تَجَلِّيَات رَمَضَان فِـى سَـائـِر الـزَّمَــان

تَجَلِّيَات رَمَضَان فِـى سَـائـِر الـزَّمَــان

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.

فى رمضان أنزل الله القرآن، ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة:185)، وببركة رمضان ينتصر الإيمان، ويُخذل الشيطان، ويكثر الخير، ويقل الشر، ويعلو الحق، ويزهق الباطل، ويعز الهدى، ويتهاوى الضلال، وتنتشر الفضائل، وتتوارى الرذائل.

فما ترسخ فى رمضان من تجليات إيمانية يستمر العام كله فى حياة الأمة، حيث تسود الرحمة والتسامح، ويروج العفو والتصالح، ويشيع التواد والتآلف، ويعم التحاب والتكاتف، ويتحقق التواصل والتكامل، ويتنامى التعاون والتلاحم، ويزكو البِر فى البلاد، ويرسخ الخير فى قلوب العباد.

فبسبب الشهر الفضيل وما نزل فيه من القرآن العظيم تنتصر القيم، وتعلو الهمم، ويقبل كلٌ على عمله، بتفان ومحبة، وجد وإخلاص، ودقة وإتقان، وأمانة وإحسان، مهما كان ذلك العمل متعبا، ومهما كانت المعاناة فيه، تماما كما كان ذلك المؤمن يسعد بالصيام مهما كانت مشقاته، وتهنأ به نفسه، مهما كانت صعوباته، بل تستعذب وتتلذذ بتلك المشقات والصعوبات، وحرمان النفس من المتع والشهوات، ابتغاء مرضاة بارئ الأرض والسماوات.

لقد تدرب المؤمن -عمليًا- بالصيام على مراقبة الله عزوجل، فهو يعمل ويعبد الله تعالى كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه، كما بين ذلك رسول الله ﷺ فى إجابته عن أسئلة جبريل عليه السلام (مختصر صحيح البخارى).

لقد كان وهو صائم يحافظ على صيام يومه، وهو جائع وعطشان، والطعام والشراب أمامه، ولا أحد من البشر يراه، غير أنه يدرك أن الله تعالى عليه حسيب، وعلى حركاته وسكناته وخلجات نفسه رقيب، فهو سبحانه يعلم الظاهر والمستور، ويعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور.

هو من يرى مد البعوض جناحه *** فى ظلمة الليل البهيم الأليل

ويرى نياط عروقها فى نحرها *** والمخ فى تلك العظام النحل

ويرى ويسمع ما يرى ما دونها *** فى قاع بحر زاخر متجندل

إن المؤمن يعرف أن خالقه يعلم السر وأخفى، يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان، كيف كان يكون ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾؟ (الملك:14).

ويترسخ هذا الشعور الإيمانى كنفحة من نفحات الصيام، فالصائم يشعر أنه فى رحاب الرحيم الرحمان، لأن الصوم سر بينه وبين ربه، فلا أحد يعرف أنه صائم سوى مولاه، فيخلص له الصوم ويخشاه، راجيا أن يكون ممن التزم بطاعته وتقواه، وممن سلك سبيل نبيه ومصطفاه، طلبا لعفوه وهداه، ونوره وضياه، وحبه ورضاه .

اطلب بطاعته رضاه فإنه *** بالجود يعطى المتقين رضاه

فالدين دين الله وهو المرتجى *** للسائلين يجيب مـــن نــاداه

ينتصر الإيمان فى صدر الصائم، ويرقى به إلى درجة استشعار العزة فى الخضوع لله، واستعذاب التذلل أمام عظمته، بالخضوع لشريعته، والامتثال لأوامره، واجتناب نواهيه، طلبا لمغفرته، وسعيا إلى جنته .

أجل، بالصوم يقوى الإحساس بالعزة فى قلب المؤمن، ويشعر أنه فى حال قرب من ربه، يرجو ثوابه، ويخاف عقابه، فيردد بقلبه ووجدانه، قبل فمه ولسانه:

إلهى أنت ذو عف ومنّ   *** وإنى ذو خطايا فاعف عنى

يظن الناس بى خيــرا وإني *** لشر الخلق إن لم تعف عني

وظنى فيك ياربى جميــــــــل  *** فحقق يا إلهى حســـن ظنى

على باب الكريم وقفت أرجو *** عطاياه التى من غيـــــر منّ

كريم شأنه ستر الخطــــايا *** وشأنى أن يكون الذنب منى

أسلمت نفسى إليك، وجهت وجهى إليك، فوضت أمرى إليك، ألجأت ظهرى إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، وقفت على بابك، وتشبثت بأعتابك، ولذت بجنابك، فلا تطردنى من رحابك، ونجنى يا رب من عذابك .

إذا أبعدتنى فبمن أكون؟ *** ومن أرجو سواك وأستعين؟

أيا رباه كن عونى فإنى *** سجين بين آثامى رهيـــــن

وبعض العفو منك يقى حياتى *** وأنت لما أُرجّيــــــــه معين

وحبل الناس مهــما كـان رثٌّ *** وحبل الله والتقـــــوى متين

بالصيام تعلو درجة الإيمان، لا فى رمضان فقط بل على مدار العام كله، فينتصر المؤمن على دواعى الضعف ووساوس الشيطان، ويزداد بالله يقينه، ويشرق بالإيمان قلبه، ويشتد قربه من ربه، فيشعر أنه فى معيته، يكلؤه برعايته، ويحوطه بحمايته، ويحفظه بعنايته، فيشعر أنه فى رحابه يحيا، وفى معيته يعيش، ولذلك لا يتوجه إلى إليه، ولا يتعلق قلبه إلا به، ولسان حاله يقول:

لغيرك ما مددت يــدا *** وغيرك لا يفيض نــدى

وليس يضيق بابك بى *** فكيف ترد من قصدا؟

إن الإيمان ينتصر فى رمضان وفى سائر الأيام، ما دام المؤمن قد أخلص الصيام، إيمانًا واحتسابًا للواحد الديان، فيصبح المؤمن بهذا السمو الإيمانى قوة بانية لمجتمعه وأمته، يبنى ولا يهدم، يشيد ولا يقوض، يصلح ولا يفسد، يجمع ولا يفرق، يوحد ولا يبدد، يقوى ولا يضعف، يَعْدل ولا يُجحِف، ييسر ولا يعسر، يبشر ولا ينفر، يحبب ولا يبغض، يسعى إلى الخير، ويحض إليه، ويرغب فيه، ويحرص عليه.

وهكذا يقوى الصوم إيمان المؤمن، ويشحذ عزيمته، ويعلى همته، فيجدّ فى طاعة الله، وفى الاتصاف بمكارم الأخلاق المنبثقة من كتاب الله تعالى، وتخلق بها رسول الله ﷺ، من عفو، وتسامح، وتصالح، وحلم، ومودة، وتواضع، وتعاون مع إخوانه على البر والتقوى، واتجاه صادق إلى إشاعة روح التواد والتحاب فى الله، وما تقتضيه من تغاض وغفران، كما قال ﷺ: "فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إنى امرؤ صائم" (صحيح البخارى)، قطعا لدابر الشر، وتغليبا لروح الخير، ودفعا للسيئة بالتى هى أحسن، وترسيخا لنعمة الألفة، التى أنعم الله بها على عبـــاده، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِى هِى أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِى حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت:34-35)، وقال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: 63)، وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران: 103).

إن الصائم الذى ينتصر على نفسه وهواه، ويعلو على شهوات ومغريات هذه الحياة، فيقوى على الجوع والعطش، ويكبح جماح نفسه فيمنعها عن الكذب والغيبة، والنميمة، وقول الزور، والغدر، والخيانة، وكل ما نهى عنه الله، إيمانا واحتسابا لله، يسهل عليه بروحه الإيمانية العالية، والتى تزداد علوا بالصيام أن ينتصر دائما، فى رمضان وفى غير رمضان، وفى كل مجالات الحياة؛ إعمارًا للأرض، وإعلاء لكلمة الله، بعمل الصالحات، والمبادرة إلى الخيرات، استجابة لقول الله جل وعلا: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (البقرة 148والمائدة 48)، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ﴾ (الأنبياء:90)، ولقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ (الواقعة:10)، ولقوله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ (الصافات: 61) ولقوله تعالى: ﴿وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين:26).  

ومن مظاهر انتصار الإيمان، وانتصار الخير، وانتصار الحق بسبب الشهر المبارك، أن كثيرًا من إنجازات الأمة، وفتوحاتها، ومشروعاتها الحيوية الضخمة، تمت بفضل الله تعالى فى رمضان، ومن ثَم فى غيره، فهو شهر غرث فى قلب المؤمن روح الحيوية والنشاط، والبذل والعطاء، والتضحية والفداء، والعمل والإنجاز، لأن الصيام يضاعف الإيمان فى قلوب المؤمنين، ويشحذ همم الموحدين، فيزيد نشاطهم، ويقوى حماسهم، ويصبحون أكثر حرصًا على العمل والكفاح، والعطاء والنضال، ومن يتأمل سورة البقرة يجد أن آيات الجهاد جاءت بعد آيات الصيام، مما يعنى أن الصيام الذى هو فى حقيقته جهاد للنفس إعداد للجهاد فى سبيل الله، ودافع إليه، ومشجع عليه.

ومما يبرهن على ذلك أن معظم الفتوحات والانتصارات والإنجازات العظيمة فى حياة الأمة تمت فى رمضان، ومن ذلك.

غزوة بدر الكبرى، وفتح مكة، وغزوة تبوك، وجزيرة رودس، والأندلس، ومعركة حطين، وموقعة عين جالوت، وغيرها وغيرها، ولن ننسى العاشر من رمضان 1393هـ السادس من أكتوبر 1973م، الذى نصر الله تعالى فيه الإيمان، وأخزى أهل الشر والطغيان.

فكان رمضان - وسيظل إن شاء الله تعالى - بنزول القرآن فيه، مصدر نصر وعزة - ليس فيه فقط بل فى شهور السنة جميعها، وعلى مدى التاريخ كله - مضيئا للأمة طريقها، مقويا إيمانها، ملهبا حماستها، معليا عزيمتها، شاحذا همتها، حتى تستعيد بحول الله مجدها وعزتها، "وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ" (المنافقون: 8).

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين.   ▪

بقلم: أ.د. عبد الفتاح البربرى - الرئيس العام للجمعية الشرعية - الأستاذ بجامعة الأزهر