النَّبِى الأُمِّىّ

النَّبِى الأُمِّىّ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.

فإذا كان الله عز وجل قد خلق الإنسان وكرَّمه، واجتبى موسى وكلمَّه، وأرشد سليمان وفهَّمه، ونجَّى إبراهيم من النيران وسلَّمه، فقد بعث خاتم أنبيائه محمدًا ﷺ نبيًا أميَّاً وعلَّمه.

ومن ثم كان الأمى الوحيد على ظهر الأرض الذى لم تكن الأمية عيبًا فيه، وإنما كانت معجزة له تَزِينه وتؤيده وتزكيه، فهو الأمى الذى علم المتعلمين، وهو الفقير الذى بعث الأمل فى قلوب البائسين، وهو اليتيم الذى قاد الدنيا إلى بر النجاة إلى مرضاة الله رب العالمين.

الأمــى الفقير أنقـــــذ كونا *** من شــرور وفتنـة رعنـاء

الأمى الفقير شيد صرحا *** ثابتا شامخا رفيع البنـاء

الأمى الفقير أَوْلَى البرايا *** آى حق من السنى والسناء

لقد امتن الله عز وجل على أمة هذا النبى الأُمِّى العظيم ببعثه فيهم، وإرساله إليهم، ليكون معلمَ البشرية الأكبر، وأستاذَ الإنسانية الأعظم، فقال جل جلاله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ..﴾ (آلعمران:164).

وتشهد العناية الإلهية لهذا النبى الأمى الذى أضاء الدنيا بنور الله الذى أنزله على قلبه، يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم، يأمر الناس بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم.

إنه النبى الأمى العظيم، الذى زكاه الخالق الجليل، وبَشَّرت به التوراة والإنجيل، ووعد الله تعالى من اتبعه برحمته وغفرانه، والنجاة من نيرانه، والفوز برضوانه.

ورحمةُ الله التى وسعت كل شىء، وعد الله بكتابتها لمن يلتزم بطاعته وتقواه، ويحرص على إيتاء الزكاة، ويقيم جميع أركان شرع الله، ويستمسك بسنة حبيبه ومصطفاه، ويستضىء بالنور الذى أنزله عليه الله، أولئك.. حقيقون برحمة الله، وبامتنان الله عليهم بالنجاة والنجاح، والفوز والفلاح، مصداقًا لقوله سبحانه:

﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِى الْأُمِّى الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِى أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِى وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِى الْأُمِّى الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: 156-158).

وقد ذكر الله تعالى فى هذه الآيات الوضيئات المضيئات لَقَبَى "النبى الأمى" مرتين، تشريفًا لمحمد ﷺ، وإعلاءً لقدره، وبرهنةً على صدقه فيما جاء به عن ربه، فهى النبوة وبَيِّنَتُها، والرسالة ومعجزتها.

إذْ كيف للأمى الذى لم يتعلم.. كيف له أن يُعَلّم؟ إنه أمى بُعِث من الأميِّين، وفى الأميِّين، يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (الجمعة:2)، كيف له أن يعلمهم وهو غير متعلم؟ كيف يتلو عليهم آياته ويزكيهم؟ كيف يعلمهم الكتاب والحكمة؟ إن هذا دليل قاطع، وبرهان ساطع، على أن الذى علمه هو الله.. هو الذى تولاه ورباه.. هو الذى أرشده وهداه.. هو الذى أدبه ورعاه.. هو الذى وجّهه وزكّاه.. فَسَمَا به ورقّاه.. وبوّأه درجةَ أستاذيةٍ لم يتبوأها أحدٌ سواه، وصدق الله جل فى علاه: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النساء:113).

ولذلك عندما أمره الله تعالى بالقراءة فى أول نزول جبريل عليه، بتلك الكلمة النورانية القرآنية التى أنزلها الله على قلبه فقال له:"اقرأ"، أطلقها فى بادئ الأمر ولم يقيدها، للإشارة إلى قيمة القراءة فى ذاتها، وقيمة العلم فى ذاته، ثم قُيِّدت القراءة بعد ذلك بأنها قراءة ﴿باسم ربك﴾ (العلق:1)، للدلالة على أن أمتك يا محمد هى أمة العلم، وأمة القراءة، على أن يكون ذلك العلم طاعة لله، مُبْتَغًى به وجهُ الله، مؤديًا إلى إعمار الكون وإصلاح الحياة.

وقد بُيِّن إطلاقُ القراءة ثم تقييدُها فى الحديث الشريف الذى أخرجه البخارى ومسلم وغيرهما عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رضى الله عنها وعن جميع صحابة الرسول الأمين أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الوَحْى الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِى النَّوْمِ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلاَءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِى ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِى غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ"، قَالَ: "فَأَخَذَنِى فَغَطَّنِى حَتَّى بَلَغَ مِنِّى الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِى، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ"، فَأَخَذَنِى فَغَطَّنِى الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّى الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِى، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ"، فَأَخَذَنِى فَغَطَّنِى الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِى، فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ. خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (العلق:1- 2).

أى اقرأ يا محمد، لا لأنك تعلمت القراءة والكتابة، وإنما اقرأ بفضل ربك .. بفيض ربك.. بهداية ربك.. بإرشاد ربك.. بتعليم ربك.. بعطاء ربك.. بوحى ربك.. بالنور الذى أنزله الله على قلبك، لتدعوَ أمتك إلى وحدانية الله، لتتلوَ عليهم كلام الله، لتعلمهم الكتاب والحكمة، وتغرس فى قلوبهم الإيمان والعزة، وتخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الكذب إلى الصدق، ومن الباطل إلى الحق، ومن الجهل إلى العلم، قال جل جلاله: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾؟ (الرعد:19).

   ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِى الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ (فاطر: 19-22).

﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (إبراهيم:1).

﴿قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ (النساء:174).

﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ويزَكِّيهِمْ﴾ (البقرة:129).

﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِى مُبِينٍ﴾ (الشعراء:192-195).

﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ (النمل:91-92). ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ (الرحمن:1-2).

فأول من علمه الله القرآن هو ذلك النبى الأمى ليعلمه أمتَه، ويقيم فيهم شريعتَه، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 44).

وعبثًا حاول الكفار أن يقفوا فى وجه رسول الله ﷺ، وهم على يقين من أنه الصادق الأمين، ولم يجربوا عليه كذبا قط، وكما قال شوقى:

نعم اليتيم بدت مخايل فضله *** واليتـــم رزق بعضـــه وذكــاء

بسوى الأمانة فى الصبا والصدق لم *** يعرفه أهل الصدق والأمناء

ومع ذلك حاول المشركون أن يتصدوا لحقيقة أن القرآن من عند الله، وأنه سبحانه هو الذى علَّم حبيبه ومصطفاه، فراحوا يتهمونه بتهم عديدة، هم أول من يعلم أنه منها براء.

والله عز وجل هو الذى دافع عن نبيه ضد افتراءات المفترين، وكذب الكاذبين، وحقد الحاقدين:

   فقد اتهموه - حاشاه – بالسحر والجنون ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُون وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (الصافات: 35-36)، ودافع الله تعالى عن حبيبه بقوله:﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الصافات:37).

كما اتهموه ظلمًا وزورا بأنه افتراه، وبأنه أساطير الأولين اكتتبها فقال سبحانه رادًا عليهم: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ (السجدة:2-3).

وقال جل شأنه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِى تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ فِى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الفرقان: 4-6).

واتهموه بالشعر وبالكهانة، ودافع الله عن نبيه، ورد كيد أعدائه إلى نحورهم، قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ تَنزِيلٌ مِن رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الحاقة: 41-43)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِى لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ﴾ (يس: 69).

   وكل هذه الافتراءات والمزاعم هم - كما ذكرت - أول من يعلم أن محمدًا ﷺ منها براء، ولا أدل على ذلك من هذا الاتهام الشنيع الذى يجافى العقل، ويجافى المنطق، ولا يصدر عمن لديه أدنى مُسْكَة من الفكر السّوِىّ، والعقل السليم، فقد اتهموه بأن الذى يعلمه القرآن رجل أعجمى اسمه جبر الرومى، فأنزل الله عز وجل : ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِى وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِى مُبِينٌ﴾ (النحل:103)، تفسير القرطبى (10/177)

إنهم بهذه الشناعة والبشاعة فى التفكير وفى التعبير، يسفهون أحلام أنفسهم، ويلغون عقولهم، والذى حملهم على ذلك حقدُهم على رسول الله ﷺ، فهذا الحقد أعمى أبصارهم، وطمس بصائرهم، فهم فى غبائهم يتحيرون، وفى غيهم يتخبطون، وفى سفههم يمعنون، وفى جهلهم يعمهون، وبأنفسهم يسخرون ويستهزئون.

حسدوا فقالوا شاعر أو ساحر *** ومن الحسود يكون الاستهزاء

وإلا، فكيف يمكن لمن لسانه أعجمى؟ أن يُعَلِّم ذلك النبى الأمى أسلوب القرآن العربى؟ ومن أين لهذا الأعجمى أن يتذوق بلاغة الكتاب المعجز فى فصاحته وبيانه؟ إنه التخبط والعمه، والغل والحقد، والعناد والجحود الذى حملهم على إنكار الحق الذى يعرفون، بل إنهم به متيقنون، لكنه الظلم والجحود كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (النمل:14)، وكما قال جل جلاله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (الأنعام:33).

وليس هناك أصرح ولا أوضح من قــول الله جل جلاله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ أى أنهم على يقين من صدق الرسول الأمين، ويؤكد ذلك ما ورد من شهادتهم للقرآن العظيم فقد ورد عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسلًا فِى قِصَّةِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَنَــّهُ قَــالَ لِرَسُـولِ اللَّهِ ﷺ: اقْرَأْ عَلَى فَقَرَأَ عَلَيْهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِى الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْى يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 90) قَالَ: أَعِدْ، فَأَعَادَ النَّبِى ﷺ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةً وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً وَإِنَّ أَعْلَاهُ لَمُثْمِرٌ وَإِنَّ أَسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ وَمَا يَقُولُ هَذَا بَشَرٌ، وَقَالَ لِقَوْمِهِ: وَاللَّهِ مَا فَيكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّى وَلَا أَعْلَمُ بِرَجَزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ مِنِّى وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ هَذَا الَّذِى يَقُولُ شَيْئًا مِنْ هَذَا، (الاعتقاد للبيهقى، باب القول فى إثبات نبوة محمد ﷺ).

ويقول شهاب الدين ابن نباتة:

ومناقبٌ شهد العدو بفضلها *** والصدق ما شهدت به الأعداء

إذاً، على قلب هذا النبى الأمى نزل كتاب الله، وفى أُمِّيَّتِه تتجلى معجزة رسالته، فقد استُهِلَّت بغير ما يَألف.. بغير ما يعرف.. بغير ما يعلم.. استُهِلَّت بالعلم، افتُتِحت بالقراءة، على أن تكون قراءة "باسم ربك"، وهذه هى القراءة النافعة، هذا هو العلم المعول عليه فى الإسلام، العلم الربانى.. العلم الذى يعمق الإيمان فى قلب الإنسان.. العلم الذى يؤدى إلى خشية الله الواحد الديان.. العلم المفيد للخلق.. الهادى إلى الحق.. الذى يبنى ولا يهدم.. يَهدى ولا يُؤذى.. يعمر ولا يدمر.. ييسر ولا يعسر.. يبشر ولا ينفر.. يصلح ولا يفسد.. يُعضِّد ولا يقوض.. يُحبب ولا يبغض.. يُجَمِّع ولا يفرق.

   هذا هو العلم الإيمانيّ، الذى علمه الله نبيه الأمى ليعلم به الدنيا، ويضىء به وجه الحياة، ولله در القائل:

سبحان من جعل الرسول معلمًا *** وأعـــــده لهـدايـــة الإنسان

عجبـــًـا لأمّـىٍ يُعَلَّـــــم عالمــــًـا *** ويقيم ديـــن الله بالميـــــزان

زان الحياةَ محمـــــدٌ من مهده *** وأقــام فيها دولـــة الإيمان

أجل، علَّم الله نبيه الأمى العلم الذى يُمَكِّن الإنسان من القيام بدوره فى إصلاح الأرض وتعميرها، وإنمائها وتطويرها، انطلاقًا من قول الله جل جلاله: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود61).

إنه الأمى الذى تولى الله تكريمه، وتولى الله تعليمه، فأصبح أعلم العلماء، وأتقى الأتقياء، وأحكم الحكماء، وإمام الأنبياء، كما قال ﷺ فيما أخرجه الحاكم فى المستدرك من حديث جابر بن عبد الله: "أَنَا وَاللَّهِ أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ"، ولله در أمير الشعراء فى قوله لرسول الله ﷺ:

يا أيها الأمى حسبك رتبة *** فى العلم أن دانت لك العلماء

أنت الذى نظم البــــرية دينه *** ما ذا يقول وينظم الشعـراء؟

الذكر آية ربك الكبــــرى التى *** فيها لباغى المعجزات غنـاء

صدْرُ البيان له إذا التقت اللغى *** وتقدم البلغـــــاء والفصحاء

لما تمشى فى الحجاز حكيمُـهُ *** فُضَّت عُكاظُ به وقام حـِـراء

أزرى بمنطق أهله وبيانهــــم *** وحى يقصـــر دونه البلغــاء

بهذا الوحى، وبهذا النور الإلهى، وبهذا العلم الربانى، أعلى الله تعالى منزلة نبيه الأمى، فكان أعلم الخلق بالحق، ونال قصب السبق، وكان أعظم أنبياء الله قدرا، وأسماهم منزلة، وأعلاهم مقاما.

إنه الأمى الذى علمه الله، وجعله معلما لأمته، على كتاب الله ربّاهم، وعلى موائد الهداية غذّاهم، وبحبل الله المتين أوصلهم وقوّاهم، وبالعلم الإيمانى أرشدهم وزكاهم.

وهذا العلم هو الذى أمر الله نبيه الأمى أن يتوجه إليه سبحانه بالدعاء ليستزيد منه فقال له: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ (طه:114)، ولم يأمر الله رسوله أن يستزيد من شىء إلا من العلم.

وتبلغ عظمة هذا النبى ﷺ قِمَّتَها عندما نجد أن العِلْم - وهوالأمى - أساس دينه، وجوهر رسالته، بل إن العلم فى منهجه مقدم على العمل، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (محمد:19).

وقيمة العلم فى الدستور القرآنى الذى أنزله الله تعالى على قلب خاتم أنبيائه ﷺ بلغت منزلة لا تدانيها منزلة، ومكانة لا تعدلها مكانة، ﴿هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر:9)، ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة:11).

إن العلم فى المنهج القرآنى سبيل العزة، وسبيل الرفعة، وسبيل الرقى، لا حياة ولا عزة ولا مجد لأمة محمد ﷺ إلا بالعلم.

بالعلم تحيا هذه الأمة.. بالعلم تبقى .. بالعلم ترقى.. بالعلم تقوى.. بالعلم تسمو.. بالعلم تزكو.. بالعلم تتطور.. بالعلم تتقدم.. بالعلم تعلو رايتها.. بالعلم تُسمع كلمتُها.. بالعلم تَشمخ قامتها.. بالعلم تُرفع هامتها.. بالعلم تَعظُم قيمتها.. بالعلم يُرهب شأنها.. بالعلم يُهاب جنابها.. بالعلم يُعمَل حسابها.. بالعلم يعز سلطانها.. بالعلم تَقْوى أركانها.. بالعلم يعلو بنيانها.. بالعلم تستحق مكانتها التى اختارها الله لها، وبوأها إياها، وذكرها فى قوله سبحانه: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:110).

وإذا كانت وجوه الإعجاز القرآنى لا تتناهى، فأمية المصطفى ﷺ إحداها، ومما يُعلى قدرها ما يمتن الله به على البشرية، من إدراك لحقائق علمية: طبية، وكيميائية، ورياضية، وفلكية، وكونية، لم يكتشفها العلم إلا فى العصر الحديث، بينما تحدث القرآن الكريم عنها منذ خمسة عشر قرنا من الزمان، مما يفرض على علماء عصرنا من غير المسلمين التسليم والإذعان، بأن محمدًا ﷺ نبى ورسول من الله الواحد الديان، فيعلنون إسلامهم برضا تام واقتناع كامل، لأن ما اشتملت عليه المعجزة القرآنية من هذه الحقائق العلمية، لم يكن لمثل محمد ﷺ وهو الأمى – ولا لغيره - أن يعرفها، لولا أن علام الغيوب سبحانه علّمَهُ إياها، وأنزلها على قلبه.

صلوات الله وتسليماته عليك سيدى يا رسول الله. ▪

بقلم: أ.د. عبد الفتاح البربرى - الرئيس العام للجمعية الشرعية - الأستاذ بجامعة الأزهر