الحج‮.. ‬قيم ومبادئ

الحج‮.. ‬قيم ومبادئ

بقلم: أ.د. محمد المختار محمد المهدى

الرئيس العام السابق للجمعية الشرعية عضو هيئة كبار علماء الأزهر

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد..

فمن كل أصقاع العالم تنساب الوفود المؤمنة إلى بيت الله الحرام؛ إذ بأداء ركن الحج على ما ينبغى يتم إسلام المرء المستطيع ويعود طاهرا كما ولدته أمه، حيث تتمثل فيه أسرار وحكم ويذكرنا بالمبادئ الكبرى التى بنى عليها هذا الدين.

فالدين لا بد أن يكون خالصا لله رب العالمين والأمر بالحج يتضمن هذا الإخلاص، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (البقرة: ٦٩١).

ويتمثل هذا الأمر أولا فى تحصيل نفقات الحج مما لا شبهة فيه ولا حرمة، ويبدأ مناسكه بخلع ملابسه وزينته الدنيوية متذكرا بملابس الإحرام يوم الحشر والنشور ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ (الأنعام: ٤٩).

ويستدعى هذا الإخلاص أن يقبل المرء على تنفيذ أمر الله ولو كان على ولده أو نفسه أو ماله، فهو عندما يرمى الجمرات يتذكر موقف الخليل إبراهيم حينما أمر بذبح ولده الوحيد فأسرع إلى التنفيذ وأسرع ابنه أيضا إلى ذلك، وجزاهم الله عن هذا الموقف بذبح عظيم.

كما يتمثل فى أداء المسلم للطاعات وهو وجل من عدم قبولها فإبراهيم وإسماعيل حينما كانا يرفعان قواعد البيت كانا يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ (البقرة: ٧٢١).

ويتساءل المرء عن تلك الخطيئة التى يتوب منها إبراهيم وإسماعيل مع أنهما يقومان بأشرف مهمة على وجه الأرض؟! لكنها الرهبة والخشية من الله عز وجل فى أوج عظمتها، وكانا قدوة لأولئك الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون.

هكذا يعلمنا الحج كيف يكون الإخلاص والتجرد لله عز وجل والتغلب على الهوى ومطالب النفس الأمارة بالسوء، فإذا انتقلنا إلى شعائر الحج الأخرى وجدنا مع الإخلاص الوحدة وإحساس كل مسلم بأخيه، فهم جميعا يطوفون حول بيت واحد يتجهون إليه فى صلاتهم؛ يوحد أهدافهم ويحصر أعمالهم فى إطار ما شرع الله فهم دائما طائفون بالبيت العتيق بأجسامهم أو بأرواحهم أو بتصريف طاقاتهم، وحين يطوفون يصلون خلف مقام إبراهيم يتذكرونه حينما كان يرفع البيت، ويأتى السعى ليعلم المسلم بما فعلته أمه هاجر أن السعى سبب لا يعتمد عليه إنما المعتمد على المسبب سبحانه؛ إذ رزق الرضيع ماء زمزم من غير سعى وقامت هاجر بواجبها فى السعي، فعلى المرء أن يسعى وليس عليه إدراك النجاح فالنتائج بيد الله وحده.

ثم يأتي يوم عرفات يوم تتجمع وفود الحجيج من كل فج عميق؛ لغاتهم مختلفة وألوانهم متعددة لكن شعارهم واحد "لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك" يرفعون أيديهم إلى السماء بالدعاء ويطمعون فى مغفرة الله ورضوانه، يشعرون بالأخوة والغبطة وتمتلئ نفوسهم بالأمل فى أن يعودوا إلى بلادهم حجاجًا بررة ليس لهم جزاء إلا الجنة، وفى طريقهم إلى مكة يرجمون الشيطان وحِيَلَه، ويستدعون عداوته لكل المتقين من آدم إلى إبراهيم وإسماعيل وللمسلمين إلى يوم الدين ليحذروا من ألاعيبه فى صرفهم عن عبادة ربهم فيكبرون الله ويذبحون الهدى تشبها بما فعله شيخ الأنبياء شكرا لله على نعمه التى لا تحصى..

هذا هو الحج.. إخلاص فى العبادة ونقاء فى السريرة، وطهارة فى جمع الأموال، وتلبية لما أمر به الرحمن، ووحدة تجمع شتات الأمة، واعتماد على الله مع السعى والعمل وإخبات وتبتل إلى رب العزة أن يغفر الذنب ويستر العيب.

إنها رحلة مختصرة نراها فى الدنيا تحاكى ما سيحدث فى الآخرة يوم الحشر العظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين.

وفى رحلة الحج يستحب أن يسعد الإنسان نفسه بزيارة المسجد النبوي الذى بنى على التقوى فانتشر منه نور الله فى الآفاق، وبدأت فيه دولة الإسلام عزيزة قوية مرهوبة فتخرَّج فيها نوابغ فى العلم وأبطال فى القتال وزعماء فى السياسة والاجتماع وعم الأمن والاستقرار حتى نام عمر بدون حراسة تحت شجرة وزاره مندوب من الغرب فتعجب وقال: "عدلت فأمنت فنمت يا عمر".

هذه مبادئ وقيم سادت فى عهد النبوة والصحابة.. فهل لها الآن هذا الوهج وتلك البهجة؟ وهل صفت نفوس الأمة وأخلصت وتوحدت كما علمتنا فريضة الحج؟ حتى نطمع فى نصر الله. رزقنا الله وإياكم حسن العمل، وحقق لنا ما نرجوه من أمل.. إنه ولى ذلك والقادر عليه.   ▪