حقّ الوطن على أبنائه

حقّ الوطن على أبنائه

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

ملخص الخطبة:

إنّ شريعة الله تعالى في أرضه -والتي جعلها وسيلة لتحقيق الخير للبشرية كلها- لا تصطدم بحال من الأحوال مع المشاعر الإنسانية والفطرية، والتي منها فطرية حب الأوطان، فالإسلام لا يصطدم مع الوطنية ولا يتعارض معها؛ بل بينهما تعاضد قويّ، صورته أن الإسلام يفرض على أتباعه الحب والتفاني في خدمة الأوطان، والفخر بالانتساب لها -لكن ليس فوق الانتماء للدين- ومن ثمّ فقد سمح الإسلام بأن يحتفظ الذين دخلوا في الإسلام بألقابهم الإقليمية تحت مظلة ورداء الإسلام، كصهيب (الرومي) وسلمان (الفارسي) وبلال (الحبشي) وسعد (الأنصاري) وعبدالرحمن بن عوف (المكي المهاجريّ) والطفيل بن عمرو (الدوسي اليمنيّ) وأبو ذر (الغفاريّ).

ولعظمةِ محبة الوطن في القلوب إذ بالقرآن الكريم يربط بين قتل النفس والإخراج من الوطن وجعلهما في كفّة واحدة لا ينفصلان كما في سورة النساء، في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} [النساء: 66].

والناس في حب الوطن مذاهب وتوجّهات؛ فمنهم من جعل الوطنية شعارًا كلاميًّا لا فعليًّا، ومنهم من اتخذها وسيلة لترويج بضاعته الزائفة، ومنهم من جعل الوطنية درُجًا له للصعود نحو المناصب والسلطات والمسؤوليات.

ولــذا كان لزامًا علينا أن نقف مع الحق العملي لحبّ الوطن، وقد سبق بنا الحديث في الخطبة الماضية عن دور الإسلام في البناء والتعمير، وقلنا من بين الوسائل تجميع الصفوف، وتأليف القلوب، وتوحيد الكلمة من أجل بناء وطن مستقرّ.. واليوم نُفصّل القول في الحديث عن الاصطفاف الوطني بين أبناء الوطن كلّه، دون استثناء..

أولاً: فطرية حبّ الأوطان:

إنّ الوطن للإنسان بيته وحياته، وبمراجعة حياة البشر وغير البشر يلاحَظ أنّ حُبّ الأوطان فطرة مركوزة في المخلوقات؛ فالحيوانات تحنّ إلى أوكارها، والطيور تئنّ إذا غادرت عُشَّها، كذلك الإنسان الذي كرّمه ربُّه يحنّ بحكم الفطرة إلى بلده ووطنه الذي وُلِد فيه ونشأ على أرضه.

ودعونا نستذكر هذا الموقف الرائع للنبي الحبيب صلى الله عليه وسلّم يوم أجبره قومه –حربًا على دعوته- على ترك الوطن الذي تربّى فيه وعاش على أرضه، ماذا صنع؟

لقد تصرّف بطبيعة الفطرة البشريّة فوقف يتأسّف على خروجه من بلده؛ فعَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءَ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْحَزْوَرَةِ، يَقُولُ: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» قال الإمام الحاكم في المستدرك: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ». فكلامه صلى الله عليه وسلّم ليس بطبيعة النبوّة والرّسالة؛ ولكن بطبيعة البشريّ الذي عاش في أرضه وأحبّهَا وعشق ترابَهَا وحزن لفراقها حزنًا كبيرًا.. فحبّ الوطن فطرة في النفس، والإنسان يتعلق بالأرضِ التي عاش عليها، وأَلِف أهلها؛ لأنها تحمل ذكرياته.

ثانيًا: الإسلام والوطنيّة:

إنّ وجود الوطن في حدّ ذاته نعمة من نعم الله على عباده، كما أنّ العقوبة بالنفي والطرد والتهجير من الوطن عقوبة ونقمة شديدة على الإنسان أيًّا كان!!

إنّ الدين الإسلاميّ لا يستنكر ولا يرفض حب الوطن، وأن يعيش الإنسان محبًّا لبلده؛ بل وجدناه يشجع أيّما تشجيع على حبّ الأوطان ويخلّد ذكر المحبين لأوطانهم؛ فهذا بلال لم يُعرف في تاريخ الإسلام إلا بنسبته إلى وطنه: بلال الحبشي، وصهيب الروميّ، وسلمان الفارسيّ، والطفيل الدوسيّ، فقد ظلّ كل هؤلاء بنسبتهم إلى أوطانه، ظل بلال حبشيًّا، وصهيب روميًّا، وسلمان فارسيًّا، والطفيل دوسيًّا، لكنهم ما نَسَوْا انتماءهم الأساس والأعظم إلى رسالة الإسلام، وما يتعارض هذا مع ذاك، وما طُلِب منهم لإثبات وطنيتهم للبلد الجديد أن يتنازلوا عن جنسيتهم الأصليّة!!

وقد جعل الإسلام حب الأوطان من الإيمان، وإن لم يصح القول: (بأن حب الوطن من الإيمان) إلا أنّ معناه صحيح جدًّا؛ ويؤكّده تطبيق النبي وأصحابه الكرام يوم أُخْرِجُوا من مكة، وهاجروا –قسوةً من أهل مكة، وبحثًا عن أرض جديدة للدعوة- إلى المدينة..

ولقد كان أشد البلاء على النبي وأصحابه الاضطهاد في مكة وترك الوطن الذي عاشوا فيه!!

وقد روى البخاري في صحيحه مما يدلل على مشروعية الشوق للوطن والحنين إليه، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا قدم من سفر فرأى دُرجات المدينة -وطنه الذي ناصره وأيّده- أوضع ناقته، أي أسرع بها. قال ابن حجر في فتح الباري: [فيه دلالة على مشروعية حب الوطن، والحنين إليه].

وإذا كان الإسلام يشجع على حب الوطن؛ فإنّه يوجب الدفاع عن الأوطان، ولذا شُرِع الجهـاد في سبيل الله تعالى؛ دفاعًا عن الدين والأهل والوطن والأرض والعِرْض، وجُعِلَ من مات أو قُتِل في سبيل نُصْرة الحق ونُصرة إسلامه ووطنه شهيدًا في سبيل الله تعالى؛ ففي الحديث، كما عند أحمد في المسند والحديث صحيح «من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد». ولذا فإنّ من جملة الإيمان الدفاع عن الوطن واسترداد الحقوق فيه وله، ففي الحديث أيضًا كما روى أحمد والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله صلى الله عليه وسلم: «من قتل دون مَظْلَمته فهو شهيد» والحديث صحيح.

ثالثًا: مِصْرُنا في القرآن وعبر التاريخ:

وتبقى مصر في قلب الأوطان التي ينبغي أن تُحَبّ؛ فإذا كانت مكة والمدينة من البلاد التي يجب على المسلم أن يحبّها ويشتاق إليها، فإنّ مصرنا بلد الله في أرضه جعلها لنا كمصريين نعيشُ على أرضها، ويؤمّن ساكنها ولو غير مصريّ؛ لما لها من فضل كبير في القرآن الكريم، وفي السنة، وعبر التاريخ البشري القديم والحديث.

فمصر موطن صحابة كُثُر رآهم الناس وعاصروهم في بلادنا.

وهي أرض للأنبياء والصحابة والصالحين سكنوها.

كما أنها بلد العلم والعلماء؛ ففيها الليث والشافعي وغيرهما.

وهي بلد قهرت الغزاة والطامعين والطغاة، فأين الهكسوس، والفراعنة والطغاة السابقين؟!!

وهي بلدٌ نصرت المقدسات والأراضي المغتصبة، فهل تستذكرون صلاح الدين يوم أن حرّر بيت المقدس بعد وحدة الصف المصري والشاميّ، وسيف الدين قطز يوم أن وحّد المصريين تحت راية الجهاد لرد عدوان التتار والمغول؟

كما أنّ مصر هي بلد الأمن والأمان؛ بقول ربنا في شأنها: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [يوسف: 99]. ومصر ليست ترابًا وَطِينًا فحسب؛ بل هي حِمى العقيدة والدّين وتحقيق كرامة الإنسانية...

إنها مصر:

مصر الوارد ذكرها في القرآن الكريم صراحة وتعريضًا مرات عديدة؛ فلم يُذكر اسمها فقط؛ بل ذكر أشخاص منها، وأماكن، وأشياء، وخلافه.. كما عُبر عنها في القرآن بلفظ (الأرض)؛ وما ذلك إلا لعلوّ شأنها ورِفْعة مكانتها...

مصر التي قضى الله فيها على فرعون الطاغية الظالم بالغرق والهلاك..

مصر التي سجنت يوسف عليه السلام، لكنه خرج ليحميها ويدافع عنها ويحقق لها الرخاء والاستقرار..

مصر التي حمت موسى وعيسى وآوت الصالحين والمصلحين دهرًا من الزّمان...

مصر بوابة الانتصار لبيت المقدس وتحرير الأقصى كما حدث في زمن صلاح الدين الأيوبي...

وحبّ مصر الوطن:

ليس كلمات تقال، ولا شعارات تُرفع فحسب؛ بل هي تطبيق وسلوك وعمل..

يقول أهل الأدب: "إذا أردت أن تعرف الرجل: فانظر كيف تحننه إلى أوطانه، وتشوقه إلى إخوانه، وبكاؤه على ما مضى من زمانه"؛ فالوطنية عقيدة فكرية يجب غرسها في نفوس أبنائنا وبناتنا، وليست مجرد مادة تُدَرّس أو احتفالات ومهرجانات تُصنع!! فكيف يكون حبّ الوطن؟ وكيف تُبْنى الأوطان؟ وما هي بعض صور الدفاع عن مصر وأوطان المسلمين؟!!

الاصطفاف فطرة في المخلوقات ومطلب شرعيّ

يعتبر الاصطفاف الوطني لأي شعب ركيزة أساسية للبناء الحضاري والحفاظ على استقرار الوطن وأمنه، وبدونه تختل الموازين وتشرد الأفكار، وتتشتت الجهود، وتضيع الأهداف...

أما كونه فطرة

فبنظرة بسيطة يملؤها التأمّل في عالم الطيور والحشرات والبهائم يكتشف أن من الطيور من يسير في سرب وصف واحد لهم قائد لا يتخطونه، والحشرات كالنمل والنحل لهم قائد وملك حاكم يقودهم لبناء مملكتهم والحفاظ على وحدتهم وعطائهم، والحيوانات في قطعانها لا تغيب عن العيون الناظرة، وهكذا في السماء تجد المجرات والكواكب والنّجوم..

وأما كونه مطلبًا شرعيًّا:

فإن الملائكة لتصطف صفوفًا عند ربها، والمصلون يصلون في صفوف متناسقة متساوية لتتعلم الأمة من صفوف الصلاة أن تكون صفًّا واحدًا في الحياة.

  • فإنّ الله تعالى نادى المؤمنين وأتباع دينه بقوله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103].
  • وحذّرهم من مغبّة التنازع والتفرّق فقال: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105]. وقال سبحانه مرهبًا من التنازع وأنه سبيل ذهاب القوة، فقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}
  • وقد جعل المولى سبحانه الأمة كلها أمة واحدة، فقال عزّ من قائل: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]. فما بالنا بالمجتمعات الصغيرة المنبثقة من هذه الأمة، أليس أولى بها الالتفاف والاصطفاف والوحدة والاتفاق على القواسم المشتركة بغية تحقيق العزّة والحفاظ على الأوطان...

رابعًا: صور من الدفاع عن الوطن

لقد تعدّدت صور الدفاع عن الأوطان في رحاب القرآن والسنة والسيرة، لكني أخصّ اليوم حديثًا خاصًّا عن منهجية النبي صلى الله عليه وسلّم وأصحابه في الدفاع عن الأوطان وحمايتها؛ فإنّ خير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم..

أولاً: توحيد الصفّ المجتمعي لا تقسيمه وتشتيته والتصالح لا التنازع:

فإنّ المجتمع الذي يتمزّق فيه عُرى الأخوة والوحدة يكون عُرْضَةً للعنف والشتات والتدخل الخارجيّ؛ فلا بدّ من وحدة الصفّ بين أبناء المجتمع الواحد كما فعل النبي في أوّل مقدمِه إلى المدينة؛ آخى بين المسلم والمسلم أخوة إنسانية ووطنية وإسلامية، كما آخى بين المسلم وغير المسلم أخوة إنسانية ووطنيّة، فاستطاع أن يحفظ الوطن في أوّل عهد تأسيسه، يقول الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، وقال سبحانه: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46].

والنبي صلى الله عليه وسلّم يقول –كما ثبت في صحيح مسلم من حديث النعمان-: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».. فكونوا جميعًا إذا اعترى خطبٌ ولا تتفرّقوا آحادًا؛ تأبى الرّماح إذا اجتمعن تكسّرًا وإذا تفرّقت تكسّرت أفرادًا..

ثانيًا: حماية الوطن من الأفكار المغشوشة والشائعات المغرِضَة والأخلاق الفاسدة:

فما يقوم به البعض من تسويق الشبهات عن الإسلام وعن الوطن، والذين يتعرّضون للثوابت الدينية بحجة التطوير والتجديد، يجب أن يتم حماية المجتمع من سمومهم وإلا فنحن بهذا الشكل تعمل على تخريج أجيال مشوّهة مهزوزة في قيمها وثوابتها، «فالنفوس المهزوزة والأيدي المرتعشة لا تقوى على البناء» كما قال الشيخ الغزالي رحمه الله تعالى.

فليس من مصلحة المجتمع انتشار الفواحش والأخلاق الفاسدة والميوعة القاتلة للشباب والبنات، فكيف تُبنى المجتمعات بأيد ونفوس مريضة أخلاقيًّا، هي لا تثبت أمام الشهوات، فكيف تثبت أمام الأعداء وأمام مخططاتهم؟!! فلا بد من معاقبة المفسدين، والمجرمين، ولا بد من محاسبة الذين يبثون الفواحش والآثام في المجتمع.

ثالثًا: الحِرص على المصالح العامة الكلية، لا المصالح الخاصّة الجزئيّة:

إنّ من أهم طرق ووسائل الدفاع عن الوطن وبنائه بناءً صحيحًا أن يعمل جميع أبناء المجتمع من أجل رفعة المصالح المشتركة العامة، ولا يتم تغليب مصالح حزبية أو قبلية ضيقة، لا تُسْمِن ولا تغني!! ومن الحرص على المصالح العامّة: حسن الإدارة والإرادة؛ وذلك بتوظيف الكفاءات ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ عِصَابَةٍ وَفِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وخانَ رَسُولَهُ وخانَ الْمُؤْمِنِينَ» ذكره الإمام الحاكم في المستدرك على الصحيحين وقال: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ».

رابعًا: نشر الأمن والأمان وبث الأمل بين نفوس أبناء المجتمع:

وهذا دور جميع أبناء المجتمع!! من المستفيد من الرعب الذي يملأ قلوب المصريين جميعًا؟ من المستفيد من ترويع الآمنين في بيوتهم، ومصادرة أموالهم، والاعتداء على حرياتهم؟ إن كل هذا يصب في خانة أعداء الأمّة!! فلا بدّ من نشر الأمن وبث الأمل، وتثقيف الناس جميعًا بأن من وراء الشدة يأتي الفرَج القريب، وأنّ مع العُسْر يأتي اليُسْر، وصدق الله إذ يقول: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87]، ويقول عزّ وجلّ لنبيه موسى وهو في مصر: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 87] فأمره ربُّه ببث الأمان بجعل بيوت المصريين قبلة لمن أراد الأمان، وأمره كذلك ببث البشرى والأمل.. ومن بث الأمل إزالة الضرر عن الناس في المجتمع، فالمسلم الحقيقي -كما ثبت- هو من سلِم الناس من لسانه وأذاه!! أقول هذا الكلام؛ لأنّ الأُمم لا تبنى باليأس، ولا تتقدم بالتشاؤم، ولا تنافس غيرها ببث الخوف والرعب بين المنسوبين أو الزائرين للمجتمع..