التعايش .. مطلب شرعى إنسانى

التعايش .. مطلب شرعى إنسانى

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

إن مما يشهد بالقيمة الحضارية والثقافية لأمة ما، ما تحققه من مبادئ إنسانية زاهية، تتجاوز حدودها لتعم بإنسانيتها الآخرين، ولو خالفوا فى الدين والجنس واللغة. والتاريخ يثبت أن الإنسان مدنى بطبعه، وحينما كان يحسن التعايش السلمى البنائى مع الآخرين كانت الحضارات تقوم، وحين يسيء هذا التعايش تنهار هذه الحضارات.

ولذلك أصبح التآلف الإنسانى، والوحدة الإنسانية ضرورة معيشية فى واقع الحياة المعاصرة أكثر من أية مرحلة مرت بها البشرية من قبل، فإنه بقدر ما نال العالمُ من التقدُّم والمعرفة بقدر ما أوغل فى العنف والوحشية والصدام والنزاعات والعصبية والحروب، فى خريطة غاب العقل عنها، وتلاشت قيم التسامح فيها، وتضاءلت فرص التعايش السلمى عليها، وليس غير التعايش والإنصاف والحوار وحسن الجوار طريقًا نسلكه كى يُلجَم التعصُّب المقيت، والتمييز البغيض، والهمجيَّة والوحشية، ويعيش الناسُ فى سلام وأمان، وتُحفَظ عليهم دماؤُهم وأعراضُهم، وأموالُهم وأوطانُهم، ويَقتضى ذلك الاعتراف بالتعددية والتنوع، وإشاعة أجواء الحوار بين الثقافات، والتعاون على البر والتقوى، والتعامل بالبر والقسط بين الأقرباء والجيران، والمجتمعات والأنظمة الحاكمة، والإسلام بذلك يفتح صدره للجميع، ويمد يده للجميع، ويدعو الجميع للسلام، ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الأنفال: 61)

والمقصد العام للشريعة الإسلامية، كما قال العلامة المغربى علال الفارسى: هو عمارة الأرض، وحفظ نظام التعايش فيها، واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها، وقيامهم بما كلفوا به من عدل واستقامة، ومن صلاح فى العقل وفى العمل، وإصلاح فى الأرض، واستنباط لخيراتها، وتدبير لمنافع الجميع.

ولقد ضرب لنا رسول الله ﷺ النموذج الرفيع فى التعايش المجتمعى حتى من قبل نزول الوحى، كما جاء فى البخارى، على لسان السيدة خديجة رضى الله عنها: "أَبْشِرْ فَوَ اللَّهِ لاَ يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، فَوَ اللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِى الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ" ثم اصطفى الله تعالى نبينا ﷺ للرسالة؛ رحمــة للنــاس أجمعين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:107).

فكانت رسالة الإسلام أول رسالة عالمية، تجاوزت حدود الزمان والمكان واللغة والجنس، وعملت الدولة الإسلامية فى عهد الرسول ﷺ على مد جسور الحوار البناء، داخل الدولة الإسلامية بين مواطنيها على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم، من خلال وثيقة المدينة التى تعد الدستور الأول فى الإسلام للتعايش السلمى والمشاركة المجتمعية، وخارجها فى علاقاتها مع دول الجوار، وذلك عبر توطيد العلاقات السلمية من خلال المعاهدات التى أبرمها الرسول ﷺ مع مختلف القبائل والدول المجاورة، والرسائل التى أرسلها إلى ملوك ورؤساء العالم.

الأسس الفكرية للتعايش:

وحدة الربوبية والإنسانية، فالله تعالى رب الجميع، والأصل الإنسانى من نفس واحدة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ..﴾ (النساء: 1)

الاختلاف لا يكون سببًا فى التنافر والعداوة، بل يجب أن يكون سببًا للتعارف والتلاقى، والإجماع على أمر فرعى متعذر.

العقل وحرية الاختيار: فمن تكريم الله للجنس البشرى ما وهبه من العقل، وبموجبه وهبه الحرية والإرادة الحرة لاختيار ما يشاء ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان:3)، قال العلامة ابن قدامة:" وَإِذَا أُكْرِهَ عَلَى الْإِسْلَامِ مَنْ لَا يَجُوزُ إكْرَاهُهُ، كَالذِّمِّى وَالْمُسْتَأْمَنِ، فَأَسْلَمَ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ، حَتَّى يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى إسْلَامِهِ طَوْعًا" (المغنى)، وقال فقيه الأندلس الباجى: «إنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ يُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ وَيَكُونُونَ مِنْ دِينِهِمْ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ فِى بَاطِنِ أَمْرِهِمْ وَإِنَّمَا يُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِهِ فِى الْمَحَافِلِ وَالْأَسْوُاقِ».(المنتقى شرح الموطأ).

واجب الدعاة البلاغ المبين، والله تعالى هو من يتولى حساب المعرضين، ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (النحل:82).

التعايش بين البشر تفرضه السياسة الشرعية، وتمليه الروابط والحقوق الإنسانية، والقواسم والمصالح المشتركة.

التعايش لا يعنى أن يتنازل الإنسان عن شىء من ثوابت دينه أو مقدساته، أو يرتكب ما حرم الله بحجة التعايش مع المكان والزمان الذى يعيش فيه.

الأسس العملية للتعايش:

التعامل الإنسانى: وأقصد به الالتزام بالقيم والحقوق الإنسانية، والتضامن فى تحقيق مقاصد الشريعة (حفظ الدين، النفس، المال، العقل، العرض) فى واقع الناس، بغض النظر عن الدين أو الجنسية، أو اللون، ولنا القدوة فى النَّبِى ﷺ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا» البخارى، وقال محمد بن الحسن:" يَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ الْمُسْلِمِ نَفَقَةُ أَبَوَيْهِ الذِّمِّيَّيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِى الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (لقمان: 15)، وَلَيْسَ مِن الْمُصَاحَبَةِ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يَتَقَلَّبَ فِى نِعَمِ اللَّهِ وَيَدَعَهُمَا يَمُوتَانِ جُوعًا وَالنَّوَافِلُ وَالْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبَوَيْنِ فِى ذَلِك (انظر/ المبسوط)

إزالة معوقات التعايش، ومنها: انتصار المصالح على حساب القيم، شيوع العنصرية والعصبيــة، والانحراف عن تعاليم الرسالات السماوية؛ ولذلك سطر فقهاء الأمة العديد من القواعد الفقهية التى تحقق التعايش، وتزيل من أمامه جميع العقبات، ومن هذه القواعد ما يلى:

لَا ضَرَر وَلَا ضرار، والضَّرَر يزَال، ولَا يُزال بِمثلِهِ، ويُتَحَمَّل الضَّرَر الْخَاص لدفع الضَّرَر الْعَام، والأشد يزَال بالأخف، ويُدْفع الضَّرَر بِقدر الْإِمْكَان.

"دَرْء الْمَفَاسِد أولى من جلب الْمصَالح، وإِذا تعَارض مفسدتان روعى أعظمهما ضَرَرا بارتكاب أخفهما.

لا يجوز لأحد أن يتصرف فى ملك الغير بلا إذنه، والْأَمر بِالتَّصَرُّفِ فِى ملك الْغَيْر بَاطِل، ولا يجوز لأحد أن يأخذ مال أحد بلا سبب شرعى.

الِاضْطِرَار لَا يبطل حق الْغَيْر.

التَّصَرُّف على الرّعية مَنُوط بِالْمَصْلَحَةِ.

الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِى، وَالْيَمِين على من أنكر.

هيا نبدأ بأنفسنا: نرحم الصغير، ونوقر الكبير، وننزل الناس منازلهم، ونحسن لوالدينا وأرحامنا وجيراننا، ونؤدى الحقوق والواجبات، بنية صادقة، نرجو فيها الرضا من الله تعالى والثواب، ويتحقق الأمن والاستقرار للأفراد والمجتمعات. ▪

بقلم: الشيخ فرج عبد الحليم

من علماء الجمعية الشرعية الرئيسية