محاسبة النفس وتجديد العهد مع الله

محاسبة النفس وتجديد العهد مع الله

لقد اقتضت حركةُ الحياة لدى النابهين فيها ألا تكون أعمالهم سُدًى... وأفادهم نظرهم في الكون وكل حركاته وسكناته أن العبث لا وجود له في صغير أو كبير من أمر الخلق، وأن العابثين لا نصيب لهم من حكمة أو عقل، وَلَا حَظَّ لَهُمْ من إرث النبوة والوحي... قال تعالى:{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}[المؤمنون: 115 ]، وقال تعالى:{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}(الكهف: 28). (فُرُطًا) ضائعًا غير مهتم بحياته ووقته وربحه وخسارته في أمر دينه وديناه.

ولذلك فَرَضَتِ الحياةُ على أهلها أن يحاسبوا أَنْفُسَهُمْ عَقِيبَ كل عمل مُقَدِّرِينَ ربحهم وخسارتهم مستفيدين من ماضيهم ضابطًا لحاضرهم عازمين مخططين لجودة مستقبلهم. والمسلم يعي بذلك التقدير وتلك المحاسبة ما عابه الله تعالى على أهل النفاق في قوله تعالى:{أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ} (التوبة: 126 ).

** المقصود بمحاسبة النفس: أن يتصفح الإنسان في ليله ما صدر من أفعال في نهاره، فإن كان محمودًا أمضاه، وإن كان مذمومًا استدركه إن أمكن، وانتهى عن مثله في المستقبل.

** حكم محاسبة النفس: إذا كان أرباب التجارات ورجال الاستثمار يعتبرون حساب الأرباح والخسارة أمرًا بالغ الأهمية، فإن من علماء الإسلام من جعل محاسبة النفس فَرْضَ عَيْنٍ مستدلًّا بقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}(الحشر: 18 ).

** كيفية المحاسبة:

أ- قبل العمل.                                   ب- بعد العمل.

ج- معاتبة للنفس عند التقصير وتوبة. د- مشارطة عليها ألا تعود وأن تَجِدَّ.

عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ». سُنَنُ الترمذي.

** المحاسبة الإيجابية: وهي التي لا تقف عند معرفة الصواب والخطأ والحسنات والسيئات، بل تتجاوز ذلك إلى عزم على تجنب الأخطاء وأسبابها، والسيئات وطرائقها، والازدياد من الحسنات والخيرات واغتنام الأوقات في الأعمال النافعة والأوقات. يقول الله تعالى:{لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}(القيامة 1، 2 ) أي: كثيرة اللوم لصاحبها. وهي في حق المؤمنين تلومهم على التقصير والتضييع والتفريط. وينبغي أَلَّا يكون اللوم سلبيًا، بل يجب أن يكون إيجابيًا يتجاوز مرحلة اللوم إلى مرحلة الفعل للخير وتجنب الشر.

** نهاية عام وبداية عام: العاقل اللبيب من يستفيد مما مضى بعد حساب دقيق لما حققه من أعمال في عامه الماضي وأسباب نجاحه فيها، وما أخطأ فيه وقصر وأسباب ذلك، وفي بداية عامه الجديد يستقبله المسلم بعزم وإصرار على اغتنام أيامه في الطاعات، وجوارحه فيما يعود عليه في دينه ودنياه وأمواله في مصالح حياته وآخرته، مستحضرًا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وشبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك» مصنف ابن أبي شيبة.

** من ثمرات المحاسبة:

1 - تهذيب النفوس.

2- تواضع النفس وانكسارها لله.

3- الإقبال على الله.

4- المسارعة في الخيرات.

5- الخوف من الله.

من كلام عُمَرَ رضي الله عنه: «حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ، وَإِنَّمَا يَخِفُّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا»، وَيُرْوَى عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: «لَا يَكُونُ الْعَبْدُ تَقِيًّا حَتَّى يُحَاسِبَ نَفْسَهُ كَمَا يُحَاسِبُ شَرِيكَهُ مِنْ أَيْنَ مَطْعَمُهُ وَمَلْبَسُهُ». سُنَنُ الترمذي، وقال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(الحشر: 19 )، أي أهملوا أنفسهم، وهي عقوبة على ذنوبهم.. وقوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (التوبة: 67 )، أي عاقبهم اللهُ عُقُوبَةً قَدَرِيَّةً على معاصيهم فأهملهم وأشغلهم عن أنفسهم.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: « لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاه ُ» سنن الترمذي.

من كلام عُمَرَ رضي الله عنه: مَنْ حاسب نَفْسَهُ في الرخاء هان عليه حسابُ الشدة، فمن النصوص الجامعة:{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}(المؤمنون 99، 100)، وقوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}(الزلزلة: 7، 8 )، وقوله تعالى:{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}(الكهف: 49).