الهجـــرة..رحلة البناء والتغيير

الهجـــرة..رحلة البناء والتغيير

لقد مضت دعوة الإسلام منذ لحظاتها الأولى نحو تغيير الواقع المرّ الأليم، وتربية الأجيال على الخُلق القويم، ونشر الإيجابية فى إصلاح الأرض وتعميرها كما أراد ربّ العالمين: ﴿هُوَ أَنشَأَكُمُ مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]..

ورغم عِظم هذا الهدف، فإن أعداء الحق لم يألوا جهدا فى الصد عن سبيل الله، وإيقاع الأذى بالنبى ﷺ وأصحابه، والتآمر عليهم، كما عمدوا إلى الحصار والمقاطعة الاقتصادية والاجتماعية، وعملوا على تجفيف منابع المساندة للحق من داخل مكة وخارجها فى أرض الحبشة وغيرها، وشمتوا بالرسول يوم عاد من الطائف مكلومًا حزينًا.

واستمر هذا العنت والمشقة حتى أذن الله تعالى لرسوله وأصحابه بالهجرة؛ ليعلن الدينَ الحقَّ للدنيا، وتحقق للنبى ﷺ ما كان يرجوه من ظهور الإسلام وانتصاره، حتى عاد بعد ذلك إلى مكة فاتحًا.. فبعد أن غادرها مهاجرًا مطرودًا حزينًا، مُجبَرًا على تركها، ها هى لحظة الانتصار والفتح، وقد تواضع لربه يشكره ويدعوه أن يقبل منه ويتقبّله..

ومضت رحلة الهجرة نحو طريقها تشق الغبار والصحراء والمؤامرات، حتى أذن الله بطلوع البدر على المدينة؛ ليشرق أرجاء المعمورة كلها... وإنّ الأمة التى لا تُحسِن قراءة ماضيها، لا يمكنها تجاوز صعوبات وأزمات الحاضر، ولا تستطيع صناعة مستقبلها، فكان لا بد من تلمّس العبرة من الهجرة النبوية.

فلهجرته ﷺ دروس وعبر نستلهمها ونعيش فى ضوء نورها على النّحو التالى:

الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله واستشعار معيته:

لقد علمتنا رحلة الهجرة هذا القانون الكونى أن نأخذ بكل سبب ممكن ومتاح وشرعى للوصول للأهداف والغايات المنشودة -وهذا هو عين التوكّل على الله، وربما وقع فى رحلة الهجرة أحداث تثبت أنّ من وراء الأسباب مسببها، وأن الأمر بيده؛ حتى لا يتعلق العبد بالسبب وينسى ربّ السبب، فوقف المشركون على باب الرسول وكادوا أن يقتلوه لولا خروجه وفقا لما أراده الله ومبيت سيدنا على بن أبى طالب -رضى الله عنه- مكانه، ووصول المشركين إلى فم الغار رغم الأخذ بالأسباب، ووصول سراقة خلف الرسول وصحبه، ورغم كل هذا فإن الربّ العلى الرحيم لطف بحبيبه؛ حين أعمى أعينهم على بابه أثناء خروجه، وأعمى أعينهم عند فم غار ثور، وهدّأ من شهوة الثراء فى نفس سراقة فكتم الخبر عن القوم... فيجب أن يكون اعتمادنا دائمًا على الله..

الأمل والثقة فى نصر الله:

حتى فى أشد ساعات الليل ظلمة؛ فإنّ من وراء الظلمة يأتى النور، ومع العسر يأتى يُسْران، ومن باطن المحنة تتولّد المنحة، وقد رأينا ما يؤكد ذلك عمليًّا من خلال رحلة الهجرة، بل ومن قبلها؛ فهذا رسولنا يبث الأمل فى نفس الخباب -بعد أن طالَهُ من العذاب ما لحق به-، قائلاً له ولنا من بعده: «وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ».. وها هو -ﷺ- يبث الأمل ولديه من اليقين ما ينشر به أمله فى نفس صاحبه الصديق: (لا تحزن)، (ما ظنك باثنين الله ثالثهما)؛ بل ووصل الأمر إلى أن حرّكه اليقين ببثّ الأمل فى نفس مشرك كسراقة -قبل الإسلام- كمثل قوله له -كما عند البيهقى فى السنن- «كَأَنِّى بِكَ قَدْ لَبِسْتَ سُوَارَى كِسْرَى»، يقول له هذه الكلمات وهو مطارَدٌ مهاجر مطرود من بلده... إنها الثقة فى نصر الله، اليقين فى وعد الله!!

الحرص على الصحبة الصالحة:

إن المسلم أحوج ما يكون إلى صحبة صالحة تأخذ بيده للخير، وتصرفه عن الشرّ، فى الرخاء وفى الشدّة، يجد منها فى الرخاء عونًا على الطاعة، وفى الشدة تثبيتًا عليها، وقد أعلن النبى أنّ الصحبة الصالحة هى الحل فى نجاح المسلم ووصوله إلى أهدافه؛ حين صحب أبا بكر (إنها الصحبة)، ولماذا الصحبة؟ لأنه كما أخبرنا رسولنا الحبيب: «فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ»...

حسن التخطيط وتوظيف الطاقات:

فقد امتلأت رحلة الهجرة بكثير من مواقف التخطيط الجيد، بل صار نموذج الهجرة بكامل أحداثه سببًا لتعلم الأمة التخطيط وحسن توظيف الأدوار والطاقات، فأسماء امرأة تصنع الطعام وتذهب به إلى الرسول وأبيها، ولماذا امرأة؟ حتى لا يشكّ فيها أحد، كما أن عبدالله بن أبى بكر يأتى بالأخبار، ولا عجب فهو شاب صغير ويمكنه أن يتسمّع الأخبار بعكس امرأة كأسماء، وعلى ينام مكانه، وابن أريقط، ودليل مشرك خرّيت يعرف الطرق ومسالكها ودروبها، (ابن فهيرة) يزيل آثار أقدام المترددين عليهما، وهكذا... فلتتعلم الأمة وتخرج من إطار عشوائيتها التى جعلتها تبعًا لغيرها اليوم، ولم تعد قادرة على أن تكون صاحبة قرار - ولا حول ولا قوّة إلا بالله-..

كن قدوة:

لقد كان رسولنا هو أكمل البشر وسيد الأنبياء والرسل، لكن موضعه من القيمة والقامة الربانية الموضوعة له فى الأرض، لم تجعله يومًا -حاشاه- متكبرًا أو غليظًا أو مرتفعًا على الناس؛ بل كان يتعب كما تعب أصحابه، ويُعذّب كما عُذِّبوا، ويهاجر كما يهاجرون، ويُطارَد كما يطارد المستضعفون... وهكذا هو القائد القدوة، يشارك أتباع الجوع والعطش كما كان فى خبر الخندق وحفره، ويشاركهم بناء المسجد، ويشاركهم المعارك، ولم يكتف بتتبع الأخبار من غرف مكيفة أو قاعات مجهّزة، حتى كاد أن يُقتل يوم أُحُد، ولكن عناية الرحمن أيّدته، وصارت محبته فى كل قلب.

الإسلام لا يحدّه زمان ولا مكان:

الداعى إلى الله لا يضيع أى فرصة تأتيه لصالح دعوته؛ لأنّ الدعوة هى رسالة الله للبشر فى كل مكان وفى أى زمان، ولذا لاحظنا من الرحلة أن النبى ﷺ قبلها بقليل خرج إلى الطائف داعيا إلى الله فأبى القوم ونكثوا على النخوة والرجولة والعروبة، ولم يتوقف رسول الله عن الحركة، وخرج من بلده ليبلغ رسالة ربه؛ فيا أيها الدعاة لا تتوقفوا بدعوتكم عن الانتشار، بشرط ألا تميلوا أو تنحرفوا بها عن مسارها الطبيعى الذى جاءت من أجله فى تعبيد الناس لربهم وتعمير الأرض.. ولنا فى نبى الله يوسف السجين الدرس والعبرة، فلم يتوقف عن الدعوة حتى وهو فى السجن.

حب الصِّديق لصاحبه الرسول ﷺ:

لقد ثبت يقينًا من خلال الرحلة المباركة مدى محبة الصّدّيق أبى بكر لصاحبه الرسول ﷺ، ومدى شفقته عليه، ومدى رغبته فى صحبته والسير معه فى الطريق، فكم وكم صبر أبى بكر على مرافقته وصحبته، ولذا صار أعزّ الناس وأكرم الخلق على الخالق بعد رسل الله -عليهم الصلاة والسلام-. والناظر فى سيرته الشريفة يراه وقد تفانى وضحّى بماله ووقته ونفسه وأهل بيته، فله منا أكمل الدعوات بالرضوان وكمال رحمة الله به.. وهكذا ينبغى أن تكون المحبة الحقيقية فى الله، فكما فى موقفه الشريف ورسول الله فى الهجرة معه، يشرب اللبن، فاسمع ماذا يقول أبو بكر: فشرب رسول الله حتى ارتويتُ!! يا الله!!

المرأة صاحبة دور عظيم:

إلى الذين يتهمون الإسلام بهضم حق المرأة، تعالوا بنظرة بسيطة يسيرة فى السيرة النبوية -بحلقاتها وفصولها- نكتشف عظم الدور الذى بذلته المرأة المسلمة، ومدى عناية الإسلام بمكانتها وتقديره لشأنها؛ فأسماء ذات النطاقين ضربت لنا وللنساء أروع مثال ونموذج للمرأة العاملة المجِدّة المُجتهدة، صاحبة البذل والعطاء والتضحية، ولا تجد مثل هذا النموذج فى الدنيا كلها.. وحرى بكل امرأة مسلمة اليوم أن تسأل نفسها عما قدّمته لدين الله، أم أتراها تسكن بيتها أو تأكل وتشرب ولا أثر لها فى مجتمعها وأسرتها، فلتتخذ من أسماء السامية ومثيلاتها النموذج القدوة...

المسجد فى حياة الأُمة:

وبعد الهجرة ووصول القائد إلى حيث مستقر الدعوة والدولة -المدينة الطيبة- قام يبنى ويؤسس لأهم مؤسسة فى تاريخ الأمة، وبدون القيام بحقها ومساندتها فى دورها الأساس لا قيمة للأمة الإسلامية.

بنى الرسول ﷺ المسجد وأسسه على أسس متينة؛ رغبة فى تجميع الصف والكلمة، وتثقيف أبناء الأمّة، وتوحيد الصف المسلم، وحل المشكلات، وتجييش الجيوش، واستقبال الوفود السياسية فيه؛ فهو الدار الأمّ، والبيت الأكبر للمسلمين.

الهجرة التى ينشدها الإسلام:

ولا شكّ أن الهجرة الحقيقية المعاصرة لها صور متعددة، ينبغى استلهامها، والسير فى نورها.. ومن هذه الصور المعاصرة المطلوبة:

هجرة من الجسد إلى الروح: لقد استهلكت الدنيا كثيرًا من عابديها، فضحت عليهم بزخارفها، وصاروا أسرى لها لا يهتدون إلا بهدْيِهَا، ولا يتحركون إلا برغبتها؛ وبئست المعيشة هذه..

لا بد من هجرة حقيقية من احتياجات الجسد الفانية إلى احتياجات الروح الباقية، وليس معنى هذا أن يعيش المرء فقيرًا ضعيفًا، وإنما ينبغى أن يجعل الدنيا بلذاتها وسيلة له إلى غايته المنشودة -عبادة الله ورضوانه وجنته- ولا يجعلها غاية له، يخاصم من أجلها، ويحب على مائدتها..

هجرة من الذنوب إلى التوبة: ولن تصح هذه الهجرة إلا بهجرة العُصاة والمعاصِي، قال رسول الله -ﷺ- (والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)، وتلك هى التوبة الصادقة، لا الكاذبة المزيفة.. وهى الهجرة المنشودة؛ فكما عند أبى داوود فى السنن عن عبد الله بن حُبْشى الخَثْعمىِّ: أن النبى -ﷺ- سئل: أى الأعمالِ أفضلُ؟ قال: "طولُ القيام" قيل: فأى الصدقة أفضل؟ قال: "جُهدُ المُقِلِّ" قيل: فأى الهِجرة أفضلُ؟ قال: "مَن هَجَرَ ما حَرَّمَ اللهُ عليه" وعند أحمد فى المسند: سئل الرسول الحبيب: أى الهجْرة أفضل؟، قال: «أن تَهْجُرَ ما كَرِهَ ربُّك»...

هجرة من اليأس إلى الأمل: إنّ رحلة الهجرة المباركة تعلّمنا الأمل واليقين فى الله تعالى وأنّ ما عنده لا يضيع، وكم يزداد الأمل يومًا بعد يوم؛ فحين كان الخباب المعذّب المضطهد الذى اكتوى بالنار فى رأسه وجسده يعذّب، لم يكن بخاطره أن صاحبة ورشة الحدادة التى كان يعمل بها -كما يحكى ابن إسحاق- ستمرض فى رأسها بمرض لا يهدأ طبيًّا إلا إذا اكتوت بالنار فى رأسها -بمثل ما كانت تصنعه فيه- ولم تجد من يقوم لها بهذا إلا خادمها الخبّاب رضى الله عنه!

هجرة من العشوائية والفوضى إلى التخطيط والنظام: أمتنا أمّة النظام والتخطيط، فحياتها تعبدية قائمة على النظام والتخطيط الدقيق؛ فى ارتباطها بصلوات محددة فى مواعيد محددة، وهكذا فى كل عبادات الإسلام، ورحلة الهجرة درس عظيم فى التخطيط ودقته، والتحول من العشوائية فى اتخاذ القرارات إلى التنظيم الدقيق لكل قرار وقياسه على الأهداف المنشودة.. إلخ.

هجرة من الجهل إلى العلم: نريد هجرة حقيقية من الجهل، فى زمن لم يعد للجهلاء قيمة، وحتى صارت القوة: ليس فيما تملكه من سلاح؛ -فكل هذا يمكن محاربته- ولكن فيما تحمله من علم ووعى وثقافة، ولذا وجدنا (إسرائيل) تنفق ميزانية على التعليم بحجم إنفاق العالم العربى كله على التعليم..!

هجرة من التفرق والتشرذم إلى الوحدة والتكامل: فالنصر الحقيقى يوم أن تعود الأمة لوحدتها التى أرادها لها الله بقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]. ولم لا نهاجر إلى الله حقًّا بهجر الفرقة والتشرذم والتصارع والتحارب والتضاد المهين، يقول تعالى محذّرًا: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].

هجرة من الكسل والخمول إلى العمل والإنتاج: والمأمور به فى الشريعة ليس حدّ العمل فحسْب؛ بل إتقانه وإتمامه على وجهٍ حسَنٍ؛ ففى الحديث: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلَا أَن يُتْقِنَهُ» وفى الإسلام ما يدلِّل على هجران الكسل والبطالة، فعند البخارى فى الصحيح عَنْ أَبِى عُبَيْدٍ، مَوْلَى عَبْدِ الرحمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنه سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِى اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَأَن يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا، فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ».

ما أكثر دروس الهجرة.. وما أشد حاجتنا لاستلهامها فى حياتنا المعاصرة، على مستوى الفرد والمجتمع والأمة.. حتى نكون على درب النبى ﷺ سائرين.. ▪

بقلم: د. عـــادل هنــــدى - مدرس بكلية الدعوة - جامعة الأزهر