رمضان تاج الزمان

رمضان تاج الزمان

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.

يقول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185)

فحسب رمضان شرفا أنه شهر النور والفرقان، شهر العلم والعرفان، شهر البر والإحسان، شهر الفضل والإكرام، شهر التقرب والوصال، شهر التضرع والابتهال.

إنه شهرٌ تُضَاعف فيه الحسنات، وتمحى فيه السيئات، وتقال فيه العثرات، وترفع فيه الدرجات، وتسكب فيه العَبرات، وتستجاب فيه الدعوات، ويتقرب فيه العباد إلى بارئ الأرض والسماوات.

وبقدوم رمضان تتفتح القلوب للخير، وتتهيأ للطاعة، وتستعد للتوبة، وتصبح القلوب ببيوت الله متعلقة، ولعظات علمائها متشوقة، إن بيوت الله عز وجل تكون فى هذا الشهر الفضيل، بأمواج المصلين زاخرة، وبمواكب الموحدين عامرة، حيث يتوافدون إلى المساجد لقراءة وسماع القرآن الكريم، ولتعلم العلم على أيدى العلماء، الذين هم ورثة الأنبياء، فى إرشاد وتوجيه الخلق، وهدايتهم إلى طريق الحق.

ولله در القائل:

رمضان جــاء فطــــابت الأيـام *** وأتى من الشهر الفضيل سلام

وترى الجموع به يجملها التقى *** ويزين أهل الله فيـــــــه صيام

فيه بيــــــوت الله تعمر بالهـدى *** والناس فيها سجـــــد وقيــام

والعلم يتلى فيه موفـــور السنا *** والذكر والقرآن فيــــــه إمام

وكفاه فخرا ليلة القـــــدر التي *** لم تأتنا بنظيــــــرها الأيـــام

حسب رمضان قدرا أنه الشهر الذى ﴿أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ نورا للناس، دستورا للناس، ينظم حياتهم، ويصلح الله به أحوالهم، ويحقق الخير فى الدنيا والآخرة لهم.

﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ يخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الكذب إلى الصدق، ومن الباطل إلى الحق، ومن الشر إلى الخير، ومن الإثم إلى البر.

﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث.

"هُدًى لِلنَّاسِ" ييسر أمورهم، ويسير شئونهم، ويشرح صدورهم، ويرفع عند الله أقدارهم.

إن القرآن هو روح الحياة ونور الوجود، به نحيا حياة كريمة، قويمة، مستقيمة، وبدونه نخبط خبط عشواء، ونعيش فى ضلالة عمياء، وجهالة جهلاء، ولذلك لا يعزل الإسلام عن الحياة، ولا يعزل القرآن عن الحياة، لأن القرآن هو الحياة، وصدق القائل:

كتاب الله لولا أن هدانا *** لما وَضُحَ الطريق ولا استبانا

نظام الدين والدنيا وماذا *** يكون الناس لو فقدوا النظاما؟

كفى بكتابنا يا قوم نورا *** لمن يشكــــو من الأمم الظلاما

كتاب يملأ الدنيا ضيـاء *** ويَنشُر فى جوانبـــــها السلاما

والامتثال للقرآن والنزول على حكمه فى كل قضايا الحياة هو مقياس صحة الإسلام، وصدق الإيمان، فى شرع الله الواحد الديان، يقول رب العزة: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء:65).

إنه قَسَمٌ من الله عز وجل أنهم لا يؤمنون إلا إذا سلّموا بشرع الله، وكتابه، وسنة رسوله ﷺ حَكَماً فى قضاياهم ، حتى وإن خالف رأيهم، ولذلك نجد أن فاروق هذه الأمة عمر بن الخطاب رضى الله عنه لا يستنكف أن يعود عن رأيه، ويعترف بخطئه، امتثالا لأوامر الله، وتسليما لما جاء فى كتاب الله، وذلك عندما أَمَرَ على المنبر أَلا يُزَاد فِى مُهُور النِّسَاء على كذا، ميلًا إِلَى أَن النَّبِى ﷺ لم يزدْ على ذَلِك الْعدَد فِى مُهُور نِسَائِهِ، حَتَّى ذكّرته امرأةٌ من جَانب الْمَسْجِد بقول الله تَعَالَى ﴿وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (النِّسَاء: 20) فَترك قَوْله وَقَالَ: كل أحدٍ أعلم مِنْك حَتَّى النِّسَاء. وَفِى رِوَايَة أُخْرَى: امرأةٌ أَصَابَت وَرجل أَخطَأ. علما مِنْهُ رَضِى الله عَنهُ بِأَن النَّبِى ﷺ وَإِن كَانَ لم يزدْ فِى مُهُور النِّسَاء على عددٍ مَا، فَإِنَّهُ لم يمْنَع مَا سواهُ، وَالْآيَة أَعم.

وَكَذَلِكَ أَمر رَضِى الله عَنهُ برجم امرأةٍ ولدت لسِتَّة أشهر، فَذكـــّره علـىٌّ رَضِى الله عَنـــهُ بقَـــول الله تَعَالَـــى:﴿وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا﴾ (الْأَحْقَاف:15) مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿والوالدات يرضعن أَوْلَادهنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلين﴾ (الْبَقَرَة:234) فَرجع عَن الْأَمر برجمها. كما همّ أَن يَسْطُو بعيينة بن حصين إِذْ جَفا عَلَيْهِ، حتى ذكّره الْحُر بن قيس بقول الله عز وَجل: ﴿وَأعْرض عَن الْجَاهِلين﴾ (الْأَعْرَاف: 199) فَأمْسك عمر.

وَقَالَ رَضِى الله عَنهُ يَوْم مَاتَ رَسُول الله ﷺ: مَا مَاتَ رَسُول الله ﷺ وَلَا يَمُوت حَتَّى يكون آخِرنَا، حَتَّى قُرِئت عَلَيْهِ: ﴿إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون﴾ (الزمر:30) فَرجع عَن ذَلِك، وَقد كَانَ علم الْآيَة، وَلكنه نَسِيَهَا لعَظيم الْخطب الْوَارِد عَلَيْهِ (الجمع بين الصحيحين).

ومن نفحات قدوم رمضان أنه يذكرنا بنزول القرآن فيه، وبوجوب العمل بأحكامه وتحقيق مراميه، إنها العبرة التى يجب أن نعيها فى رمضان، أنه شهر القرآن، الذى يجب أن نلتزم به، منهجا وتطبيقا، عقيدة وسلوكا، حتى يتحقق وعد الله لنا، وتنصلح أحوالنا، وتستقيم أمورنا، وننهض من كبوتنا، ونعود إلى سابق مجدنا وعزتنا، مصداقا لقول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاى فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (طه:123)، وقوله سبحانه:﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (الأعراف:96)، وقوله جل شأنه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾ (الجن:16)، وحُق لشوقى أن يقول مخاطب نبينا :

بنيت لهم من الأخــلاق ركنا *** فخانوا الركن فانهدم اضطرابا

ولو حفظوا سبيلك كان نورا *** وكان من النحوس لهم حجـابا

  إن رمضان فى كل عام ينبهنا .. يذكرنا ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِر﴾ (القمر:15)، يذكرنا أن القرآن هو الدستور الإلهى لنا، به يصلح الله أحوالنا، وذلك لأن منزل القرآن هو خالق الإنسان، وهو الذى يعلم ما يصلحه وما يفسـده، ﴿ألا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ؟﴾ (الملك:14)، ولذلك أنزل كتابه ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ (النحل:89)، وشفاء لكل داء، وعلاجا لكل بلاء، وكشفا لكل كرب، وإصلاحا لكل عيب، ومخرجا من كل ضيق، واختيارا لأفضل طريق، وتيسيرا وتنظيما لكل شئون الحياة، وما ينفع الإنسان فى دنياه وأخراه، ﴿مَا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَابِ مِن شَىْءٍ﴾ (الأنعام:38).

وكأنّ رمضان يهيب بنا أنْ عُودُوا إلى القرآن، لتعودوا إلى مجدكم، لأنه بدون القرآن لا حياة لنا، ولا صلاح لأحوالنا، بدون القرآن يخيب سعينا، ويضل هدينا، ويتوه طريقنا، إذا القرآن ضاع فلا صلاح:

إذا الإيمان ضاع فـــلا أمان *** ولا دنيا لمن لم يحى دينا

ومن رضى الحياة بغير دين *** فقد جعل الفناء لها قرينا

   لقد كرّم الله رمضان، وأعلى شأن صيامه، وجعل تكليف عباده به تشريفا لهم وتكريما، فقال سبحانه:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183)، فى هذا النداء للمؤمنين تكريمٌ لهم، وتعظيم لما كلفوا به ونودوا من أجله ويتمثل ذلك فيما يلي:

أولا: إن أداة النداء فى هذه الصيغة(يا)، وقد مُيّزت دون بقية أدوات النداء بثلاث ميزات هى:

أ‌- أنها الأداة الوحيدة التى شَرُفَت باستخدامها فى كل نداءات القرآن الكريم، ما عدا موضعا واحدا مختلفا فيه.

ب‌- أن لفظ الجلالة (الله) لا ينادى إلا بها.

ج- أنه لا يُقدّر عند الحذف سواها.

وهى من أدوات النداء للبعيد، والبُعد هنا ليس بُعدَ مكان، ولكنه بُعد مكانة، وبعدُ منزلة. فالمنادون وهم المؤمنون منزلتهم عند الله بعيدة، عالية، سامية.

 ثانيا: أن الله عز وجل وصفهم بالإيمان، وهى شهادة لهم بصدق الإيمان فى قلوبهم، لأن الإيمان محله القلب، ولا يعلم حقيقة ما فى القلوب إلا الله، ولذلك قد يصف إنسانٌ إنساناً آخر بالإسلام لأنه نطق الشهادتين، أمّا أن يصفه بالإيمان فهذا أمر غَيبى لا يطلع عليه إلا عالم الغيب والشهادة، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِى قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات:14)، فعندما يأتى وصفهم بالإيمان من علام الغيوب، فهذا وسام إلهى عظيم على صدورهم، وبرهان على صدق إيمانهم بربهم تباركت أسماؤه.

ثالثًا: تكرار هذا النداء فى القرآن العظيم، ولله در القائل:

تَكلّم اللهُ فليصْغ الجميعُ له *** الله فى الملأ الأعلى ينادينا

ولو أن الله نادانا مرة واحدة لكان فى ذلك تكريم عظيم، ولو أنه نادانا مرتين لتضاعف ذلك التكريم، فكيف وقد تكرر هذا النداء من مولانا وخالقنا تسعا وثمانين مرة فى كتابه الكريم ؟.

 رابعًا: أن هذا النداء يتلوه دائما تكليف من الله عز وجل والتكليف هنا جاء بالصيام، وذلك التكليف من الله تعالى تشريفٌ، وأى تشريف.

هذا فضلا عن أن الله تعالى جعل الصوم سرًا بينه وبين عبده، وتولى سبحانه بذاته العلية مكافأة الصائم، وإعطاءه أجره وثوابه، وأَنْعِمْ بالعطاء، إذا كان من مالك خزائن الأرض والسماء، ففى الصحيحين عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِى وَأَنَا أَجْزِى بِهِ".

وهذا يحفز الصائم لإخلاص صومه لله، وتقربه بكل القربات إلى الله، ونحن فى الجمعية الشرعية نحاول أن نقوم بدورنا، فى خدمة ديننا، وبلدنا، وأمتنا، بعطاء رمضان، الذى يزداد بفضل الله تعالى عاما بعد عام، فضلا عن حشد قوانا فى حملة جمع التبرعات، المعتمدة من الجهات ذات العلاقة، من أجل الصرف على الأشعة المتطورة، وكذلك الصرف على أطفالنا المبتسرين، نسأل الله عز وجل العون والتوفيق، وأن يستعملنا، ويستعمل جمعيتنا لغوث المستغيثين، وكشف الكرب عن المكروبين، وتخفيف أنّات المعذبين، وأن يجعلنا فى شهره المبارك من المقبولين الفائزين، وأن يشمل ديننا وبلدنا وأمتنا بحفظه ورعايته، ونصره وتأييده.. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين. ▪

بقلم: أ.د. عبد الفتاح البربرى ، الرئيس العام للجمعية الشرعية - الأستاذ بجامعة الأزهر