التسـلّح بالأمــل والتـفاؤل ونبذ اليأس والتشاؤم

التسـلّح بالأمــل والتـفاؤل ونبذ اليأس والتشاؤم

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

تحدثنا عن أول ملمحٍ من ملامح فقه الدعوة إلى الله، وهو (العلم)؛ فكيف يتصوّر نزول جندى إلى ساحة المعركة بلا سلاح؟ أم كيف يُتخيل دخول طبيب إلى غرفة عمليات بلا أدوات طبية وعلاجية؟ كذلك الداعية لا بد له من أن يتحصّن بالعلم.. ويتبَعُ العلم الأمل والعمل!

وفى هذه المقالة نتوقّف مع طوقِ نجاةٍ جديد للدعاة، وملمح جديد من ملامح فقه الدعوة.. وهو التسلّح بالأمل والتفاؤل ونبذ اليأس والتشاؤم.

إنّ من أهم صفات الدَّاعية النَّاجِح أن يمتلأ صدره بالأمل وفؤاده باليقين ونفسه بالتفاؤل- مهما ادلهمّت به الظروف وضاقت به السُّبُل وأظلمت عليه الحياة-؛ فإنّ مجرد انتماء الداعية إلى الربّ الكبير المتعال يدفع فى نفسه الهمّة للعمل وكلُّه أمل، يتذكّر قول الله تعالى: ﴿وَالله غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21] يرى المتشائمون فى كل انفراجة شدّة.. بينما يرى هو فى كل شدّة فرجًا، ومع كل همّ مخرجًا، ومن بين طيات المحن تتولّد المِنَح..

ولنا أن نتخيل داعية امتلأت نفسه بالتشاؤم واليأس: هل يقوَى على مواجهة مشكلات الحياة وأعبائها؟ هل ينصر دعوة؟ هل يقيم حقًا؟ هل يستطيع أن يقاوم بغيًا أو فحشًا أو ظُلْما؟ هل يثبت فى وجه المحن والشدائد؟ والجواب: لا؛ سيكون من الصعوبة تحمّله أعباء الحياة وهُو المتشائمُ من أحداثها!!

ودعنى أُقرّ وأعترف لك أيها الداعية الهُمام أنّ الحياة مليئة بالهموم والآلام، وقد عهد إلينا القرآن الكريم بآيات عدّة تثبت أن الدنيا دار ابتلاء وتعب وعنت ومشـقة، استمع إلى هذا النداء جيدًا: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق:6]، وأنصِت بقلبك لقول ربِّك: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِى كَبَدٍ﴾ [البلد: 4] قال الحسن -رحمه الله-: (يكابد الشكر على السراء، والصبر على الضراء، ويكابد المِحَن فى أداء العبادات). وفوق هذا وذاك: فقد اكتظّت حياة البشرية اليوم بكثير من الهموم المعقَّدة، وتشابكت الأفكار، وتصارعت الأهواء..

غير أنّ الداعية بين تلك الرّكام يستمطر رحمات ربه، ويستعطر نسيم الأمل واليقين فى الله الخالق المدبر المحيط بالكوْن.

الداعية بين الأمل واليأس:

يصاب بعض الدعاة فى زماننا باليأس والتشاؤم وقلّة الحيلة..

فيحيط بهم اليأس إذا أرادوا الحديث إلى الناس وتوجيه الجماهير؛ يتحدث بعضهم لنفسه فيقول: (مِثْلِى يتحدث إلى الناس، وأنا المقصّر المذنِب)!! وربما فاز الشيطان بمثل هذا كما قال ابن الجوزى -رحمه الله-..

يحيط بهم اليأس إن أرادوا تطوير مهاراتهم، فى زمنٍ لم تعد المهارة والكفاءة تحكم عالَم الدّعوة، بل أمور أخرى!! يحيط بهم إذا أذنبوا وأسرفوا على أنفسهم بالذنب والمعصية والتقصير فى جنب الله! يحيط بهم إذا نظروا إلى واقع يُحاك فيه للدعوة والدعاة ليل نهار ونحن قليلو الإمكانات والقُدُرات فتشيخ فى قلوبهم ذرات الإيمان الشابة الفتيّة.

ومن هنا كان لزامًا على الباحثين والمفكرين والمهمومين بقضايا الدعوة أن يخلِّصوا أنفسَهم وغيرَهم من اليَأْس والتَّشاؤُم.. فإنّه إذا تسرّب اليأس إلى دعاتنا -وهم القادة لبقية المجتمع- انفصل المجتمع كله عن إسلامه ويقينه بربه؛ فالدعاة كالرأس من الجسد، إذا حوى الرأس تشوهات ما تعرَّض الجسد كله لتلك التشوهّات وأشدّ!! ومن مظاهر اليأس الذى ألمَّ بواقع الدعوة الإسلامية فى عصرها الحالى:

-ضعف الالتزام فى النفوس؛ لكثرة شيوع وانتشار حركات الإفراط والتفريط الفكرى والدينى والأخلاقى.

-ندرة الاعتزاز بكل ما له صلة بالدين؛ لا سيّما فى ظل تقدّم رهيبٍ للغرب المنسلِخ من الدين، المنجرِف بعيدًا عن التدين والالتزام.

-تثبيط همم العاملين للإسلام؛ بحجج تأخر النصر أو تقدّم الأعداء أو ندرة العاملين والسالكين فى طريق الدعوة. وكل ما سبق ما هو إلا قطرة فى بحار اليأس المتلاطم أمواجها..

ســـلاح الأمل:

حين اشتدت الهموم على الصحابة فى بداية الدعوة الإسلامية لجأ أحدهم إلى القائد القدوة والداعية الأول (رسول الله ﷺ) يشكو هَمَّه ويبثّ تخوفاته ويرصد له نفسيّة الكثير من أصحابه فى وقت اشتدّ بهم الأذى والعنت والمشقة وهم ما زالوا فى بداية طريق الدعوة.

فإذ بالداعية الأوّل ﷺ يرسم له خريطةً ذهنيّة قد اشتملت على صورة من الماضى ترتبط بالحاضر وصورة من المستقبل الباهر القريب، فقال لصاحبه الخبَّاب رضى الله عنه يومهَا: (قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ، يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِى الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) [البخارى]..

وحين وصل سراقة بن مالك إلى الرسول عند غار ثور وكاد أن يفشى سرّه، يعده النبى ﷺ بما وعده به -مما يعد مستحيلا فى ظننا وقتها- غير أنّ الله حقق له ذلك، حتى بعد موته عليه الصلاة والسلام.

وحين اعترض الصحابةَ صخرةٌ كبيرة عند حفر الخندق، حمل فأسه الشـريف، -بل قل حمل أمله الشريف- وأخذ يبث الأمل فى النفوس المؤمنة، وتسمع الجموع صيحات التكبير والتفاؤل (الله أكبر) ويبشر بفتح الشام واليمن وفارس... وهو المُحاصَر حينها من الأحزاب!!

إنها رسالة إلينا جميعًا بأن نكون أقوى وأشد عند المشكلات والضيق والابتلاءات..

إنّنا حين ننظر إلى نبى الله يوسف عليه السلام نجده وقد أحاطت به المِحن من كل جانب، ولا يخرج من حفرة إلا وتجده قد وقع فى حفرةٍ أعمق وألمٍ أشدّ: فها هو يتنقّل من رؤيا منامية فيها بشـرى إلى محنة الغيرة والحسد الأخوى عليه، من رفقة أبيه وأهله إلى بئر عميق مظلم كاد أن يموت فيه لولا عناية الله، من إنقاذه إلى بيعه عبدًا رقيقًا فى مصر، من بيعه عبدًا إلى المعيشة فى بيت عزيز مصر، من المعيشة الهانئة إلى الإغراء والإغواء الفردى المباشر من امرأة العزيز، مِن شهادة شاهد من أهلها ببراءته إلى مراودة نسوة المدينة له، من الهناءة الظاهرة إلى الأسْر والسّجن، من باطن السجن والحرمان من لقاء الجماهير إلى دعوة فردية داخل السجن وهداية الناس على يديه وتفسير رؤيا الملك حتى البراءة الواضحة والخروج من السجن إلى الملك، ومِن المُلك إلى حرب نفسية فى مشاعره نحو إخوته الذين آذوه وفرّقوا بينه وبين أبيه وأخيه...

هل تعرف أخى الداعية أن يمكن أن تُلخَّص قصة نبى الله يوسف فى آية واحدة بل نهى واحد ورد فى سورة الكريم يوسف؟ ألا وهى: (ولا تيأسوا).. يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87] قالها يعقوب عليه السلام وهو الذى فقد ابنه الحبيب، وفقد ابنه الآخر، وفقد عيناه، وفقد وحدة أبنائه ومحبتهم لبعضهم، قالها وهو يثق فى أنّ الله لن يخذله..

الداعية وصورٌ من الواقع:

أيها الدَّاعية مهما كان همُّك (ماديا أو معنويًّا) فلا تبتئس ولا تحزن ولا تيأس؛ فإذا كان اليأس فى حق أى مسلم حرام، فهو فى حقك أشد حرمة..

- لا تيأس من الفقر المادّي؛ فالفقير قد يغتني، لكن سل الله ولا تعجز.

- لا تيأس وأنت ترى أهل الباطل يتمرّدون على أهل الحق ويعيثون فى الأرض فسادًا.

- لا تيأس وأنت ترى الفحش يتسلّط فيصير سُنّة، بينما صارت القيم بدعة عصرية.

- لا تيأس فأشد ساعات الليل ظلمة هى تلك الساعة التى يعقبها بزوغ الفجر.

- لا تيأس فمن وراء الشدة يأتى الفرج، ومن باطن المِحنة تتولّد المِنحة، ومع العسـر يأتى اليسر.

- لا تيأس وطالِع تاريخ السابقين الأولين، وتعلّم من سِيَرِهِم كيف صمدوا وصبروا وتحمّلوا فى وقت المعاناة والشدائد..

هل تذكــــر:

هل تذكر فتى الأخدود وما حدث معه: حتى نصـر الله به دعوة الحق والعدل وقضـى به على دعوة الباطل والبغى والظلم؟

هل تذكر أيوب عليه السلام وقد اشتد به المرض زمنًا طويلا: ثم شكا إلى المولى ففرَّج عنه وعافاه؟

هل تذكر يونس عليه السلام وقد رقد فى مكان لم يصل إليه غيره: فعافاه الله من أن يهشم له الحوت عظمًا أو يأكل له لحمًا؟

هل تذكر زكريّا عليه السلام كبير السّن وقد أصاب زوجه العقم: غير أن الله رزقه بالولد؟

قد تقول الآن: هؤلاء أنبياء، وتلك معجزات!!

غير أنى أقول لك: إنّ ربهم فى زمنهم هو ربنا فى زمننا، القادر على إحداث التغيير فى حياتهم هو نفسه القادر على تغيير أوضاعنا إلى الأفضل، لكن يبقى أن تتنفس الأمل فى كل لحظة، وأن تجد عاملا باذِلا مجتهدًا فى سبيل دعوتك ودينك، ولن يخذلك الله؟ فهل خذل الله وليًّا له يومًا؟!!

صناعة الأمل فى حياة الدعاة:

يقول القائل:

ترجو السعادة ولم تسلك مسالكها *** إن السفينة لا تجرى على اليبَسِ

فإن أردت صناعة الأمل فخذ بالأسباب والوسائل المعينة على تحقيق الأمل ونبذ اليأس، ومن بين تلك الوسائل المساعدة ما يأتى:

  • تنمية الإيمان اليقينى بالله تعالى: فمن رضى بالله ربًّا أيقن أنّه حكيم فى قضائه وقدره، وأنه ما ابتلى أو أخّر نصرًا إلا لحكمة، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ الله لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: 179].. فاليقين يقودك إلى حُسْن الظنّ به تعالى، ويزرع الأمل فى قلبك ويزيل آثار اليأس والتشاؤم.
  • الاستفادة من خبرات السابقين فى محاربة اليأس وزراعة الأمل: يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِى الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: 111].. استفد من نبى الله موسى حين التقى الجمعان وباتت نبرات اليأس تتناقل فى الأرجاء (إنّا لمُدركون) فقل بنفس راضية وبقلب قوى: ﴿إِنَّ مَعِى رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾. واقرأ سيرة حبيبك المصطفى ﷺ بطريقة عصريّة ستجد الشفاء والدواء.
  • حُسْن قراءة التاريخ الإسلامى والإنسانى: ستكتشف أنّ دوام الحال من المُحال، وأنّ أمورًا كانت معقّدة قد حُلّت عقدتها وفكّت ربطتها، من كان يتخيّل أنه بعد قرابة قرن من الزمان وقد أُسِر المسجد الأقصى أن يجعل الله تحريره على يد بطل كصلاح الدين بعد زمن طويل؟!! وانظر إلى شعوب كانت تتسلّط على أخرى: أين هى الآن من الأُمم والشعوب؟!! وانظر إلى تداول الأمم والشعوب اليوم فى القيادة والسيطرة!
  • التخطيط والأخذ بالأسباب فى علاج المشكلات: فإنّ المهموم الكئيب المستسلِم للشدائد لا يبنى ولا يعمّر، ولا يستطيع إنسان أن يصل لمراده بلا تخطيط وتنظيم، فتعلّم مهارات إدارة الأزمات وتدرّب على حلّ المشكلات.
  • صُحبة أهل الأمل والتفاؤل: فلا تجلس أخى الداعية مع مَن يقنِّطَك مِن كل جميل، أو يعمل على تشكيكك فى المستقبل الموعود بنص القرآن والسنة، واستمع ماذا يقول ربُّك آمرًا حبيبه المصطفى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِى يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:28] فالمرء على دين خليله وصاحبه.
  • التركيز على الإيجابيات لا السلبيات: لا شك مع كثرة الهموم والسلبيات أن ثمت إيجابيات عدّة تملأ حياتنا الدعوية؛ فثبات بعض الدعاة على الحق، ووجود أمثالك فى طريق الدعوة الآن، ومحبة كثير من الناس للخير والفضيلة، وتشوّق الكثير من أبناء المسلمين إلى رؤية نصر الله قريبًا... كل هذا يجعلنا نوقن بوجود إيجابيات تزيد الأمل وتشجّع على العمل.. وأسأل الله لنا جميعًا صلاح الحال والمآل. ▪

بقلم: د. عـــادل هنــــدى

مدرس بكلية الدعوة - جامعة الأزهر

مقالات ذات صلة