الصوم جماع المكارم وموسم المغانم

الصوم جماع المكارم وموسم المغانم

عبر فضيلة الإمام أمين خطاب عن الصيام؛ فبين رحمه الله مكارم الصيام فى ترويض النفس وكسر الشهوات وغرس الرحمة فى القلوب؛ ثم لفت نظر أولياء الأمور إلى مهمتهم فى الضرب على يد المفسدين وتغيير المنكرات ومنع الجهر بالفطر فى رمضان؛ فكانت خطبة على صغر حجمها بياناً بأن الصوم بحق جماع المكارم وموسم المغانم.

قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِن الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُم الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة:581).

رمضان شهر عظيم مبارك فيه أنزل القرآن، وفرض الله صيامه لحكم: منها كونه موجبا لسكون النفس وكسر شهوتها وإلزامها معرفة قدرها، إذ تحس حين تمنع منها كسرة خبز وشربة ماء بضعف فى كليتها وبذا ترتدع عن الشرور وتقلع عن المفاسد التى يساعدها على انزافها ما تتوهم فى قوة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أى ليكون بينكم وبين المعاصى وقاية ومنها كونه موجبا للرحمة والعطف على المساكين، فإن الإنسان إذا ذاق ألم الجوع فى بعض الأوقات تذكر حال المسكين فى عمومها، فيسارع لدفع ألمه بالإحسان إليه فينال بذلك حسن الجزاء من الله تعالى. ومنها ما يترتب عليه من رياضة النفس وتعودها الصبر والأمانة، وراحة أعضاء الجهاز الهضمى شهرا من السنة لتقوى وتقوم بما خلقت له خير قيام، ولذا أباح الشارع الفطر لمن لا يلائمه الصوم كالمريض والمسافر والحائض والنفساء، وهذه الحكمة إنما تظهر ثمرتها لمن يعتدل فى الطعام والشراب ويتحلى بآداب الشريعة فى الصيام.

على الجملة فالصوم جماع المكارم، وموسم المغانم، وجلاء القلوب، وصقال الأجسام، ومقوم الأخلاق، ومهذب النفوس. وصيام رمضان فرض على المكلف القادر الصحيح المقيم، والفطر فيه بلا عذر من الكبائر قال البخارى: ويذكر عن أبى هريرة رفعه (من أفطر يوما من رمضان من غير عذر ولا مرض لم يقضه صوم الدهر وإن صامه.

وعلى ولاة الأمور أن يتنبهوا لهذا ويأخذوا على أيدى العابثين بأحكام الدين المفطرين فى رمضان المجاهرين بالفسق والفجور خشية أن يعم الله الكل بالعذاب، قال أبو بكر الصديق: أنتم تقرءون هذه الآية وتضعونها فى غير موضعها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة:501) وإنا سمعنا النبى ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك أن يعمهم الله بعقاب" (أخرجه أبو داود والترمذى) وذلك أن الهداية لا تتحقق إلا بالقيام بما كلفنا به ومنه الأمر والنهى.

ومما يؤلم نفس الغيور ويضيق به صدره أن نرى كثيراً ممن ينتمى للإسلام؛ يفطرون فى رمضان جهاراً فى الشوارع والأسواق ودور الحكومة ولا يرتدعون بأمر الدين ولا ينتهون بنهى الحاكم. ونرى المطاعم والمقاهى فى المدن مفتحة الأبواب للمفطرين جهاراً نهاراً، وفى الليل نرى محلات الفجور وحانات الخمر وأماكن الملاهى والقمار يؤمها الأشرار فى ليالى رمضان التى هى جديرة بالصلاة والصيام والتوبة من جميع الآثام ففى الحديث "رغم أنف رجل انسلخ عن رمضان فلم يغفر له" فلو علم هؤلاء ما فى صيام رمضان وقيامه من الثواب ونزول الرحمات؛ لرجعوا إلى الله تعالى تائبين وعلى ما فرطوا نادمين ولكن استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون.

الشيخ/ أمـــين خطــــاب

(الاعتصام، السنة 12 رمضان 1369 ص40،49)