من مقاصد الحج‮

من مقاصد الحج‮

لفريضة الحج، وهى فريضة إسلامية جليلة، حِكَم ومقاصد عديدة، تعود على الفرد والأمة بالسكينة والإيمان، والتآلف والتآخى.

ومن هذه الحكم والمقاصد:

أولاً: تعريض كل من حَجَّ البيت ولو لمرة واحدة فى العمر لكرامة أشرف بقاع الأرض فى أشرف أيام السنة:

فالله تعالى خلق كلاً من المكان والزمان، وجعلهما أمرين متواصلين، فلا يوجد مكان بلا زمان، ولا زمان بلا مكان، وكما فضَّل الله بعض الرسل على بعض، وبعض الأنبياء على بعض، وبعض أفراد البشر على بعض، فضَّل سبحانه وتعالى بعض الأزمنة على بعض، وبعض الأماكن على بعض.

فمن تفضيل الأزمنة جعل ربنا تبارك وتعالى يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، وجعل شهر رمضان أفضل شهور السنة، وجعل الليالى العشر الأخيرة من هذا الشهر الفضيل أشرف ليالى السنة، وجعل أشرفها على الإطلاق ليلة القدر التى جعلها الله تعالى خيراً من ألف شهر.

ومن بعد رمضان يأتى فضل أشهر الحج، ومن بعدها تأتى بقية الأشهر الحرم، ومن الأيام جعل ربنا تبارك وتعالى أشرفها العشرة أيام الأولى من شهر ذى الحجة، وجعل أشرفها على الإطلاق يوم عرفة، وفى ذلك يروى عن جابر رضى الله عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ: ما من أيام عند الله أفضل من عشر ذى الحجة، فقال رجل: هن أفضل، أم عدتهن جهادا فى سبيل الله؟ قال ﷺ: هن أفضل من عدتهن جهاداً فى سبيل الله، وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا، فيباهى بأهل الأرض أهلَ السماء فيقول: انظروا إلى عبادي، جاءونى شُعْثاً غُبْرا ضاحين . جاءوا من كل فج عميق، يرجون رحمتى ولم يروا عذابي، فلم يُرَ يوم أكثر عتيقاً من النار من يوم عرفة. (رواه أبو يعلي، والبزار، وابن خزيمة، وابن حبان، واللفظ له)، ولذلك كان الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم.

ومن تفضيل الأماكن، فضل ربنا تبارك وتعالى مكة المكرمة وحرمها الشريف على جميع بقاع الأرض، ومن بعدها فضَّل مدينة رسول الله ﷺ ومن بعدها فضَّل بيت المقدس، كما جاء فى العديد من أحاديث رسول الله صلوات الله وسلامه عليه فإذا اجتمع فضل المكان وفضل الزمان، تضاعفت البركات والأجور إن شاء الله.

ومن هنا كان من حِكَم فريضة الحج بالإضافة إلى كونها طاعة للأمر الإلهى تعريض كل مسلم، بالغ، عاقل، حر، مستطيع ذكراً كان أو أنثى، ولو لمرة واحدة فى العمر لبركة أشرف بقاع الأرض   الحرم المكى الشريف فى بركة أشرف أيام السنة الأيام العشرة الأولى من ذى الحجة ولذلك قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾ (آل عمران).97:

وقال المصطفى ﷺ: هذا البيت دعامة الإسلام، فمن خرج يؤم هذا البيت من حاج أو معتمر، كان مضموناً على الله، إن قبضه أن يدخله الجنة، وإن ردَّه، ردَّه بأجر وغنيمة.

وروى كلٌ من الإمامين البخارى ومسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ: العمرة إلى العمرة كفَّارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.(أخرجه الإمامان البخارى ومسلم).

وروى كلٌ من الإمامين الترمذى والنسائى عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ: تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفى الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة.

ثانياً: تذكير الحاج بمرحلية الحياة، وبحتمية الرجوع إلى الله تعالى: على الرغم من حقيقة الموت الذى كتبه الله تعالى على جميع خلقه والذى يشهده أو يسمع به كل حى فى كل لحظة، وعلى الرغم من إيماننا نحن معشر المسلمين بحتمية البعث والحساب والجزاء، ثم الخلود فى الحياة القادمة، إما فى الجنة أبداً أو فى النار أبداً، وهى من الأصول الإسلامية التى أكدها القرآن الكريم وروتها أحاديث خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ فإن دوامة الحياة ومشاغلها تكاد تنسى الناس هذه الحقائق التى هى من صلب الدين، وفى ذلك يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ﴾ (آل عمران: 581).

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء:53).

﴿الَّذِى خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ (الملك:2).

وعلى الرغم من أن الموت ليس انتهاء إلى العدم المحض والفناء التام؛ لأن الروح لا تبلى، بل تصعد إلى بارئها، ويبلى الجسد ويتحلل، وتبقى منه فضلة يعاد بعثه منها وهي عجب الذنب كما سماها رسول الله ﷺ فإن الموت يبقى مصيبة كما سماه القرآن الكريم ويبقى الأخطر من مصيبة الموت غفلة الناس عنه، وإعراضهم عن ذكره، وقلة تفكرهم فيه، وانصرافهم عن العمل له، وانشغالهم بالدنيا حتى أنستهم إياه أو كادت.

وهنا تأتى شعيرة الحج لتخرج الناس من دوامة الحياة ولو لفترة قصيرة وتذكرهم بحتمية العودة إلى الله تعالى.

ثالثاً: الاستفادة بهذا المؤتمر الدولى الأول فى تاريخ البشرية لمناقشة قضايا المسلمين بخاصة وقضايا الإنسانية بصفة عامة: فالحج هو صورة من صور المؤتمرات الدولية، فهو مؤتمر جامع للمسلمين من مختلف بقاع الأرض، يجدون فيه توحَّدهم فى عبادة إله واحد، لا شريك له فى ملكه، ولا منازع له فى سلطانه، ولا شبيه له من خلقه، ويتوحدون إلى قبلة واحدة، هى تلك البقعة المباركة التى بُنِيَت الكعبة عليها، ويتوحَّدون تحت راية القرآن الكريم الذى يقول عنه ربنا تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:9).

ويتوحدون تحت لواء خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين وفى نور هديه وسنته، فتتلاشى فى نور الإسلام العظيم كل فوارق العرق، واللون، واللغة، والوطن، ويتجسد معنى الأخوة الإسلامية فى الله ولله، وهو من أعظم عناصر القوة فى زمن التكتلات الذى نعيشه.

فما أحرى حكام الدول الإسلامية، ومستشاريهم، وعلمائهم، وأصحاب القرار فيهم أن يحرصوا على المشاركة فى هذا المؤتمر الإسلامى الدولى مشاركة فعالة، يناقشون فيها مشاكلهم ومشاكل دولهم، ويتدارسون وسائل التعاون فى مختلف أنشطة حياتهم تمهيداً لتحقيق الوحدة الكاملة بينهم ولو على مراحل متدرجة مدروسة متخذين من تجربة الوحدة الأوروبية نموذجاً تطبيقياً لعملية التوحيد مع فارق الدوافع هنا وهنالك.

وما أحرى علماء الأمة الإسلامية، ومفكريها، وقادة الرأى من بين أبنائها، وإعلامييها أن يحرصوا على المشاركة فى اجتماعات الحج، قبل أو بعد أداء المناسك، أو فى أيام التشريق لمناقشة أهم القضايا الشرعية والعلمية والإعلامية المختلفة التى تهم الأمة الإسلامية .

وما أحرى رجال الأعمال المسلمين أن يستغلوا فرصة الحج لمزيد من التعارف والتعاون والتكامل فيما بينهم، حتى تتوحد الأمة وتترابط فى جسد واحد، ويبقى الحج بعد ذلك أعظم المؤتمرات الدولية للتعارف بين المسلمين، وتبادل الآراء والخبرات، والتشاور، والتنسيق، والتخطيط فى مواجهة كل أمورهم ومشاكلهم وتحدياتهم ومختلف قضاياهم؛ وذلك من أجل تحقيق التكامل الاقتصادي، والإداري، والإعلامي، والسياسى بينهم حتى ينتهى ذلك بوحدة كاملة على أسس راسخة مدروسة.

وكون ذلك يتم فى جو من الروحانية العالية، والعبادة الخالصة، والقرب من الله تعالى والذكر الدائم لجلاله فى أشرف بقاع الأرض وأشرف أيام السنة، يجعل من دواعى نجاح ذلك المؤتمر السنوى ما لا يمكن توافره لمؤتمر سواه، ولذلك قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَأَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ. ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ. ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ (الحج:62-03).

والمنافع التى يشهدها حُجَّاج بيت الله الحرام كثيرة جداً لو أحسن المسلمون الاستفادة بهذه العبادة المباركة التى تتم فى أكثر بقاع الأرض بركة عند أول بيت وضع للناس، وفى أفضل أيام السنة على الإطلاق وهى العشر الأوائل من ذى الحجة.

ويخالط هذه العبادة الجليلة شيء من التعارف، والتواصل، والتعاون، والتنسيق والتكامل على مستوى الأفراد والمؤسسات والحكومات، وعلى ذلك فالحج فريضة تلتقى فيها الدنيا والآخرة، كما يلتقى فيها أول النبوة بخاتمها، وتلتقى فيها مسيرة النبوة والرسالة السماوية، بل ومسيرة البشرية كلها عبر التاريخ.

فأصحاب الدعوة إلى الله، وزعماء الإصلاح فى العالم الإسلامى يجدون فى موسم الحج فرصة ذهبية لعرض أفكارهم على الناس، وأصحاب كلٍ من الزراعة والصناعة والتجارة يجدونها فرصة كذلك لعقد الصفقات أو لترويج ما معهم من منتجات تحمل إلى هذا المكان الطيب الطاهر من مختلف بقاع الأرض، فتحوِّله إلى سوق عالمى سنوى فى ظل القيام بأداء شعائر الله، والعمل على ترسيخ دينه فى الأرض، ولذلك قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (الحج:48).

وإقبال الحجيج لأداء هذه الشعيرة من مختلف بقاع الأرض شهادة للقرآن الكريم بأنه كلام الله، وشهادة للنبى الخاتم بالنبوة وبالرسالة.

وفصلِ اللهم وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.    

بقلم: أ.د. زغلول النجار