العلوم الطبيعية.. ودلالتها على وحدانية الله

العلوم الطبيعية.. ودلالتها على وحدانية الله

لقد جمع الله تعالى علوم الكون فى آية واحدة، وحث عليها وجعل العلم بها سبيل خشيته وطريق معرفته، والله تعالى خلق الأشياء المتضادات، وأصلها واحد، وهو الماء، كما تمت الإشارة إلى ذلك فى المقال السابق، وبرغم ذلك فيها من التفاوت والفرق ما هو مشاهد معروف، ليدل العباد على كمال قدرته وبديع حكمته، وهى دليل عقلى على مشيئة، وقدرة الله تعالى، حيث أوجدها كذلك، بحكمته ورحمته، فذلك قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ. وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (فاطر: 27، 28) أى: ألم تر- أيها العاقل- أنَّ الله أنزل من السماء ماء فأخرج به ثمرات مختلفًا ألوانها، منها الأحمر والأصفر والحلو والمر والطيب والخبيث، ومن الجبال جبال ذوات طرائق وخطوط بيض وحمر مختلفة بالشدة والضعف، ومن الناس والدواب والإبل والبقر والغنم مختلف ألوانه كذلك فى الشكل والحجم واللون، وما يتدبر هذا الصنع العجيب ويخشى صانعه إلا العلماء الذين يدركون أسرار صنعه.

والعلماء هنا ذُكروا بعد العلوم الكونية بأنواعها الذين يعلمون علم الكائنات وما فيها للناس من خير وما يتجلى فى دقيق صنعها من واسع علم الله خالق الأرض والسموات، فأنت تجد فى هذه الآية أن القرآن الكريم لم يفرق بين علم الدنيا وعلم الدين، بل أوصى بهما جميعًا، ففى الآية إشارة إلى الماء، وأنه أصل الحياة، والآية هنا تبين أن الله تعالى يُنْزِل الماء الواحد فيعطى ثمرات مختلفة الألوان، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾، يريد الصفرة والحمرة وغير ذلك من الألوان، وقيل: يريد الأنواع والأول أظهر لذكره البيض والحمر والسود بعد ذلك، كَمَا هو المشاهد من تنوع ألوانها وطعومها وروائحها، وفى الوجهين دليل على أن الله تعالى فاعل مختار، يخلق ما يشاء ويختار، وفيه ردّ على الطبائعيين (الدهريين) لأن الطبيعة لا يصدر عنها إلا نوع واحد، ولكن الله تعالى أنزل من السماء ماء، فأخرج به من الثمرات المختلفات، والنباتات المتنوعات، ما هو مشاهد للناظرين، والماء واحد، والأرض واحدة، وفى هذا دلالة على وحدانية الله.

وفى الآية إشارة إلى علم النبات وغرائبه وعجائبه وكيميائه، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الإعجاز أيضًا فى قوله تعالى: ﴿وَفِى الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِى الأكُلِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (الرَّعْدِ: 4)، ففى الأرض ذاتها عجائب، فيها قطع من الأرض يجاور بعضها بعضًا، وهى مختلفة التربة مع ذلك، بعضها قاحل، وبعضها خصب، وإن اتحدت التربة، ففيها حدائق مملوءة بكروم العنب، وفيها زرع يحصد، ونخيل مثمر، وهى مجتمعة ومتفرقة، ومع أنها تسقى بماء واحد يختلف طعمها، وإن فى هذه العجائب لدلائل واضحة على قدرة الله لمن له عقل يفكر به.

وكذلك نجد الألوان فى عالم الجبال وعالم المخلوقات والحيوانات وجميعها تشرب من ماء واحد فكيف جاء هذا التنوع؟.

قد يقول بعض من الملاحدة: إن هذا الاختلاف بسبب الطبيعة والبيئة، وهؤلاء يتجاهلون أن الطبيعة فى مجموعها هى الشمس التى تعطى الضوء والحرارة والإشعاع، والقمر أيضًا يعكس بعضًا مَنْ الضوء، والنجوم تهدى من يسير فى الفَلاَة، وتيارات الهواء تتناوب ولها مسارات ومواعيد، ورغم كل ذلك فهناك أرض خِصْبة تنتج، وأرض سبخة لا تنتج، وأرض حمراء، وأخرى سوداء، وثالثة رملية، وكلها متجاورة، ومن العجيب أن كل شجرة تأخذ عَبْر جذورها كمية من الماء والغذاء اللازم لإنتاج ثمارٍ ذات شكل وطَعْم مختلف، لابد إذن من وجود فاعل مختار يأمر هذه أمرًا مختلفًا عن تلك، وهذا كله يؤكد وحدانية الله تعالى.

وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ وفى ذلك إشارة إلى علم الجيولوجيا وطبقات الأرض وأدوارها وأطوارها.

إن وجود هذه الألوان فى عالم الجبال، وحديث القرآن عنها لَيشهد على صدق القرآن، لأن النبى الأعظم لم يكن لديه فكرة عن جبال الدنيا، ولو كان القرآن تأليف محمد ﷺ لوجدنا فيه الحديث عن جبال مكة فقط، ولكن الحديث عن الجبال هو دليل على أن منزل القرآن هو خالق الجبال تبارك وتعالى!

من الذى علم النبى – ﷺ – أنواع ومراحل الصخور التى اكتشفها العلم فى العصر الحديث.

وعندما بُعث النبى الكريم ﷺ، لم يكن أحد فى جزيرة العرب يعلم شيئًا عن أسرار الجبال أو تكوينها أو هندسة بنائها.. ولكن هذا النبى الأمى عليه السلام قد أنبأ عن الكثير من أسرار الجبال من خلال القرآن الكريم، هذه الأسرار لم تكن معلومة أبدًا، وبخاصة الحديث عن ألوان الجبال!

فالجبال المعروفة فى الجزيرة العربية لم تتصف باللون الأحمر مثلاً، ولم يكن فى بلاد الشام التى رآها النبى – ﷺ- أى جبال ملونة، بل كانت جبالًا صخرية أو كثبانًا رملية، ولم تكن لدى أحدٍ فكرة عن الجبال الملونة.

وأخيرًا تم اكتشاف سلاسل جبال فى غرب وجنوب الصين.. تظهر فيها هذه الألوان بصورة جلية تدعو المؤمن لتسبيح الخالق تبارك وتعالى.

فمن عجائب هذه الآية الكريمة التى نعايشها فى هذا المقال أنها تصف هذا النوع من الجبال من حيث الشكل واللون، فهذه الجبال لها أشكال متموجة تشبه الطرق الملونة.. وتتميز بمنحنيات ومنحدرات كبيرة.. وهو ما عبر عنه القرآن بقوله تعالى (جُدَدٌ) والجدُد هى الطرائق التى تخالف لون الجبل، والغرابيب: شديدة السواد (انظر تفسير القرطبى).

مرة أخرى: كيف علم حبيبنا- ﷺ - بمثل هذه الطرق المتعرجة الملونة على هذه الجبال؟ وهل ذهب إلى الصين ورأى هذه اللوحات الرائعة؟؟! إن هذه الآية لتشهد على أن هذا القرآن هو كلام الله تعالى.

وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ فيها إشارة علم البيولوجيا والحيوان بأقسامه من إنسان وحشرات وبهائم، والدواب- كل ما دب على قوائم- والأنعام من باب عطف الخاص على العام، كذلك هى مختلفة أيضًا، فالناس منهم أناس فى غاية السواد، وآخرون فى غاية البياض، ومنهم ما بين ذلك، ولهذا قال تعالى فى الآية الأخرى: ﴿وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ (الرُّومِ: 22)، وكذلك الدواب والأنعام مختلفة الألوان، حتى فى الجنس الواحد، بل النوع الواحد منهن مختلف الألوان، بل الحيوان الواحد يكون أبلق، فيه من هذا اللون وهذا اللون، فتبارك الله أحسن الخالقين.

ثم يردف ذلك كلـــــه بقولـــه تعالى:﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: 27 – 28)، أى: إنما يخاف الله فيتقى عقابه بطاعته- العالمون بعظيم قدرته على ما يشاء من الأشياء وأنه يفعل ما يريد؛ لأن من علم ذلك أيقن بعقابه على معصيته فخافه ورهبه خشية أن يعاقبه، وقد أثر عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْعَالِمُ بِالرَّحْمَنِ من عباده مَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَأَحَلَّ حَلَالَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ، وَحَفِظَ وَصِيَّتَهُ وَأَيْقَنَ أَنَّهُ مُلَاقِيهِ وَمُحَاسَبٌ بِعَمَلِهِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْخَشْيَةُ هِى الَّتِى تَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْعَالِمُ مَنْ خَشِى الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ، وَرَغِبَ فِيمَا رَغِبَ اللَّهُ فِيهِ، وَزَهِدَ فِيمَا سَخِطَ اللَّهُ فِيهِ، ثُمَّ تَلَا الْحَسَنُ ﴿إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِى اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ الْعِلْمُ عَنْ كَثْرَةِ الْحَدِيثِ، وَلَكِنَّ الْعِلْمَ عَنْ كَثْرَةِ الْخَشْيَةِ.( تفسير ابن كثير).

وهكذا نرى من هذا التركيب العجيب أن الله يأمر الناس بدراسة الكون ويحضهم على ذلك، ويجعل العارفين منهم بدقائقه وأسراره هم أهل معرفته وخشيته.

فهل ترى هذه الآية غادرت شيئًا من علوم الكون؟ إنها صفحة فى كتاب الكون فى صحائفه العجيبة الرائعة، المتنوعة الألوان والأنواع والأجناس: الثمار المتنوعة الألوان، والجبال الملونة الشعاب، والناس والدواب والأنعام وألوانها المتعددة الكثيرة.... إنها لفتة كونية عجيبة من اللفتات الدالة على مصدر هذا الكتاب.. لفتة تجمع فى كلمات قلائل، بين الأحياء وغير الأحياء فى هذه الأرض جميعًا، وتدع القلب مأخوذًا بذلك المعرض الإلهى الجميل الرائع الكبير الذى يشهد بوحدانية الله وحده، ويوجب الخشية منه سبحانه. ▪

بقلم: الشيخ فرج عبد الحليم - من علماء الجمعية الشرعية الرئيسية