فريضة الحج وفروض الكفايات

فريضة الحج وفروض الكفايات

بقلم: أ.د. عبد الفتاح البربرى

الرئيس العام للجمعية الشرعية - الأستاذ بجامعة الأزهر

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.

فإن أول مسجد وضع فى الأرض هو المسجد الحرام، وقد فرض الله علينا الحج إليه، وجعله ركنًا من أركان الإسلام، قال جل جلاله: ﴿إن أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (آل عمران :96).

ويقول المصطفى عليه الصلاة والسلام:" بنى الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان . (صحيح البخاري).

والحج من أفضل الأعمال التى يتقرب بها المؤمن إلى الله تعالى فقد سئل النبى ﷺ: أى العمل أفضل؟ قال: "إيمانٌ بالله ورسوله"، قيل: ثم ماذا؟، قال: "الجهاد فى سبيل الله"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرورٌ"(صحيح مسلم).

والحاج من ضيوف الرحمن، وحقٌّ على المزور أن يكرم زائره، والله تعالى أكرم الأكرمين، ورازق الخلق أجمعين، وعنده خزائن السماوات والأرض، ولا واهبَ ولا مانحَ ولا معطى سواه، ولله در القائل:

أمسيت ضيف الله فى دار الرضا * وعلى الكريم كرامة الضيفان

بات الملوك منعمين بســـــاحهم* كيف المبيت بساحة الرحمن؟

هو من إذا وقف المسىء ببابـه * ستر القبيح وجاد بالإحســان

والدليل على أن الحاج من ضيوف الرحمن قول رسول الله ﷺ فيما رواه عبد الله بن عمر رضى الله عنهما:" الْغَازِى فِى سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْحَاجُّ، وَالْمُعْتَمِرُ، وَفْدُ اللَّهِ، دَعَاهُمْ، فَأَجَابُوهُ، وَسَأَلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ" (ابن ماجه).

دعاهم فأجابوه.. دعاهم عن طريق خليله إبراهيم عليه السلام: ﴿وَأَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (الحج 27)، وعن طريق حبيبه سيد المرسلين فى وحيه الذى أنزله على قلبه ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. (آل عمران 97).

دعاهم فسمعوا الدعاء، ولبوا النداء: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمدَ، والنعمةَ، لك والملك، لا شريك لك.

لبيــــــك اللهــــــم لبيــــك * لبيــــــك ربَّ العـــــــــــزة

لبيــــــك غافــــــرَ زلتــــى * لبيــــــك قابـــــلَ توبتــى

لبيــــــك غاســــلَ حوبتى * لبيــــــك ســـــاترَ عورتى

لبيــــــك كاشــــفَ كربتى * لبيك من روحى لبيك من قلبى

لبيك من عقلى ومن وجـــــدانى * أنا عنـــــد بابك تائب مستـغفـر

والقلب يسبق فى الدعاء لسانى * أنا لا أضام وفى رحابك عصمتى

أنا لا أخـــاف وفى حماك أمانى * أنا إن ضعفت فأنت مصدر قوتى

أنا إن نسيت فأنت لا تنسانــــى * أنا شاكر والشكر ملء سريـرتى

يا خالقى والحمد ملء كيانــــى

   ومن نفحات الحج وبركاته، وتجلياته وإشراقاته، أن الحاج الذى أخلص لله حجه, وفوض إلى الله أمره، وأسلم إلى الله وجهه، ليغفر له ذنبه، ويفرج عنه كربه, ويستر له عيبه، ويثبت على الصراط قدمه، لأنه قصد بحجه وجه الله، ولم يرفث ولم يفسق، ولم يرتكب من المعاصى ما يغضب عليه مولاه، وكان حجه من حلالٍ يقبله الله، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه.

هكذا يبشرنا البشير النذير والسراج المنير ﷺ، يبشر حجاج بيت الله الحرام فيقول: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه"   (صحيح البخاري).

ولما كان للحج هذا الأجر العظيم، وهذا الثواب الجزيل، وجب على المستطيع ألا يؤجله، حتى لا تحدث أمور قد تمنعه من أدائه، وتحرمه من عظيم جزائه، وكريم عطائه، ولذلك قال ﷺ :" تعجلوا إلى الحج "، يعنى الفريضة " فإن أحدكم لا يدرى ما يعرض له"، وقال: "من أَرَادَ الْحَج فَليَتَعَجَّل، فإنه قد يمرض الْمَرِيض، وَتضِل الضَّالة, وَتعرض الْحَاجة" (ابن ماجه).

ومن رحمة الله عز وجل بعباده أنه فرض الحج مرة واحدة فى العمر كله.. يقول أبو هريرة رضى الله عنه: " خطبنا رسول الله ﷺ، فقال: "يا أيها الناس، إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا"، فقال رجل – جاء فى سنن النسائى أنه الأقرع بن حابس التميمى - : أكل عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله ﷺ: "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم"، ثم قال: "ذرونى ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شىء فدعوه" (صحيح مسلم).

لم يقل: (نعم) صلوات ربى وتسليماته عليه، رفقًا بنا، وشفقة علينا.

أليس الرحمة المهداة؟

أليس النعمة المسداة؟

أليس صاحب القلب الرحيم؟

أليس صاحب الخلق العظيم؟

أليس الذى قال له العزيز الحكيم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم :4)؟

أليس الذى قال له الرحمن الرحيم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾؟(الأنبياء 107).

جل الذى بعث الرســـــول رحيما * ليرد عنا فى المعـــــــاد جحيما

هو صاحب القلب الرحيم هو الذى * أضحى على المولى الكريم كريما

قال الأقرع بن حابس: أكل عام يا رسول الله ؟

أى : أنكرر الحج يا رسول الله ؟

فلم يرد عليه الصلاة والسلام رحمة بأمته، لأنه يعلم أن فى الأمة يتيمًا، ويعلم أن فى الأمة فقيرًا، ويعلم أن فى الأمة مسكينًا, ويعلم أن فى الأمة جائعًا، ويعلم أن فى الأمة عاريًا، هؤلاء جميعًا أولى بنفقة حجك المتكرر يا مؤمن، وأفضل لك فى الأجر والثواب عند الله تعالى.

لأنك إذا كفلت يتيمًا جائعًا، أو فقيرًا جائعًا، أو كسوت جسدًا عاريًا، أو عالجت مريضًا عاجزًا، أو زوجت فتاة فقيرة، فسترت عرضها، وحصنت أمرها، وحفظت لها دينها، وشرفها وعزتها، وعفتها، وكرامتها، فقد قمت بفرض من فروض الكفاية، والفرض عند الله عز وجل أفضل من النوافل، بدليل ما جاء فى الحديث القدسى الذى ذكره صحيح البخارى عن أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ عن رب العزة قال:"وَمَا تَقَرَّبَ إِلَى عَبْدِى بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَى مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ"(البخارى).

ولذلك تقوم الجمعية الشرعية بالاهتمام بفروض الكفايات، وهذا ما يقتضيه فقه الواقع، وفقه الأولويات فى شرع بارئ الأرض والسماوات.

أنت أيها الحبيب ..

يا من تعلق قلبك - وقلوبنا جميعًا معلقة - ببيت الله الحرام وبروضة الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام.

ماذا نريد من حجنا المتكرر؟

نريد بلا شك التقرب إلى الله تعالى.

إذاً، فلنتقرب إلى الله بما شرع الله.

أنت لا تعبد هواك.. وإنما تعبد مولاك.

فَقَدِّم مراد الله على مرادك.

فَرِّج بنفقة حجك المتكرر كرب المكروبين، واكفل اليتامى والمحرومين، وأَدِّ الدين عن المدينين، وفك أسرى المأسورين، وعالج المرضى غير القادرين، وجفف دموع البائسين، يعظم أجرك عند الله رب العالمين، لأنك تقربت إليه بما هو أحب إليه، أى بفرض من الفروض، فما تقرب إليه عبده بشىء أحب إليه مما افترض عليه.

ولا يقول أحدنا: إننى أخرجت زكاة مالي، ومن ثَمَّ فلا جناح عليَّ، ولا حرج عليّ، لا ينبغى لأحد أن يقول ذلك لأن فى المال حقا سوى الزكاة.

والأدلة على ذلك كثيرة منها:

قول الله تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الروم 38) .

وقوله جل شأنه: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِى الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ (البقرة 177)، فعن فاطمة بنت قيس قالت : قال رسول الله ﷺ:" فى المال حق سوى الزكاة " ثم قرأ: ﴿لَيسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِى الرِّقَابِ﴾ (رواه ابن ماجه والترمذى.

وقوله جل جلاله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (المزمل 20)، قال ابن عباس رضى الله عنهما: "يريد سائر الصدقات سوى الزكاة" (تفسير الخازن وصفوة التفاسير) .

وروى ابن أبى شيبة فى مصنفه عن ابن أبى حيان قال: حدثنى مزاحم بن زُفر قال: كنت جالسًا عند عطاء، فأتاه أعرابي، فسأله: إن لى إبلا فهل على فيها حق بعد الصدقة؟ قال: نعم .

كما رَوَى عن قَزَعَة بن يحيى قال: قلت لابن عمر: إن لى مالا، فما تأمرني؟ إلى من أدفع الزكاة؟ قال: ادفعها إلى ولى القوم، ولكن فى مالك حق سوى ذلك يا قَزَعَة، (مصنف ابن أبى شيبة).

وعن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "ما آمن بى من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به" (الطبرانى فى الكبير).

فمن الأدلة السابقة يتبين بوضوح أن فى المال حقا سوى الزكاة .

ولذلك نجد فى القرآن: ﴿وَالَّذِينَ فِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ. لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعارج:24-25) هذا فى الزكاة، كما ذهب إليه جمهور المفسرين .

وفى سورة الذاريات ﴿وَفِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾، (الذاريات: 19)، هذا فى غير الزكاة كما رُوِى عن ابن عباس رضى الله عنهما، وغيره من المفسرين, (صفوة التفاسير).

وهذا يثبت أن فى المال حقا سوى الزكاة، والضرورى منه يدخل - بلا شك - فى فروض الكفايات.

فكما لبَّيت يا مؤمن نداء ربك سبحانه، فحججت حج الفريضة إلى بيت الله الحرام، فَلْتُلَبّ كذلك نداء ربك فى الإنفاق على الفقراء والأيتام .

لب نداء مولاك، الذى أطعمك وسقاك، وأعطاك وأغناك، لب نداءه الذى قال فيه : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِى يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ..﴾ (البقرة 254)، والذى قــــال فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِى حَمِيدٌ﴾ (البقرة 267) .

وحسبك أن الله تعالى قال لك فى حديثه القدسى الجليل: "أنفق أنفق عليك"( صحيح البخارى) .

ويبشرك سيد الأنبياء ﷺ، بملكين ينزلان من السماء، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا" (صحيح مسلم).

وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال رسول الله ﷺ:"أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله ؟ " قالوا يا رسول الله، ما منا أحد إلا مالُهُ أحب إليه، قال :" فإن ماله ماقدم، ومال وارثه ما أخر" (مختصر صحيح البخاري)، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (المزمل 20) .

وعندما تستخدم أيها المؤمن مالك فى فروض الكفايات، فترفع الهم عن المهمومين, وتفرج الكرب عن المكروبين، فتلك تجارة لن تبور، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَن تَبُورَ﴾ (فاطر 29).

وكيف تبور تجارةٌ ؟ الله عز وجل فيها هو المشتري، وأنت البائع ؟ والثمن هو الجنة ؟ قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة111) .

ولعلك تنجو بفروض الكفايات هذه - والتى هى من فقه الأولويات - من الفزع الأكبر يوم القيامة، لأنك أحسنت فأعطاك الله الحسنى، وأبعدك عن النار وأهوالها، قال تعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِى مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (الأنبياء101- 103)، ويقول سبحانه: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُم مِّنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ (النمل 89), ويقول جل شأنه: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة 274), ويقول جل من قائل: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ (الإنسان 7-12) .

ومن الأدلة على أن الإنفاق على المحتاجين فرض من فروض الكفايات، - بالإضافة إلى ما سبق - ما ورد عن على بن أبى طالب رضى الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ: "إن الله فرض على أغنياء المسلمين فى أموالهم بقدر الذى يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا وعروا إلا بما يضيع أغنياؤهم، ألا وإن الله يحاسبهم حسابا شديدا، أو يعذبهم عذابا أليما، (الطبرانى فى الصغير والأوسط) .

فقوله ﷺ فى هذا الحديث : "فرض" إشارة إلى أن ما يعطيه الغنى للفقير ليس مِنّةً يمتن بها عليه، وإنما هو حق الفقير الذى فرضه الله عليه فى ماله، وما الغنى إلا مستخلف على هذا المال، كما قال تعالى فى سورة الحديد: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الحديد 7)

وقول رسول الله ﷺ" فى أموالهم " مع أن العطاء لا يقتصر على الأموال، لأن المال عصب الحياة وعمودها الذى عليه تقوم، وبه تنهض وتستقر، وبكثرته أو بقلته يقاس غنى المرء ويساره، أو فقره وإعساره، ولأن الغنى إذا جاد بماله كان جوده بغيره أولى .

وهكذا جاء هذا التعبير النبوى الكريم ليحسم به رسول الله ﷺ تلك القضية الاجتماعية المثارة فى كل زمان ومكان، والموجودة حيث يوجد إنسان، وهى مسئولية القوى عن الضعيف، ومسئولية الغنى عن الفقير، وهى مسئولية واضحة الأركان، محددة المعالم فى الإسلام، إذا أُديت على وجها الأكمل، فلن يضيع فى مجتمع الإسلام عضو، ولن يهمل فيه إنسان.

أما إذا كابدت الفئات الفقيرة وعانت، وتقلبت فى شظف العيش وقاست، فإن المسئولية تقع كاملة على كاهل القادرين الموسرين الذين تقاعسوا عن أداء ما فرض الله عليهم من حقوق .

وقوله ﷺ:" ألا وإن الله يحاسبهم حسابا شديدًا أو يعذبهم عذابا أليما" فيه وعيد شديد توعد الله به من عصى أمره، وجحد فى مال الله حقه .

وأوثر هذا التعبير مبالغة فى الزجر والتخويف، لهؤلاء الذين يخالفون أمر الله فيما آتاهم، فيمنعونه من أهله وذويه، ويحرمون منه أصحاب الحق فيه ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور 63) .

إذاً، اتضح تماما أن حمل هم الأمة، وإعانة ذوى الحاجات، وتفريج الكربات، وغير ذلك من فروض الكفايات، أفضل عند الله ثوابا، وأعظم أجرا من النوافل فى كل المجالات .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين.   ▪