كيف نقيس مستوى الأخلاق في النفس؟

كيف نقيس مستوى الأخلاق في النفس؟

للأخلاق مكانة سامية في الإسلام – ويكفي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جعلها الغاية من بعثته فقال: " إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ " وفي رواية أخرى (مكارم الأخلاق) البيهقي. ولذلك فمن المهم أن نتعرف على المعيار الذي نقيس به مستوى الأخلاق في أنفسنا.

والسؤال: هل معيار الأخلاق عند الإنسان هو مجرد أدائه للفرائض والنوافل؟

والإجابة: مجرد الأداء وحده لا يكفى, إنما المعيار هل لهذه العبادات تأثير في أخلاقيات ومعاملات العبد أم لا؟ واتل هذه الآيات البينات لتقف على هذه الحقيقة:

قال تعالى:" اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ"( العنكبوت: 45)

وقال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"( البقرة: 183)

وقال أيضًا:" الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ "( البقرة: 197)

وتأمل في هدي المصطفى – صلى الله عليه وسلم: فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه- قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ » سنن أبي داود. وقال رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: « مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله وَاليَومِ الآخرِ، فَلاَ يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَن كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَسْكُتْ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

والسؤال الثاني: هل يمكن قياس الأخلاق بمجرد حفظ نصوص القرآن والسنة؟

حفظ النصوص مُرغبٌ فيه, ولكنه وحده لا يكفى؛ إذ لا قيمة لحفظ النصوص إن لم يتم العمل بها، قال تعالى:" قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِن رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ"( (المائدة: 68), وقال تعالى:" مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ"( الجمعة: 5)

فالمهم هو إقامة قيم هذه النصوص الكريمة من القرآن والسنة في دنيا الناس وواقع الحياة, وليس مجرد حفظها في العقول.

ولذلك اختبر مستوى أخلاقك عند التعرض (لشهوة أو لغضب) فانظر إلى نفسك وقيم نفسك تقييمًا واقعيًا, ثم اجتهد في تعديل السلوك إذا وجدت فيه خللًا.

أولًا: عند التعرض للشهوات: قال تعالى:" زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ" (آل عمران: 14)

ما هو حالك أمام شهوة المال, أمام شهوة المنصب, أمام بريق الإعلام, أو بريق القيادة.. هل أنت ثابت على قيمك أم تتلون, وتخادع, وتمالئ, وغير ذلك من الآفات التي يصاب بها بعض من يتعرض لمثل هذه الشهوات والملذات والمغريات الدنيوية؟

ثانيًا: عند التعرض للغضب: وليس المقصود هو عدم الغضب, فالمسلم عند رؤيته لانتهاك الحرمات لابد أن يغضب وهذا شيء محمود, ولكن المذموم هو سرعة الانفعال وعدم القدرة على كظم الغيظ, وعدم ملك النفس عند الغضب, وفي الحديث: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» أخرجه مسلم.

بقلم فضيلة الأستاذ: مصطفى إسماعيل

الأمين العام للجمعية الشرعية الرئيسية

مقالات ذات صلة