العدل قيمة إنسانية

العدل قيمة إنسانية

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

العدل من القيم الإنسانية التي جاء بها الإسلام, وجعلها من مقومات الحياة الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية وغيرها, وهو قيمة مطلقة لا يدخلها التقييد, فالعدل يشمل السلوك الإنساني كله, في الفكر والتصور, والقول والعمل, مع المسلمين وغير المسلمين, مع المؤيدين والمعارضين, فهو سنة ربانية, وفريضة شرعية, وضرورة إنسانية, وقيمة حضارية, عليه تقوم الحضارات, وتسعد به الشعوب والأمم, وبه تصلح جميع الأعمال. ولذلك أمرنا الله تعالى به أمرًا مطلقًا, ونهانا عن ضده, فقال تعالى ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل:90). وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ..) (المائدة: 8)، والعدل اسم من أسماء الله تعالى, وجعله سبحانه غاية الرسالات السماوية كلها, فقال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (الحديد: 25)، وبالعدل أنزلت الكتب, وبعثت الرسل, وبالعدل قامت السموات والأرض، ولذلك فالضمانة الوحيدة لإقامة العدل بين الناس, الحكم بما أنزل الله, قال تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) (النساء:5)

والمراد بالعدل: أن يعطى كل ذي حق حقه, سواء أكان صاحب الحق فردًا أم جماعة أم شيئًا من الأشياء أم معنى من المعاني, بلا طغيان ولا إخسار, فلا يبخس حقه, ولا يجور على غيره. قال تعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ. أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ. وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) (الرحمن: 7: 9).

ضد العدل: الظلم والجَوْر, وهو أمر حرمه الله تعالى على نفسه, كما حرمه على عباده في الحديث القدسي: (يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا)(صحيح مسلم).

للعدل أنواع كثيرة منها:

1- العدل مع النفس: كما قال عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو, حين جار على حق نفسه بمداومة صيام النهار وقيام الليل: (إن لبدنك عليك حقًا, وإن لعينك عليك حقًا, وإن لأهلك عليك حقًا, وإن لزورك عليك حقًا) متفق عليه.

2- العدل مع الأسرة: مع الزوجة, أو الزوجات, مع الأبناء والبنات، ومما ورد في ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) متفق عليه عن النعمان بن بشير.

3- العدل مع الناس كل الناس: عدل مع من تحب, وعدل مع من تكره, لا تدفعك عاطفة الحب إلى المحاباة بالباطل, ولا تمنعك عاطفة الكره من الإنصاف وإعطاء الحق لمن يستحق. يقول تعالى في العدل مع من نحب: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)(النساء: 135) ويقول سبحانه في العدل مع من تعادي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ) (المائدة: 8)

4- العدل في القول: يأمر الإسلام بالعدل في القول, فلا يخرجنكم الغضب عن قول الحق, ولا يدخلك الرضا في قول الباطل. يقول تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ) (الأنعام: 152).

أيها الناس: لا تحكموا على الناس بالشبهات, ولا بالشائعات, ولا تؤذوا الناس بهتانًا وزورًا, ولكن تبينوا وتثبتوا, حتى لا تظلموا الناس, فتصبحوا على ما فعلتم نادمين. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات: 6).

5- العدل في الشهادة: فلا يشهد المسلم إلا بما علم, ولا يزيد ولا ينقص, ولا يحرف, ولا يبدل. قال تعالى (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) (الطلاق: 2)، وقال تعالى (كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ) (المائدة: 8) ولقد وصف الرحمن عباده (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) (الفرقان: 72).

6- العدل في الإصلاح بين المتخاصمين:

قال تعالى: (فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)(الحجرات: 9)

7 – العدل في الحكم: قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء: 58)، وقد استفاضت الأحاديث في فضل الإمام العادل, فهو أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله, وأحد الثلاثة الذين لا ترد لهم دعوة، وقمة العدل البشري في رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب الخلق العظيم, الذي تحقق بالعدل, ولم يحابي أحدًا, حتى مع أحب وأقرب الناس إليه, اسمعه وهو يقول: (إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد, وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) البخاري.

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينصف الناس من نفسه, فقد وقف صلى الله عليه وسلم في معركة يسوي الصفوف, فوجد أحد المسلمين وبطنه كبيرة قد امتدت أمام الصف, أو تقدم أمام الصف, وكان في يد النبي صلى الله عليه وسلم عصا قصيرة فغمز بها في بطنه, وكان اسمه سواد بن غزية, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استو يا سواد) أي تساو مع إخوانك في الصف, فقال سواد رضي الله عنه يارسول الله أوجعتني فأقدني (يريد أن يأخذ حقه منه), فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم, بغاية العدل, تقدم فاستقد), فقال: يا رسول الله, إن بطني كانت مكشوفة. فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم بطنه, والناس في ذهول, فأكب سواد على بطن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله ويمرغ خديه, وقال: يارسول الله, حضر ما ترى من القتال, فخشيت أن يكون هذا آخر عهدي بك, فأردت أن يكون آخر عهدي أن يمس جلدي جلدك) ابن هشام.

ولقد وقف الصديق رضي الله عنه حين تولى الخلافة وقال: أيها الناس: القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه, والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، ووقف عمر رضي الله عنه فقال: لو رأيتم اعوجاجًا فقوموني, فقال رجل: لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناك بحد السيف. ولذلك لما رآه رجل نائمًا تحت ظل شجرة قال: حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر.

8- العدل في القضاء: فالقاضي يجب أن يحكم بين الناس بالعدل, فلا يجامل, ولا يداهن من أجل المطامع في الأموال والمناصب, وليتق الله, فإنه نائب عن الله, يحكم بحكم الله, قال تعالى (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ..) (ص:26).

أيها القاضي: أين موضعك في هذا الحديث ؟ (القضاة ثلاثة, واحد في الجنة, واثنان في النار) أبو داود. فاحكم بالحق تكن من أهل الجنة, واحذر على نفسك من عذاب النار, واعلم أن الله تعالى معك ما لم تظلم في حكمك, فإذا ظلمت فقد جعلت نفسك أسيرًا للشيطان , وفي الحديث (إن الله مع القاضي ما لم يَجُرْ فإذا جار تخلى عنه, ولزمه الشيطان) الترمذي.

عباد الله: لقد نص الفقهاء على أن الولاية إذا شملها العدل كانت من أفضل الطاعات، وأن العادل من الأئمة والولاة والقضاة أعظم أجرا من جميع الأنام.

قال العز بن عبد السلام: وذلك لكثرة ما يجري على أيديهم من إقامة الحق ودرء الباطل، فإن أحدهم يقول الكلمة الواحدة فيدفع الله بها مائة ألف مظلمة فما دونها، أو يجلب بها مائة ألف مصلحة فما دونها، فيا له من كلام يسير وأجر كبير، أما ولاة الجور وقضاة السوء فأعظم الناس وزرا، وأحطهم درجة عند الله عز وجل، لعموم ما يجري على أيديهم من جلب المفاسد ودرء المصالح، وإن أحدهم ليقول الكلمة الواحدة فيأثم بها ألف إثم أو أكثر. (الموسوعة الفقهية)

9 – العدل في المعاملة: ومن صور العدل في المعاملة:

  • تجنب الغش: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من غشنا ليس منا) وأخرجه مسلم بلفظ (من غش ليس مني).
  • عدم التعامل بالربا قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (البقرة 278)
  • إيفاء الكيل والميزان بالقسط: قال تعالى: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ) (الأنعام: 152).
  • الوفاء بالدين في موعده: يقول صلى الله عليه وسلم: (مطل الغني ظلم) رواه الجماعة عن أبي هريرة (المنتقى من الترغيب).

10 – العدل الاجتماعي:

ويراد به العدل في توزيع الثروة, فلا يجوز أن يستأثر بثروات وخيرات الأمة فئة من الناس دون غيرهم, قال تعالى: (مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الحشر: 7)، ومما ورد في ذلك: أن أموال بني النضير كانت مما أفاء الله على رسوله, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار: (إن إخوانكم من المهاجرين ليست لهم أموال, فإن شئتم قسمت هذه وأموالكم بينكم وبينهم جميعًا, وإن شئتم أمسكتم أموالكم, وقسمت هذه بينهم خاصة), فقال الأنصار رضي الله عنهم لا بل تقسم هذه فيهم, واقسم لهم من أموالنا ما شئت) الخراج ليحى بن آدم.

أيها المسلمون: في ظل ما استمعنا إليه في هذه الخطبة نتواصى فيما بيننا, ونتعاهد أن يسود العدل مجتمعنا, فالحياة الطيبة الآمنة لا تقوم إلا بالعدل, ولأجل ذلك ندعوكم يا أمة الحق والعدل:

  • أن تحرصوا على إقامة العدل فيما ولاكم الله أمره, وفيما بينكم, أقيموه في أنفسكم, تعاملوا به مع زوجاتكم وأولادكم, تخلقوا به في أقوالكم وأعمالكم ومعاملاتكم.
  • وحتى يسود العدل عليكم أن لا تكونوا عونًا للذين ظلموا, ولا تركنوا إليهم, حتى لا يصيبكم ما أصابهم(وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ) (هود: 113).