﴾. وفى سورة يس ﴿فَلاَ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ[76]﴾.

أما مجىء "الإخفاء" مع "الإعلان" ففى ثلاثة مواضع: الأول عن أولئك الذين يظنون بالله ظن الجاهلية، والظن مستودع فى الصدور فوافقه معنى "الإخفاء"، يقول تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِمْ مَا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا..﴾ [آل عمران:154].

والموضع الثانى يُصور مشهد أصحاب النار فى الآخرة وقد تمثل لهم كل ما حرصوا على إخفائه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: 27-28].

والموضع الثالث خطاب لمن يُلقى بالمودة لأعداء الإسلام، والمودة محلها الصدور فوافق ذلك معنى "الإخفــاء" ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِى سَبِيلِى وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِى تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ...﴾ [الممتحنة:1].

الوقفة الثالثة: فى قولـــه تعـــــالى ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.

كلمة "ذات" أى "صاحبة"، وهى مؤنث "ذو"، فيكون المعنى: صاحبة الصدور. والصحبة: هنا بمعنى الملازمة. فصاحبة الصدور هى ما يلازم الصدور من الخواطر والنوايا، ووصفت بذلك لأنها بسبب تمكنها من الصدور جعلت كأنها مالكة لها.

بقلم: د. على خليفة

أستاذ النحو والصرف المساعد بجامعة الملك فيصل

وتعبير "ذَات الصُّدُورِ" الذى اختتمت به الآية الكريمة يعود بنا إلى مطلع الآية ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾.. فهذه الصدور التى هى مستودع الأسرار والتى يثنونها بحثًا عن الاستخفاء.. لا تخفى على الله عز وجل؛ فهو سبحانه يعلم ما يسرون وما يعلنون، بل يعلم ما يلازم صدورهم من النوايا والضمائر الخفية.

نسأل الله تعالى أن يُطهر صدورنا من آفات القلوب، وأن يرزقنا خشيته فى السر والعلانية، والحمد لله رب العالمين. ▪