يــا أمتـى هيَّا نهاجــر ولا نـغـادر

يــا أمتـى هيَّا نهاجــر ولا نـغـادر

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.

مع العام الهجرى الجديد، وفى ضوء هجرة المصطفى ﷺ، التى مثلت آيةَ عزةٍ، وأيقونةَ نصرٍ، ونقطة تحول فى بناء دولة الإسلام، التى طبقت الحقوق الحقيقية للإنسان، ومع ما يحدث الآن من مآسٍ لأبناء الإسلام،"مما تنقله وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعى، من صور مفزعة ومروعة لأعمال القتل، والتهجير، والحرق، والإبادة الجماعية، والمجازر الوحشية، ضد المسلمين فى ميانمار والتى ما كانت لتحدث لولا أن الضمير العالمى قد مات، ومات أصحابه، وماتت معه كل معانى الأخلاق الإنسانية، وصمتت بموته أصوات العدل والحرية وحقوق الإنسان صمت القبور، وأصبحت كل المواثيق الدولية التى تعهدت بحماية حقوق الإنسان حبرا على ورق، بل أصبحت كذبا لا يستحق ثمن المداد الذى كتب به".(بيان الأزهر الشريف)

فى ضوء هذا كله ، ومع ضرورة أن نستخلص الدرس من الهجرة النبوية الشريفة، فإننى أستنهض الأمة، وأناديها بقلبى قبل قلمى، وبوجدانى قبل لسانى: يا أمتى، هيا نهاجر ولا نغادر، هيا نهاجر من الضعف والاستكانة إلى العزة والكرامة.

هيا نهاجر من الشر إلى الخير، ومن الإثم إلى البر، ومن الكذب إلى الصدق، ومن الباطل إلى الحق، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الظلام إلى النور، ومن الحزن إلى السرور، ومن التشاؤم إلى التفاؤل، ومن اليأس إلى الأمل، ومن الكسل إلى العمل، ومن الشعور بالضياع والهوان، إلى الشعور بالشموخ والرفعة وعزة الإسلام.

هيا نهاجر من الجهل إلى العلم، ومن السلبية إلى الإيجابية، ومن الضلال إلى الهدى، ومن التخبط إلى الاتزان والاستقامة، ومن التباعد إلى التقارب، ومن التصارع إلى التصالح .

هيا نهاجر إلى العُلَى والمجد، ونترك الدونية والإخلاد إلى الأرض، يجب أن نهاجر إلى شموخ الإيمان، ونترك ما يراد لنا من خور وهوان، هيا نهاجر إلى ما سجله الله لنا من كرامة فى القرآن، ونأبى ما يريد أعداؤنا أن يفرضوه علينا من خزى وخذلان.

إنها مُهاجَرةٌ مما صرنا إليه، إلى ما كنا عليه.. مهاجرة من أحوالٍ وصلنا إليها، أو أُجْبِرنا عليها، أو حيكت مؤامراتٌ لإيقاعنا فيها، إلى زمان كنا فيه سادة وقادة، زمان تبوأت فيه أمتنا مكان الصدارة بين أمم الأرض، وذلك بعزة الإيمان، ومنهج الإسلام، ونور القرآن، وسنة سيد الأنام عليه الصلاة والإسلام.

إنها مهاجرة من حال إلى حال، ومن زمان إلى زمان، بدون فراق للمكان، وبدون مغادرة للأوطان، فالهجرة هجرتان:

هجرةٌ كهجرة رسول الله ﷺ من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وهجرةٌ بمعنى الترك، بدون مغادرةٍ من مكان إلى مكان.

فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما، عن النبى ﷺ قال:"إن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، " (مسند أحمد).

والمعنى نفسه يتكرر بأكثر من أسلوب:

فعن معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهم أن النبى ﷺ قال: "إن الهجرة خصلتان: إحداهما أن تهجر السيئات. والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله، ولا تنقطع الهجرة ما تُقُبّلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت طُبع على كل قلب بما فيه وكُفى الناس العمل ". (مسند أحمد والبزار).

ويقول العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى: الهجرة هجرتان: هجرة الأوطان، وهجرة الإثم والعدوان، وأفضلهما هجرة الإثم والعدوان، لما فيها من إرضاء الرحمن، وإرغام النفس والشيطان. (شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال، للعز بن عبد السلام).

إن المطلوب هجرةٌ نَفِرُّ بها إلى الله عز وجل، امتثالا لقول الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ..﴾ (الذاريات:50)، نفِرّ إليه، نقبل عليه، ننفض غبار تثاقلنا، وتباطئنا، وإهمالنا لأعمالنا، نستيقظ من سباتنا، نفيق من غفلاتنا، ننتبه من غفواتنا، نقلع عن زلاتنا، نثوب إلى رشدنا، ونتوب إلى ربنا، ونمتثل لقيم ديننا، ونلتزم بسنة نبينا ﷺ، حتى يكتب الله لنا العلو والرفعة، والمنعة والقوة، مصداقا لقوله عز وجل:﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران:139).

إننا يجب أن نهاجر إلى مرضاة الله عز وجل، نلتزم بطاعته وتقواه، ونقتدى بحبيبه ومصطفاه، ونستمسك بمنهج الحق الذى شرعه لنا الله، منهاجًا ودستورًا، تفعيلا وتطبيقا، ممتثلين لما دعانا إليه، مِنْ أخْذ بأسباب القوة، وفى مقدمتها العلم، والعمل، والألفة بين المؤمنين، والتلاحم والتراحم بين أفراد الأمة، تطبيقا لقوله عز وجل: ﴿هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر:9)، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ (طه:114)، وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة:105)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (الكهف:30)، وقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران:103).

إن هذا هو المنهج الحق، القائم على مُثُل الإسلام وقيمه، والذى لو هاجرنا إليه، وأقبلنا عليه، لَكَتَب الله لنا الرقى والتقدم، لأن من سنة الله عز وجل فى خلقه أن ينصر الحق على الباطل، مادام أهل الحق متمسكين به، مخلصين له، مصرين عليه، معتزين به، متفانين فى سبيله، قال سبحانه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء: 18).

مطلوبٌ هجرةٌ بكل صدق وحماس وقوة، ومن كل أفراد الأمة، إلى الأخذ بأسباب العزة، وأن نهجر ونترك ما نحن فيه من عدم اكتراث بالعلم، ومن إهمال وعدم إتقان للعمل، فضلا عما ساد بيننا من جو يتنافى مع ما قاله رسول الله ﷺ فى الحديث الذى رواه زيد بن أسلم رضى الله عنه:"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (مسند الشهاب القضاعى والكثير من كتب الحديث).

يجب أن ننبذ هذا كله، وأن نهجره، وأن نكون كما قال رسول الله ﷺ، فى الحديث الذى رواه النعمان بن بشير رضى الله عنه:" مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (صحيح مسلم) وعن أبى موسى رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" (صحيح مسلم).

إن ديننا هو دين العزة والكرامة للإنسانية جمعاء فرسولنا محمد عليه الصلاة والسلام أرسله الله تعالى رحمةً للعالمين، إنسهم وجنهم، عربهم وعجمهم، أسودهم وأبيضهم، قويهم وضعيفهم، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، وصدق الله العظيم إذْ يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:107)، ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ:28).

إن رسول هذا الدين العظيم بعثه الله تعالى للدنيا قاطبة، رحمة مهداة، ونعمة مسداة، ومُثُلًا تُطبق، وقيماً تشمل جميعَ الخلق، ومساواةً لا تفرق بين غنى وفقير، وقوى وضعيف، وقريب وبعيد، قال رسولنا العظيم ﷺ:"لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"، (صحيح البخارى) ويقــول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء: 135).

وهكذا لا يُبَرَّأُ الغنىّ لغناه، ولا يُجَرَّم الفقير لفقره، وإنما الكل أمام القانون سواء، ولذا يقول شوقى:

وأقمت بعدك للعباد شريعة *** لا سوقــــة فيها ولا أمـراء

الله فوق الخلق فيها وحده   *** والناس تحت لوائها أكفــاء

أنصفت أهل الفقر من أهل الغنى *** فالكل فى حق الحياة ســــواء

والمسلمون جميعهم جسد إذا *** عضو شكا سهرت له الأعضاء

لو أن إنســــــانًا تخير ملــــة *** ما اختار إلا دينك الفقـــــــراء

ومن ثم عز المسلمون بعزة دينهم، واستقامتهم على كتاب ربهم، وسنة نبيهم ﷺ، وأصبحوا جديرين بقول الله عزوجل لهم: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:110).

إلى هذا الزمن العظيم يجب أن نهاجر.. إلى هذا العصر الوضىء المشرق الذى كانت فيه أمتنا قوية الجناح، مرهوبة الجانب، يُعمَل لها ألف حساب وحساب.. لا يُعْتدَى على أى من أبنائها، ولا يهان أحد من أفرادها.. رجلًا كان أو امرأة. وإلا فليتحمل المعتدى المسئولية كاملة، وليدفع الثمن غاليًا.  

وليس ببعيد ما حدث عندما آذى الرومان امرأة مسلمة فاستغاثت (وامعتصماه) وبلغ الخليفة ذلك فلبَّى نداءها، وجرد جيشا عظيما فأدب من آذاها وآذى المسلمين، وتم فتح عمورية (الموسوعة الموجزة فى التاريخ الإسلامى).

أما وقد أصبحنا الآن بعيدين كل البعد عما كنا عليه فى ذلك الزمان .... وأصبح أبناء الإسلام المضطهدون فى كثير من البلدان يستغيثون ولا مغيث، لا يجدون من الأمة إلا تبلدا فى المشاعر، وتحجراً فى الأحاسيس، وقسوة فى القلوب، وموتًا فى الضمائر، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (الأنعام: 36)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَن فِى الْقُبُورِ﴾ (فاطر: 22)، أما وقد أصبحنا كذلك، فلا بد من تغيير أنفسنا حتى يغير الله ما بنا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد:11).

إن إخوتنا فى بورما الذين يتعرضون لمجازر وحشية تقشعر لها الأبدان، ويشيب من هولها الولدان، يستغيثون، ولا يجدون أصحاب نخوة يُغِيثون، ولا أصحاب حَمِيّة يَغْضَبون، ولا أصحاب دين يغارون، وكأن الجميع مقبورون.

لقد أسمعت لو ناديت حيًا ولكن لا حياة لمن تنادى

وليس هذا الوضع البائس من قلة، ولكن كما قال القائل:

إنى لأفتح عينى حين أفتحها *** على كثير ولكن لا أرى أحدًا

إن هذا الذى حل بنا قد حذّرَنَا منه نبيُّنا ﷺ، فعن ثوبانَ رضى الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ:"يوشِكُ الأُممُ أن تَداعَى عليكم كما تَداعَى الأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها" فقال قائل: ومن قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: "بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغثاء السَّيلِ، ولَينْزِعَنَّ اللهُ مِن صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذفنَّ اللهُ فى قلوبِكم الوَهْنَ". فقال قائلٌ: يا رسُولَ الله، وما الوهنُ؟ قال: حبُّ الدُنيا وكراهيةُ الموتِ"(سنن أبى داود).

ولا ينفع الأمةَ إلا قوتُها، واعتزازها بدينها، واعتمادها على ربها، وأخذها بأسباب العزة، واكتسابها أنواع القوة؛ امتثالا لقول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمّ مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ...﴾ (الأنفال:60).

ما حك جلدَكَ مثلُ ظفرِك *** فتـــولّ أنــت جميـــعَ أمرِك

   أما لجوء الأمة إلى ما يسمى بالضمير العالمى والمجتمع الدولى، فسيكون وضعها كما قال القائل:

كالمستجير من الرمضاء بالنار

وكذلك قول الشاعر:

ولا ترج السماحة من بخيل *** فما فى النار للظمآن ماء

وقول الآخر:

إياك تخرج سكرا من حنظل *** فالشىء يرجع فى المذاق لأصله

إن الأمة إذا أرادت العزة، وأن يكون لها بين الأقوياء مكان، فلا بد أن تهاجر من الحالة التى هى عليها من ضعف، وجهل، وتفرق، وتنازع، إلى النهوض بالعلم فى كل مجالات حياتها، وإلى الاعتصام بحبل الله عز وجل، لتكون على قلب رجل واحد، ومن ثم تكون أبية، قوية، عزيزة، مهابة، مرهوبة الجانب، ليتحقق فيها قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: 8)، وقوله سبحانه: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطر:10).

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ▪

بقلم: أ.د. عبد الفتاح البربرى

الرئيس العام للجمعية الشرعية - الأستاذ بجامعة الأزهر