التكافل فى‮ ‬القرآن الكريم

التكافل فى‮ ‬القرآن الكريم

يحرص الإسلام على بناء مجتمعٍ قويٍّ قادرٍ على مواجهة التحدِّيات والأزمات المختلفة، مجتمع حضارى راقٍ، يرحم القويُّ فيه الضعيفَ، ويعطف الغنيُّ على الفقير، ويُعطى القادرُ ذا الحاجة، كما يحرص على بناءِ مجتمعٍ أخلاقيٍّ متقاربٍ ومتحابٍّ ومتعاونٍ على الخير وفعل المعروف؛ ومن ثَمَّ جَاءَ بمنهجٍ رائع فى بناء المجتمع البشريِّ كُلِّه، وجَعْل كلَّ فردٍ فيه متعاونًا مع غيره على الخير العام، مُغِيثًا له حال الحاجة والاضطرار.

يحرص الإسلام على بناء مجتمعٍ قويٍّ قادرٍ على مواجهة التحدِّيات والأزمات المختلفة، مجتمع حضارى راقٍ، يرحم القويُّ فيه الضعيفَ، ويعطف الغنيُّ على الفقير، ويُعطى القادرُ ذا الحاجة، كما يحرص على بناءِ مجتمعٍ أخلاقيٍّ متقاربٍ ومتحابٍّ ومتعاونٍ على الخير وفعل المعروف؛ ومن ثَمَّ جَاءَ بمنهجٍ رائع فى بناء المجتمع البشريِّ كُلِّه، وجَعْل كلَّ فردٍ فيه متعاونًا مع غيره على الخير العام، مُغِيثًا له حال الحاجة والاضطرار.

إنَّ قيمة التكافل بين الناس، وخُلُقَ إغاثة الملهوف من الأمور التى لا يقوم المجتمع المسلم إلَّا بها، إنَّها قيمٌ إنسانيَّة اجتماعيَّة راقية، وقد سبق الإسلام فى تطبيقها على أرض الواقع سبقًا بعيدًا، فكانت النماذج الرائعة فى الصدر الأول من الإسلام خير مُعَبِّرٍ عن هذا الخُلُق الكريم.

ولقد سلك التشريع الإسلاميُّ لتشجيع المسلمين على التمسُّك بذلك الخُلُق طُرُقًا متنوِّعة، واتَّخذ وسائل متعدَّدة؛ ذلك لأنَّه دين عمليٌّ يربط الفكرة بالعمل، كما يربط كذلك النظريَّة بالتطبيق، وليس مجرَّد خيال يُدَاعِب أحلام المصلحين، ومِنْ ثَمَّ كانت هذه الوسائل التى اعتمدها الإسلام فى ترسيخ هذا المعنى ابتداءً فى أذهان المسلمين، ولذلك- أيضًا- جاءت النصوص متوافرة، تؤكِّد هذا المعنى وتُعضِّده، كما كانت أخلاق رسول الله ﷺ تطبيقًا عمليًّا للعمل التكافليِّ والإغاثيِّ.

إنَّ الإسلام قد أولى الطبقات الضعيفة فى المجتمع اهتمامًا خاصًّا، فشرع لهم من الأحكام والوسائل ما يكفل العمل الملائم لكلِّ عاطل، والأجر العادل لكلِّ عامل، والطعام الكافى لكلِّ جائع، والعلاج المناسب لكلِّ مريض، والكساء المناسب لكلِّ عريان، والكفاية التامَّة لكلِّ محتاج، وتشمل هذه الكفاية المطعم والملبس والمسكن، وسائر ما لا بدَّ له منه على ما يليق بحاله بغير إسرافٍ ولا إقتارٍ لنفس الشخص، ولمن هو فى نفقته".

وإذا أردنا حصر النصوص من القرآن والسُّنَّة والآثار التى تؤكِّدُ هذا المعنى العظيم وجدناها من الكثرة بمكان، ومنها ما هو صريح فى الحثِّ على التعاون والتكافل، وما هو سبيل للوصول إلى هذا الهدف من خلال وسائل أخرى غير مباشرة.

وقبل أن يأمر الإسلام المسلمين بالتكافل وإغاثة الملهوفين، وضع لهم الأساس الفكريَّ لقيمة التكافل، فعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» وهذا فى الواقع أدقُّ مَثَلٍ فى تصوير ما يجب من أحوال المسلمين بعضهم مع بعض.

وقد تواترت النصوص الشرعيَّة من القرآن والسنة التى تأمر وتحثُّ على التكافل والإغاثة؛ لذا سنتناول التأصيل الشرعى للعمل التكافلى والإغاثى فى الإسلام من خلال التكافل والإغاثة فى القرآن.

ذكر لهم فى القرآن أمثلة واقعيَّة على هذا الخُلُق العظيم من سيرة خير البشر: الأنبياء والرسل- عليهم وعلى نبيِّنا الصلاة والسلام- يذكر فيها تكافلهم مع أقوامهم؛ ليتعلَّموا منها، ويقتدوا بها، ومن ذلك ما جاء فى القرآن عن مريم عليها السلام فى قوله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ (آل عمران:73)، وقال أيضًا: ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (آل عمران)44: وقد كانت مريم عليها السلام يتيمة فقد تُوُفِّيَ أبواها، فكانت فى حاجة إلى من يكفلها ويقوم بأمرها، وهذا مثالٌ للتسابق إلى كفالة اليتيم، ذكره الله تعالى فى كتابه الكريم.

وكذلك ما ورد عن موسى:﴿ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِى مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ (القصـــص)15: قال القــرطبى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِى مِن شِيعَتِهِ﴾ (القصص:51)؛ أى طلب نصره وغوثه. وكذا قال فى الآية بعدها: ﴿فَإِذَا الَّذِى اسْتنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ (القصص) 18: أى: يستغيث به على قبطى آخر؛ وإنَّما أغاثه لأنَّ نصر المظلوم دينٌ فى الملل كُلِّها على الأمم، وفرض فى جميع الشرائع.

وقد ورد فى القرآن عن نبيِّ الله موسى موقفٌ إيجابىٌّ آخر، يحمل كذلك معنى التكافل والإغاثة للمرأتين اللتين كانتا تنتظران حتى تسقيا الغنم، فسقى لهما دون أن يسألاه ذلك؛ بل اتَّسَمَ بالإيجابية حين سألهما عن سبب وقوفهما فى هذا المكان المزدحم بالرجال، وقد صوَّر القرآن الكريم هذا المشهد العظيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (القصص:32-42) قال ابن كثير: معنى تذودان أى: تكفكفان غنمهما أن تَرِدَ مع غنم أولئك الرعاء لئلَّا يُؤذَيَا والشاهد أنَّهما كانتا ضعيفتين، وفى حاجةٍ إلى مَن يتكفَّل بأمرهما ويسقى لهما، فكان النبيُّ الكريم موسى صاحب النجدة والمروءة والخُلُق العظيم، فسقى لهما، وفى هذا بذل الجهد لإغاثة الملهوفين ونصرة المستضعفين.

وفى ظلال هذا العرض القرآنى التاريخى لنماذج مشرقة من التكافل والإغاثة؛ يحثُّ الله المسلمين على هذا السلوك؛ فيأمر بالإنفاق فى سبيل الله كوسيلةٍ للتكافل والتعاون بين أفراد المجتمع الإنساني، وقد جاء الأمر بالإنفاق فى آيات كثيرة من القرآن الكريم، منها قــول اللــــه تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (سبأ)39:، ومنها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (الرعد)22:؛ بل أمر الله بالتسابق والتنافس فى ذلك الأمر فقال:﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران:331-431).

وقد مدح الله المؤمنين الذين واسوا إخوانهم، قال الطبرى فى قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (القصص:25-45) عن سعيد بن جبير، قال: بعث النبيُّ ﷺ جعفرًا فى سبعين راكبًا إلى النجاشى يدعوه، فقَدِمَ عليه، فدعاه فاستجاب له وآمن به؛ فلمَّا كان عند انصرافه، قال ناس ممَّن قد آمن به من أهل مملكته، وهم أربعون رجلًا: ائذن لنا، فنأتى هذا النبيَّ، فنسلم به، ونساعد هؤلاء فى البحر، فإنَّا أعلم بالبحر منهم. فقَدِمُوا مع جعفر على النبىِّ ﷺ، وقد تهيَّأ النبىِّ ﷺ لوقعة أحد؛ فلمَّا رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة وشدَّة الحال، استأذنوا النبيَّ ﷺ، قالوا: يا نبىَّ الله، إنَّ لنا أموالًا، ونحن نرى ما بالمسلمين من الخصاصة، فإن أَذِنت لنا انصرفنا، فجئنا بأموالنا، وواسينا المسلمين بها. فأَذِنَ لهم، فانصرفوا، فأتوا بأموالهم، فواسوا بها المسلمين، فأنزل الله فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ (القصص:25) إلى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (القصص:45) فكانت النفقة التى واسوا بها المسلمين، قال القرطبى: أثنى عليهم بأنَّهم يُنفقون من أموالهم فى الطاعات وفى رسم الشرع، وفى ذلك حضٌّ على الصدقات.

وكما سلك سبحانه وتعالى مسلك الترغيب سلك كذلك مسلك الترهيب؛ فقال: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَْا رَزَقْنَاكُم مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ (المنافقون). 10:

ولأهميَّة الإنفاق فى سبيل الله تعالى فى القيام بواجب التكافل، وإغاثة الملهوف؛ قُرِن فى كثيرٍ من آيات القرآن الكريم بالعبادات العظيمة والأمور المهمَّة فى الإسلام، فجاء الأمر بالإنفاق مقترنًا بالصلاة، كما فى قول الله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (الأنفال:3)، وقوله تعالى فى صفات المتَّقيـــن: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (البقرة:3)، وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِى الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (الحج:43-53).

كما جاء الأمر بالإنفاق مقترنًا- أيضًا- بالشورى فى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (الشورى:83)، وجاء- أيضًا- مقترنًا بعبادة عظيمة هى قيام الليل، قال الله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (السجدة:61).

وقُرِن الإنفاق- أيضًا- بالتقوى والسمع والطاعة، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِأَنفُسِكُمْ﴾ (التغابن) 16: قال القرطبى: قوله تعالى: "وَأَنْفِقُوا" قيل: هو الزكاة. قاله ابن عباس. وقيل: هو النفقة فى النفل. وقال الضحاك: هو النفقة فى الجهاد. وقال الحسن البصرى: هو نفقة الرجل لنفسه. قال ابن العربى: وإنَّما أوقع قائل هذا قوله: "لِأَنْفُسِكُمْ". وخفى عليه أن نفقة النفل والفرض فى الصدقة هى نفقة الرجل على نفسه، قال الله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (الإسراء) 7: وكلُّ ما يفعله الرجل من خير فإنَّما هو لنفسه، والصحيح أنَّها عامَّة.

إنَّ هذه الكثرة فى ذكر الإنفاق فى سبيل الله تعالى وبيان أهمِّيَّته وثوابه الجزيل من الله تعالى تؤكِّد أهمِّيَّة الجانب التكافليِّ فى الإسلام؛ حيث إنَّ الإنفاق هو أحد أهمِّ مظاهر التعاون والتكافل بين أفراد المجتمع.

ومن خلال التدبُّر فى هذه الآيات الكريمة وغيرها نرى ملمَحًا مهمًّا تضمَّنته هذه الإشارات القرآنيَّة، وهو أنَّ العبادات لازمة النفع كـالصلاة والحج والصوم وغيرها ليست كافية فى تحقيق التطبيق الكامل للإسلام؛ بل لا بدَّ من عبادات أخرى معها يتعدى نفعها إلى غيرنا، ومن هذه العبادات الزكاة، والتى يُعدُّ الإنفاق فى سبيل الله مظهرًا مهمًّا من مظاهرها.

وفى هذه الآيات- أيضًا- ما يُشير إلى أنَّ الإنفاق فى سبيل الله لا يقتصر على حالةٍ دون أخرى، فمِنْ صفات المتَّقين أنَّهم ينفقون فى السرَّاء والضرَّاء، والسرِّ والعَلَنِ، والليل والنَّهار، وفى كلِّ الأحوال.

وهذا يتضمَّن- إضافةً إلى التكافل الاجتماعيِّ والتعاون- معنى الإغاثة أيضًا، التى تتطلَّب الإنفاق ليلًا ونهارًا، وسرًّا وعلانيةً، وفى السرَّاء والضرَّاء.

كما ذكر القرآن الكريم صراحةً أنَّ فى أموال الأغنياء حقًّا محدَّدًا يُعْطَى للمحتاجين؛ فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعارج:42-52)، ولقد تولَّى الشارع بنفسه تحديد هذا الحقِّ وبيانه، ولم يترك ذلك لِجُود الموسرين، وكرم المحسنين، ومدى ما تنطوى عليه نفوسهم من رحمة، وما تحمله قلوبهم من رغبةٍ فى البِرِّ والإحسان، وحُب فعل الخير.

ومن الآيات الجامعة فى سياق الترابط بيـــن أفــراد المجتمع، قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة:2)، قال القرطبى: "هو أَمْرٌ لجميع الخلق بالتعاون على البرِّ والتقوى؛ أى لِيُعِن بعضكم بعضًا". وقال الماوردى: "ندب الله سبحانه إلى التعاون بالبرِّ وقَرَنَه بالتقوى له؛ لأنَّ فى التقوى رضا الله تعالى، وفى البرِّ رضا الناس، ومَن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمَّت سعادته وعمَّت نعمته وليس بعد هذا تحبيب للمسلمين فى التكافل والإغاثة.

وليست نظرة الإسلام للتكافل المادى وإغاثة الملهوف تتوقَّف بتوفير حدِّ الكفاف لهم؛ ولكنَّها تعدَّت ذلك إلى تحقيق حدِّ الكفاية، وهذا ما ظهر فى قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه لعُمَّاله: "إذا أعطيتم فأغنوا" وفوق ذلك فإنَّه قال لهم: "كرِّروا عليهم الصدقة، وإن راح على أحدهم مائة من الإبل" فإلى هذا الحدِّ يصل التكافل بين المسلمين فى الإسلام، فالإسلام لا يُريد لأتباعه أن يظلُّوا أَسرى الحاجة والفقر، بل يُريد لهم جميعًا الغِنَى؛ حيث لا يحتاجون لأحد، وهذا هو قمَّة العدالة الاجتماعية، وهو المطلب الأسمى لقانون التكافل فى الإسلام؛ ولهذا فإنَّ الإسلام لا يُراعى توافر الحاجات الأساسية للمحتاج فحسب؛ وإنَّما يهتمُّ بإغنائه، حتى سداد ديونه، فعن الليث بن سعد قال: كتب عمر بن عبد العزيز لعُمَّاله: "أن اقضوا عن الغارمين؛ فكُتِبَ إليه: إنَّا نجد الرجل له المسكن والخادم والفرس والأثاث. فكَتَبَ عمر: "إنَّه لا بدَّ للمرء المسلم من مسكنٍ يسكنه، وخادم يكفيه مهنته، وفرس يجاهد عليه عدوَّه، ومن أن يكون له الأثاث فى بيته نَعَم؛ فاقضوا عنه؛ فإنه غارم".

وقد جعل الفقهاء ذلك قاعدةً فى مناهجهم على اختلاف مذاهبهم؛ فقد جاء في (المغني) لابن قدامة الحنبلى أنَّ الإمام أحمد قال: "إذا كان له عقار يشغله، أو ضيعة تُساوى عشرة آلاف، أو أقل أو أكثر (ولكن) لا تُقيمه؛ فليأخذ من الزكاة".

وجاء في (المجموع) لـلنووى الشافعى: "إذا كان له عقار ينقص دخله عن كفايته؛ فهو فقيرٌ أو مسكين؛ فيُعطَى من الزكاة تمام كفايته ولا يُكلَّف ببيعه".

وجاء في (شرح الخرشي) للخرشى المالكى: "يجوز دفع الزكاة لمن يملك نصابًا لكثرة عياله، ولو كان له الخادم والدار التى تناسبه".

وجاء في (بدائع الصنائع) للكاسانى الحنفى نقلًا عن الكرخى فى مختصره: "يُعطَى من الزكاة مَن له مسكن، وما يتأثَّث به فى منزله، وخادم، وفرس، وسلاح، وكتب العلم إن كان من أهله؛ لما رُويَ عن الحسن البصرى أنَّه قال: "كانوا- أصحاب رسول الله ﷺ يعطون الزكاة لمن يملك عشرة آلاف درهم من الفَرَس والسلاح والخادم والدار" فهذه هى آراء فقهاء الإسلام على تنوُّع مذاهبهم تتَّفِق على وجوب الوصول بالمسلم المحتاج حدَّ الكفاية والغنى، وليس مجرد الكفاف.

وأسأل الله أن يُعِزَّ الإسلام والمسلمين ▪

أ. د. راغب السرجانى