كمـال القـــرآن

كمـال القـــرآن

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.

فالقرآن الكريم هو الهدى الذى تضاء به جنبات الحياة، ويُنشَر الخير فى بلاد الله، ويرشد الحيارى إلى بر الأمان وشاطئ النجاة، قال تعالى ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾.

من اعتصم به أعزه الله، ومن تمسك بهديه فاز بالخير فى دنياه وأخراه، فهو للمؤمن روح وريحان، وأمن وأمان، وسعادة واطمئنان، وهداية ورضوان. وصدق الله إذ يقول: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (الشورى 52-53) .

إنه الكتاب الكامل الذى ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: 42)، وصفة الكمال مقصورة عليه لا تتعداه إلى غيره، وهو من قبيل قصر الصفة على الموصوف قصرًا حقيقيًا، حسبما يقتضيه قول الله تعالى فى أول سورة البقرة: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، وطريق القصر تعريف الطرفين، فالمسند إليه "ذلك"مقصور عليه، وهو مُعرَّف باسم الإشارة (ذا) واللام للبعد والكاف للخطاب، والبُعد هنا بُعد منزلة، وعلو شأن، ورفعة قدر، فقد نزل البعد الرُّتبى منزلة البعد الحسى لوضوحه وظهوره، والمقصور هو المسند أى (الكتاب)، وهو معرف باللام المفيدة للكمال، فهى لام الجنس الدالة على تخصيصه وحده بالكمال، دون ما عداه مما يندرج تحت هذا الجنس، فهو الكتاب الذى فاق كل كتاب سواه، والكمال هو الكمال فى الهداية، وهو ما يؤكده قوله تعالى بعد ذلك: "هُدًى لِلْمُتَّقِينَ" بالوصف بالمصدر (هدى) وهو أبلغ من اسم الفاعل، فالهدى حقيقته، فهو هدى محض، فكأنه معنى تجسد فى هذا الوحى العظيم.

وهذا القصر أى التخصيص الذى يفيد انفراد القرآن العظيم بصفة الكمال دون سواه، لأنه المعجزة الخالدة الذى تكفل الله بحفظه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:9)، ولأنه الذى "جمع بين الحجة والمحتج له، والدليل والمدلول عليه: فهو منهاج الإسلام، وهو دليل صحة هذا المنهاج، وهو الرسالة التى أوحى الله بها إلى محمد ﷺ وهو دليل صدق هذه الرسالة، وهو طريق رفعة هذه البشرية، وهو فى الوقت نفسه دليل عجزها أمام خالقها ومنشئها، فأكرم بالرسالة والرسول، وأنعم بالدليل والمدلول عليه"، (الخطابى فى رسالته بيان إعجاز القرآن ضمن كتاب ثلاث رسائل فى إعجاز القرآن) .

و(الكتاب) هو القرآن الكريم، وقد سمى بأسماء أخرى عظيمة وكثيرة: فسمى"ذكرا" قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر 9)، وسمى"تنزيلا" قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الشعراء 192)، وسمى"كلاما" قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ (التوبة6)، وسمى"فرقانا" قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان1)، وسمى"حكمة" قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الْأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ (القمر 4-5)، وسمى"روحا" قال الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ (الشورى 52)، وسمى "وحيا" قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ﴾ (الأنبياء 45)، وسمى "نــورا" قـــال الله تعالــى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾ (التغابن 8)، وسمى ﴿موعظة وشفاء وهدى ورحمة﴾ (يونس 57)، إلى غير ذلك، فقد ذكر جلال الدين السيوطى أنها بلغت خمسة وخمسين اسما وصفة، روعى فى كل منها معنى من معانى القرآن (الإتقان فى علوم القرآن 336 والبرهان للزركشى 1/370) .

بيد أنه غلب إطلاق اسمين منها على القرآن العظيم هما: القرآن والكتاب، وفى ذلك إشارة إلى وجوب حفظه فى الصدور والسطور جميعًا، أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، فلا يوثق بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه المنقول إلينا جيلا بعد جيل، على هيئته التى وضع عليها، ولا يوثق بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر.

وبهذه العناية المزدوجة التى بعثها الله فى قلوب الأمة بقى القرآن محفوظًا؛ إنجازًا لوعد الله تعالى الذى تكفل بحفظه حيث يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر9).

ويؤكد معنى الكمال فى القرآن قوله تعالى"لا ريب فيه" أى ليس مظنة للريب وليس محلا للشك، ومن أين يعتريه ريب أو شك؟ ودلالة الصدق واليقين كامنة فى مطلعه ﴿الم﴾ (البقرة:1)، ظاهرة فى عجزهم عن صياغة مثله من هذه الأحرف المتداولة بينهم، المعروفة لهم فى لغتهم.

أما قوله تعالى: ﴿هدى للمتقين﴾ فقد خص المتقين لأنهم هم الذين يتقون غضب الله، ويخشون عقابه، هم الذين أشرقت فى قلوبهم أنوار الإيمان، والتزموا بسنة سيد الأنام، ومن ثم تهيأت قلوبهم لإشراقات القرآن، والانتفاع بتلقيه، والإفادة مما فيه، من هدى ونور، وغذاء وشفاء، وهذا المعنى تكرر فى كثير من آيات الكتاب الكريم، يقول تعالى: ﴿هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران138)، ويقول تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (الإسراء 82) ويقول تعالى: ﴿هَٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (الجاثية20)، ويقـــول تعالــى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل 89)، وغير ذلك من الآيات الكريمة التى تبين أن القرآن إنما يكون هدى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، هذا الذى التزم بطاعة الله وتقواه، وامتثل لشرعه وهداه، واتبع طريق حبيبه ومصطفاه، هو الذى يزيده القرآن هدى، كما قال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ (مريم76)، وكما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (محمد 17) .

ومن القراء من يقف على قوله تعالى:"لا ريب" ويبتدئ بقوله:"فيه هدى"، والوقف على قوله: "لا ريب فيه" أولى لأنه يجعل قوله: "هدى" صفة للقرآن وذلك أبلغ من كونه فيه هدى.

نزول القرآن فى رمضان دستور للإنسان

قال تعالى ﴿شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾ (البقرة 185) وسئل ابن عباس رضى الله عنهما عن قوله عز جل: ﴿شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن﴾، وقوله عز جل: ﴿إنا أنزلناه فى ليلة القدر﴾ (القدر1)، وقوله عز جل: ﴿إنا أنزلناه فى ليلة مباركة﴾ (الدخان 3)، وقد نزل فى سائر الشهور وقـــال الله تعالى: ﴿وقرآنا فرقناه﴾ (الإسراء 106) ؟ فقال: أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ، فى ليلة القدر من شهر رمضان، إلى بيت العزة فى السماء الدنيا، ثم نزل به جبريل عليه السلام على رسول الله ﷺ نجوما فى ثلاث وعشرين ســنة، فذلك قولـــه تعالى: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ (الواقعة 75). (ابن أبى حاتم وابن مردويه)

والسر فى إنزاله جملة إلى السماء الدنيا تفخيم أمره وأمر من نزل عليه، وذلك بإعلام سكان السماوات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم، قد قربناه إليهم لننزله عليهم، ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهم منجما بحسب الوقائع لهبط به إلى الأرض جملة، كسائر الكتب المنزلة قبله، ولكن الله باين بينه وبينها فجعل له الأمرين: إنزاله جملة، ثم إنزاله مفرقا، تشريفا له وللمنزل عليه ﷺ.

وقيل: فيه تسوية بين نبينا محمد ﷺ وبين موسى عليه السلام فى إنزاله جملة، والتفضيل لمحمد ﷺ فى إنزاله عليه منجما ليحفظه. (المرشد الوجيز وجمال القراء والإتقان فى علوم القرآن) .

وسمى الشهر شهرًا لشهرته، وسمى رمضان لأنه يرمض الذنوب أى يحرقها بالأعمال الصالحة، من الإرماض أى الإحراق . وقوله تعالى: ﴿هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾ مدح للقرآن الذى أنزله الله هدى لقلوب العباد، وبينات أى دلائل واضحات على صدق ما جاء به، وأنه مفرق بين الحق والباطل .

إنه الدستور الإلهى الذى أنزله الله تعالى:

"هدى للناس" يضىء لهم حياتهم، وينير طريقهم، وينظم شئونهم، ويصلح به أحوالهم، ويحقق الخير فى الدنيا والآخرة لهم.

"هدى للناس" يخرجهم من الضلال إلى الهدى، ومن الكذب إلى الصدق، ومن الباطل إلى الحق، ومن الشر إلى الخير، ومن الإثم إلى البر.

"هدى للناس" يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويرفع عنهم إصرهم، والأغلال التى كانت عليهم .

"هدى للناس" يسيّر شئونهم، وييسّر أمورهم، ويشرح صدورهم، ويرفع عند الله أقدارهم.

"هدى للناس" لأنه روح حياتهم، ونور وجودهم، به تحيا الأمة حياة كريمة مستقيمة، على هدى من الله ورضوان، وبدونه تخبط خبط عشواء، وتعيش فى ضلالة عمياء، وجهالة جهلاء .

"هدى للناس"، ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة 16).

ولأن القرآن هدى من الله، فهو دون سواه دستور هذه الحياة، ولذلك لا يعزل عنها، لأنّ به صلاحها، وعليه يتوقف تقدمها ورقيها، ورفاهيتها وازدهارها، والله تعالى يقـــول: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (طه 123)، يقول ابن عباس رضى الله عنهما: ضمن الله لمن اتبع القرآن ألا يضل فى الدنيا ولا يشقى فى الآخرة، (البزار وابن أبى حاتم)

ولذلك وصف الله عز وجل القرآن العظيم بالهدى فى كثير من آياته منها: ﴿هذا هدى﴾ (الجاثية 11)، ﴿هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ﴾ (الفتح 28 والصف 9)، ﴿وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به﴾ (الجن 13) . وجاء مقترنًا بصفات كريمة أخرى نحو: ﴿قلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (فصلت 44)، ﴿هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عـــمــــران 138)، ﴿هَٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف 203)، ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل 89).

ومن ثم فالخير كل الخير فيه، وهو المجد الذى نرتجيه، فيه صلاح أمرنا، فى معاشنا ومعادنا، لو امتثلنا له، والتزمنا به، منهجًا وتطبيقًا، عملًا وسلوكًا، عقيدة وأخلاقًا.

إنه الدستور الذى يصلح كل مناحى الحياة ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِى لِلَّتِى هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء 9): أى يهدى لكل مسألة، ولكل حاجة، هى أقوم لكل فرد، ولكل دولة، ولكل مجتمع، فى جميع نواحى الحياة، فى العمل، فى العلم، فى التجارة، فى الإدارة، فى السلوك، فى الأخلاق، فى العبادات، فى المعاملات، فى كل شىء، وفى كل شأن من شئون هذه الحياة، يهدى القرآن للتى هى أقوم فيه .

إنه تبيان لكل شىء، وشفاء لكل داء، وعلاج لكل بلاء، وكشف لكل كرب، وإصلاح لكل عيب، ومخرج من كل ضيق، واختيار لأفضل طريق، وتنظيم وتيسير لكل مجالات الحياة، ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ (الأنعام 38) .

يلتزم به ولى الأمر فيعم الناس عدله، ويرضى الله تعالى فى رعيته، ويجعل الجميع أمام القانون سواء.

ويلتزم به العالم، فيضىء قلوب الناس بعلمه، ويكون قدوة لهم بعمله، فيرون فيه الأسوة، التى تدلهم على الخير، وتحثهم عليه، فتتجه قلوب الناس إليه، ويتأسون به، ويفيدون من علمه.

وهكذا يلتزم به التاجر والزارع والصانع والطبيب والموظف والعامل، والرجل فى بيته والمرأة فى بيتها وكل المؤمنين، فيستضىء الجميع بنوره، وتنصلح به حياتهم، وتستقيم أمورهم، قال تعالى: ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾ (الجن 16)، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف 96)

ولأن منزل القرآن هو خالق الإنسان سبحانه وتعالى، فلا صلاح لنا إلا فى اهتدائنا بكتاب ربنا، والتزامنا بسنة نبينا ﷺ، وتمسكنا بمنهج عقيدتنا، تطبيقًا لدستور إلهنا، وهو أعلم بما يصلحنا، فى دنيانا وآخرتنا، ومعاشنا ومعادنا، قال جل شأنه: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام 153) .

وامتثالنا لهذا الدستور الإلهى العظيم، ونزولنا على حكمه، وسنة نبيه، فى شتى قضايا حياتنا، هو مقياس صحة إسلامنا، وصدق إيماننا بشرع ربنا جل فى علاه، فال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء 65)، إنه قَسَمٌ من الله جل وعلا، أنهم لا يؤمنون، إلا إذا سلموا بكتاب الله تعالى، وارتضوا منهجه وسنة رسوله ﷺ، عن محبة واختيار، ورضا واقتناع .   ▪

بقلم: أ.د. عبد الفتاح البربرى

الرئيس العام للجمعية الشرعية - الأستاذ بجامعة الأزهر