ينابيع المسئولية في الإسلام

ينابيع المسئولية في الإسلام

ليست المسئوليةُ فى الإسلام مناصبَ تَشْرَئِبُّ لها أعناقُ عشاقها، أو تهفو إليها نفوسُ مشتهيها، ولا مكاسب يتنافسُ فى الوصول إليها المتنافسون، ويتصارعُ حول الحصول عليها المتصارعون، ولكنها مستوحاةٌ من دلالتها اللغوية لا تنفصل عنها؛ إذ هى مساءلةٌ أمام الله - تعالى - الذى هيَّأ صاحبَ هذه المسئولية ليتولاها، وأمامَ الناس الذين ارتضوه من بينهم مقدَّمًا عليهم، فلا يتقدَّمُ إليها أو يُقَدَّمُ إلا إذا أيقن من نفسه أنه على المستوى الذى يجعلُهُ يقومُ بهذه المهام التى تُناطُ به من جرَّائها، وإلا عرَّض نفسه لعواقب غير محسوبة فى دنياه وأخراه لا تزنُ شيئًا إزاءها تلك المكاسبُ التى يجنيها من ورائها.

من هنا وجدنا الهَدْى الإلهى فى القرآن الكريم لا يستثنى أحدًا من المكلفين من المسئولية ما دام الله - تعالى - قد زوَّد صاحبها بأدواتها من العقل والتمييز والتشريع الذى لم يترك حجة لمحتجٍّ.

والمسئولية فى الإسلام تَنْبُعُ من ثلاثة ينابيع:

أولها: الدلالة اللغوية؛ فمُتّحَمِّلُ المسئولية ليس صاحب منصبٍ يتولّاه مكافأةً له، أو مجاملةً من قِبَل من ولّاه؛ ليجنِى من ورائه المكاسبَ والمغانمَ - كما هو السائدُ فى أعرافنا اليوم -، وكلما تَرَقَّى فى سُلَّم المسئولية تَعالَى على من هم تحت إمْرَتِهِ، أو فى معظم الأحيان هم الذين يضعونه فى هذا المستوى من التعالى، وكأنَّ المسئولية يُلازمها فى وعى الناس ووهمهم رائحةُ هذا التألُّه الذى لا يستحقُّه على التمام والكمال إلا من له الولاية المطلقة على خلق الله وهو ربهم وخالقهم.

وإنما المسئولية فى أصل وضعها فى لغة العرب مصدرٌ صناعى مأخوذٌ من الفعل: سُئِلَ، وهذا يوحى بأنَّ أخصَّ خصائصِ المسئولِ الذى استحقَّ هذا اللقبَ قبل أن يكونَ مسموعَ الكلمةِ أو مطاعَ الأوامرِ هو قبل ذلك كلِّه خاضعٌ للسؤال عن كلِّ ما يصدُرُ منه، وكونُ الصيغةِ اللغويّةِ جاءت من الفعل الذى لم يُسَمَّ فاعلُه، هكذا من الفعل: سُئِلَ تعطى إيحاءً بأن صاحبَ هذا اللقبِ ينبغى أن يكونَ خاضعًا للمساءلة، لا من جهة معينة دون غيرها، كما لو جاءت بالفعل المبنى للمعلوم - كما يقال فى الصناعة النحوية -؛ ليُفهَمَ منها انتفاءُ غيرها بمفهوم المخالفة، ولكنه جاء من هذا الفعل؛ لتكون جهةُ المساءلة أعمَّ من أن تكونَ من مصدرٍ واحدٍ محدَّدٍ؛ فهو مسئولٌ أمام الله - تعالى -، ومسئولٌ أمام من ولّاه من صاحب القرار بتوليته على رعيته، ومسئولٌ أمام الناس يراجعونه فى كل دقيقة وعظيمة، لا أنه فوق المراجعة وفوق المساءلة لمجرَّد أنه وُلِّى عليهم.

وثانيها: الإيمان بالله؛ وذلك يتضح للمؤمن بالله من عدة اعتبارات:

الاعتبار الأول: أن الله - تعالى - نزَّه نفسه عن المساءلة من قِبَل أى أحدٍ، وفى مقابل ذلك ولتمام تنزيهه - سبحانه تعالى- عن مماثلته لخلقه حكم بأنه لا يُستثنَى أحدٌ من خلقه من المساءلة، فقال - سبحانه وتعالى -: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ الأنبياء (23).

الاعتبار الثانى: أن الله - تعالى - لبَّى حاجات العباد، وآتاهم من كل ما سألوه، قال - تعالى -: ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ إبراهيم (34)، فمن المنطقى بعد ذلك أن يسألهم عما أعطاهم؛ وإن كان ذلك أيضًا لصالحهم فى دنياهم وأخراهم، قال - تعالى -: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ القيامة (36).

الاعتبار الثالث: أن الله - تعالى – وحده له طلاقة العلم والقدرة والإرادة التى تمكِّنه - تعالى - من شعور الإنسان المناطِ به أى نوعٍ من المسئولية بأنَّ من سيسأله لا تخفى عليه خافيةٌ، وأنَّه – تعالى - لطلاقة قدرته فى يده – سبحانه – المحاكمةُ والمؤاخذة، وأنَّه – تعالى - لطلاقة صفاته وكمالاته لا يقبل المخادعة.

فإذا ما وضع واحدٌ من عباد الله نفسَه بين الناس فوقَ المساءلة فإنما ينازعُ اللهَ - تعالى - فيما اختص به نفسَه، فإن كان الله - تعالى - قد أرخى له العِنانَ فى الدنيا ليبتليَه فيما آتاه فليتخذْ له سبيلًا يُنجِّيهِ من سؤال الله الذى يحيط بكل شيء علمًا، ويحصى كل شيء عددًا، إذ مَن هذا الذى سيسألُهُ ربُّه فيستطيعُ عن سؤاله فِكاكًا مهما أُوتى من ذكاء المراوغة ودهاء المخادعة؟ فليس فوق المساءلة أحدٌ سوى الخالق الذى يتنزَّه عن مماثلة المخلوقين، وهو - سبحانه وتعالى - لا تنطَلى عليه خدعُ المخادعين ولا مراوغةُ المراوغين.

وهذان الينبوعان: الدلالة اللغوية، والإيمان بالله اللذان ينبغى أن ينطلقَ منهما كلُّ من حُمِّل مسئوليةً كبُرَت أم صغُرَت أشار إليهما النبى - ﷺ – حيث قال: "إن الله سائلُ كلّ راعٍ عما استرعاه حفظ ذلك أو ضيَّعه".

وثالثها: الإيمانُ باليوم الآخر؛ فهو الذى يجعلُ من المؤمن به يؤمن بأن سؤال الآخرة لا مفرَّ منه، ولا حيلةَ فيه، وإن غابت عنه فى الدنيا شخوصُ السائلين، ونامت أعينُ المراقبين فعين الله لا تنام، وذاته لا تغيب، وهو إلى الله - تعالى - راجعٌ لا محالة، ومهما تصوَّر الباغون للأمور عِوَجًا ممن لا يؤمنون بالآخرة أن الوعيد بمساءلة الآخرة مستحيلُ الوقوعِ أو بعيدُه فما هى إلا أن تبدأ أرواحُهم فى خروجها من أجسادهم عند النزع الأخير حتى يجدوا ما أحالوه أو استبطأوه، قال - تعالى -: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ(93) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ الأنعام (94).

والإيمانُ بالله واليوم الآخر بدورهما لا يُلغيان من الحسبان مساءلةَ الدنيا؛ فاللهُ - تعالى - شرع لعباده من الشرائع والأحكام ما يجعل كلَّ عين رقيبةً على الآخر، وكلُّنا لا يُعفَى من مساءلة بعضنا بعضًا بآليات مُنظَّمةٍ شرعها لنا ربُّنا، لو كان الناس يُصغُون إلى شريعة ربهم، ويتركون أهواءهم التى تسيطرُ عليهم، وتتحكَّمُ فى تصرُّفاتهم.

مع القرآن الكريم:

والناظرُ فى آيات القرآن الكريم فى هذا الجانب يجدُ المساءلة لا تستثنى أحدًا، لا القريبَ من الله - تعالى - ولا البعيدَ منه، قال- تعالى : ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ الأعراف (6)، فلا الرسلُ لأنهم رسلُ الله ومصطَفَوْن أخيارٌ فى حِلٍّ من السؤال والمثولِ أمام الملك الديّان، فما ظنكَ بالمرسَل إليهم وهم خليطٌ ممن آمن وممن كفر، ممن أطاع وممن عصى؟!

فسؤالُ الله - تعالى - لرسله سؤال من يُقيمُ الحُجة على من كان فى الدنيا يُكابرُ ويتكبَّرُ.

وأما من جحدوا الآخرة وابتغوُا الطريق المِعْوَجَّ فسؤالُهم سؤالُ الموبَّخين المتحدَّين، قال - تعالى -: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ الصافات (25)، فلا يملكون إمام هذا السؤال المتحدِّى الموبِّخ إلا التســليم والاستسلام، ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ الصافات (26).

وكلُّ افتراءٍ على الله - تعالى – بصفةٍ خاصةٍ افتراءَ مجترئٍ على ربِّه - تعالى - لا يفوتُ يوم القيامة دون أن يمثُلَ صاحبُه للسؤال، يقول الله - تعالى -: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ النحل (56).

وأعظمُ فِريةٍ افتُرِيَت على الله – تعالى – هى رَمْيُهُ – تعالى – بأنه اتخذ صاحبةً وولدًا؛ لهذا فإن الله – تعالى – خصَّ هذه الفِرْيَةَ بإظهار سؤال نبى الله وعبده عيسى ابن مريم - عليهما السلام -، فقال – عزَّ من قائل -: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِى وَأُمِّى إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِى بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ المائدة (117).

وإخبارُنا الآن بالسؤال عن كل ما عملنا فى دنيانا يجعلنا نُعِيدُ حساباتِنا فى كل ما يَبْدُرُ منّا قبل أن نمثُلَ أمام الله، فيسألَنا عما قدَّمنا، قال - تعالى -: ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ النحل (93).

والله - تعالى - أخبر أن هذا النعيمَ الذى أنعمَ به على عباده فى الدنيا سيسألهم عنه فى الآخرة؛ ليتبينَ ما إذا قابلوه بالشكر أم بالجحود والكفر، فقال - تعالى -: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ التكاثر (8).

وأما نفى السؤال فى قوله - تعالى -: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَن ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ الرحمن (39) فذلك فى موقفٍ من مواقف الآخرة، وهو الذى جاء فى آيةٍ سابقةٍ على هذه الآية، وهى قوله - تعالى -: ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ الرحمن (37) قال البيضاوى - رحمـــه الله -: ﴿فَيَوْمَئِذٍ" أى فيومَ تَنْشَقُّ السماءُ "لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ﴾؛ لِأَنَّهم يُعرَفُونَ بِسِيماهُم، وذلك حين ما يَخرُجُون من قُبُورهم ويُحشَرُون إلى الموقف".

مع السنَّة النبوية:

جاءت السنَّةُ النبويَّةُ بيانًا لتفاصيلِ السؤالِ والسائلين، فأخبر النبى - ﷺ - عن سؤالِ كلِّ واحدٍ من المكلفين عمّا أنعمَ اللهُ عليه فى الدنيا، فقال: "لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ" .

وأخبر - ﷺ - أنه لا يخلو واحدٌ من الناس إلا وهو راعٍ لرعية ما، كثُرتْ أو قَلَّتْ، وهو مسئولٌ عن هذه الرعيَّةِ التى استرعاه اللهُ عليها، وائتمنه عليها، فعن أنَسٍ - رضى الله عنه - عن النبى - ﷺ -: "إنّ الله سَائِلٌ كُلّ رَاعٍ عمّا اسْتَرْعَاهُ أَحَفظَ أَم ضَيَّعَ حتَّى يَسأَلَ الرجلَ عن أَهل بَيتِهِ".

والمسئولية تتدرَّجُ فى اتِّساعها، فتتدرَّج معها تَبِعاتُها، فكلما اتَّسعت دائرةُ المسئولية وتشعَّبت اتَّسعت باتِّساعها تَبِعاتُها، وما ترتَّب على ذلك من نجاح فى تحمُّل هذه المسئولية أو فشلٍ، فَعنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "أَلا إِنَّ كُلَّكُمْ رَاعٍ وَكُلَّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ: فَالأَمِيرُ رَاعٍ عَلَى النَّاسِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَامْرَأَةُ الرَّجُلِ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِى مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ".

فالحديث فى تفاصيله يُوَزِّعُ الاختصاصاتِ حسبَ كلِّ نوعٍ من الرعايا، ويبدأ بالأوسع دائرة: الإمام، وهو الحاكم العام على الأمة، أكبرُ مسئولٍ عن أكبرِ رعيَّةٍ، يليه فى المسئولية مسئوليةُ الرجلِ عن أهله، فمسئوليةُ المرأةِ فى بيتِ زوجِها، وآخرُ ما يمكنُ من تصوُّر مسئوليةٍ هو الخادمُ فى مالِ سيِّدِهِ، وهذا يرينا بطريقةٍ مفصَّلةٍ محدَّدةٍ أنه لا يُعفَى أحدٌ من المسئولية مهما تدرَّجت، ومهما ضاقت أو انحصرت، ومع أنَّ الحديث تناول تفاصيل بعض المسئوليات المتدرِّجة إلا أن هذه ما هى إلا من قبيل النماذج والأمثلة، فالحديثُ يُفتتَحُ ويُختتَمُ بعبارة: "أَلا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِه".

مع التطبيقِ العملىّ:

وأولُ ما يقابلُنا من نماذجَ وأولاه للتطبيق العملى للمسئولية فى الإسلام المنبثقةِ من الإيمان بالله واليوم الآخرة المستوحاةِ من دلالة اللفظ عند العرب الذين نزل القرآن الكريم بلسانهم هو تطبيقُ رسول الله - ﷺ - وهو بينَ أصحابه، فهذا هو النموذج العملى الأمثل لتجربة المسئولية فى الإسلام التى لا تكاد تجد فيها فارقًا بين حاكم ولا محكوم، ولا تابع ولا متبوع، فكل الأطراف فى تقدير المسئولية على السواء، فهى تحقيقٌ لمبدأ الشورى الذى اختطَّه اللهُ - تعالى - لهذه الأمة، وكان أولَ مكلَّفٍ به رسولُ الله فى قول الله - تعالى -: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِى الْأَمْرِ﴾ آل عمران (159)، وهذا المبدأُ يعنى فى أبجديته الأولى تجاذُبَ الرأى فى موضوع الشورى وتبادُلَهُ، والاستماعَ للرأى من الجندى التابعِ قبل إبدائِهِ من القائدِ المتبوع، فلا تابع ثَمَّ على الحقيقة ولا متبوع، ولكنَّ الرأى مشترك، والقرارَ فى نهاية المطاف أيضا مشترك.

ولنأخذ نموذجًا من أمثلةٍ تمتلئُ بها حياةُ رسولِ الله - ﷺ - وهو بين أصحابِه، وهى مواقفُ الشورى فى غزوة بدر الكبرى، فقد عقد رسولُ الله - ﷺ – مجلسًا استشاريًّا عسكريًّا من أصحابه، واستمع فيه إلى آرائهم المعبِّرةِ عن مواقف أشخاصهم أولًا، ولكنَّ رسولَ الله حينما استمع إلى هذه المواقف المعبِّرةِ عن أصحابها، كرأى كلٍّ من أبى بكر الصديق وعمر بن الخطاب والمقداد بن عمرو، والثلاثةُ كانوا من المهاجرين تطلَّع إلى موقف الأنصار ومشورتهم، وقال: "أشيروا علىَّ أيها الناس"، وإنما يريد الأنصار، وفطن إلى ذلك قائدُ الأنصار وحاملُ لوائهم سعد بن معاذ، فقال: والله، لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: "أجل"، قال: لقد آمنا بك، فصدقناك، وشهدنا أنَّ ما جئتَ به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودَنا ومواثيقَنا على السمع والطاعة، فامضِ يا رسول الله لما أردتَ، فوالذى بعثكَ بالحق لو استعرضتَ بنا هذا البحرَ فخضتَه لخضناه معك، ما تخلَّف منّا رجلٌ واحدٌ، وما نكره أن تلقى بنا عدوَّنا غدًا، إنا لصُبُر فى الحرب، صُدَّق فى اللقاء، ولعل اللهَ يريك منا ما تَقَرَّ به عينُك، فسِرْ بنا على بركة الله".

فكان نتيجةَ هذه المشورة اتخاذُ قرارِ خوضِ المعركةِ.

وما إن وطئت أقدامُ الجيش المكانَ الذى حطُّوا رحالَهم فيه حتى تساءل أحدُ الجنود، وهو الحُبَاب بن المنذر، وقال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدَّمه ولا نتأخَّر عنه؟ أم هو الرأى والحرب والمكيدة؟ قال: "بل هو الرأى والحرب والمكيدة" قال: يارسول الله، إن هذا ليس بمنزل، وأشار على رسول الله - ﷺ - بالمكان المناسب لنزول الجيش مبديًا أسباب اختياره، مدعِّمًا رأيه بما اكتسبه من حنكة وخبرة.

ونلحظ فى هذه المشورة إبداءَ الرأى المصحوبَ بذكر أسبابه ومبرراته، وقبل ذلك أدب المراجعة والمحاورة مع رسول الله؛ حتى لا يُفهَم أن هذا التناصح الذى كان لصالح الجيش بكامله لا يعنى التطاولَ على مقام رسول الله الرفيع، فليس هو - ﷺ - بالقائد المعتاد، كما نلحظ كذلك التحفُّظَ السابقَ على إبداء رأيه بالسؤال عما إذا كان هذا المكانُ الذى نزله رسولُ الله بالجيش أمرًا من عند الله غيرَ قابلٍ للرأى والرأى الآخر أم هو اجتهادٌ منه للمصلحة التى فيها الحيلةُ والرأى والمكيدةُ مع الأعداء، فلما سمع الأخرى من رسول الله أشار عليه بما أشار، والأكثرُ من هذا والأولى بالاعتبار هو اتساعُ صدرِ رسولِ الله - ﷺ - للرأى، وتقبُّلُه للمراجعة حتى وإن أدَّت إلى التخطئة، بل التنفيذُ الفورى لما أشار به الرجلُ على رسول الله، وليس الاكتفاءَ بكلمةِ شكرٍ أو مجاملةٍ دون أن تجدَ المشورةُ طريقَها إلى التنفيذ.

وفى غزوة بدر مواقفُ أخرى عبَّرت عن المسئولية المشتركة بين الأصحاب مع نبيهم وقائدهم، وكأنَّ جميعَهم قادةٌ، وإن كان كلٌّ منهم فى موقعه.

مع أبى بكر الصِّدِّيق:

أعلن الصِّدِّيق منذ اللحظة الأولى من تولِّيه الخلافة وبعد أخذه البيعةَ مباشرة مبدأَ المشاركةِ فى المسئولية، وتقبُّله للمساءلة والمراجعة، بل مطالبة مبايعيه بها، وعدم اكتفائهم بالبيعة، وكأنهم أعطوه بها (شيكا على بياض)، قال - رضى الله عنه - فى خطبة تولِّيه الخلافةَ بعد أن حمد الله وأثنى عليه:" أما بعد، فإنى وُلِّيتُ أمرَكم، ولستُ بخيركم...، أيها الناس، إنما أنا مُتَّبِعٌ، ولستُ بمبتدِعٍ، فإن أحسنتُ فأعينونى، وإن زُغتُ فقوِّمونى".

فكانت فترة خلافته القصيرة ثَرِيَّةً بمشاورة أصحابِهِ أصحابِ رسولِ اللهِ، وبرجوعِهِ إلى الحقِّ لمجرَّدِ أن يأتِى واحدٌ من الأصحابِ بما سمعه من رسول الله.

مع الفاروق عمر:

ومواقف الفاروق عمر فى الشعور بالمسئولية، ومشاركةِ رعيَّتِهِ معه فى تَحَمُّلِها، ورجوعِهِ إلى الصوابِ أيًّا كان الذى ردّه إليه أشهرُ من أن تُذكَرَ.

ومن أشهرها مراجعةُ المرأة له حين رأى مغالاة الناسِ فى مهورِ النساءِ حين اتَّسعت دنياهم فى عصره، فخاف عاقبةَ ذلك، وهو ما يشكو منه الناسُ منذ عصور، فنهى الناسَ أن يزيدوا فيها على أربعمائة درهم، فاعترضت له امرأةٌ من قريش، فقالت: أما سمعتَ ما أنزل اللهُ، يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ النساء (20)، فقال: اللهم غَفرًا، كلُّ الناسِ أفقهُ من عمرَ، وفى روايةٍ أَنَّه قال: امرأةٌ أصابت وأخطأ عمرُ، وصَعَدَ المنبَرَ، وأَعلَنَ رجوعَه عن قوله".

ولعل فى بيان المسئولية فى الإسلام على قانون لغة العرب فى استعمالهم لمعنى المسئولية ما يُفَسِّرُ لنا وصفَ القرآنِ الكريمِ بأنَّه (حكمٌ عربيٌّ) فى قوله - تعالى -: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِى وَلَا وَاقٍ﴾ الرعد (37)، وأَنَّ نزولَ القرآنِ الكريمِ بلسانٍ عربى مبينٍ مدعاةٌ للتعقُّلِ والتفكير، وذلك فى موضعين من الكتاب الحكيم: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يوسف (2)، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ الزخرف (3). ▪