الشباب.. أعظم ثروات الأمم

الشباب.. أعظم ثروات الأمم

الثروة الحقيقية للأمم هي الشباب، فهم عصب الحياة وقوامها، ولا يمكن لأمة أن تنهض إلا بشبابها، ومرحلة الشباب هي مرحلة القوة والفتوة، والبذل والعطاء.

قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ}( الروم: 54).

أولًا: الشباب .. نعمة يُسأل عنها العبد يوم القيامة:

روى أبو برزة الأسلمي رضي الله عنه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة، حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه ما عمل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيما أبلاه؟" رواه الترمذي

نماذج قرآنية.. في تربية الشباب:

1- للشباب القدوة الصالحة في الصديق يوسف– عليه السلام– في إخلاصه وصدقه وعفته وطهارته:{وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} ( يوسف: 23).                                                                                              2- وفي قصة السيدة مريم القدوة الحسنة أيضًا لنساء العالمين في العفة والاعتصام بالله تعالى: {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} ( مريم: 18)  

3- وتأمل في هذا الحوار بين الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل– عليهما السلام- {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ . رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ . فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ . فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} (الصافات: 99- 102)، إنه بيت النبوة الذي يشع منه الإيمان، ويقدم أسمى معاني وقيم التربية الصالحة؛ لتكون النموذج والمثال الذي تحتذي به البشرية كلها في كل مكان وزمان.

4- قال سبحانه- حكايةً عن تربية لقمان لابنه- :{ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ( لقمان: 13).

5- أصحاب الكهف .. نموذج للشباب عبر الزمان:

إنهم النموذج المؤمن المتميز، في توحيدهم، وفي ثباتهم، وتضحياتهم في سبيل هذا التوحيد، وهذا دليل على كمال معرفتهم بربهم، وزيادة الهدى من الله لهم: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى . وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا}              ( الكهف: 13 ، 14).

6- أتباع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جُلُهم من الشباب:

فقد آمن به أبو بكر الصديق- رضي الله عنه- وكان عمره نحوًا من ثمانٍ وثلاثين سنة، وعمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أسلم ولم يبلغ الثلاثين من عمره، وكذلك علي وعبد الله بن مسعود، وسعيد بن زيد، ومصعب بن عمير، والأرقم بن أبي الأرقم، وخباب، و غيرهم كثير- رضي الله عنهم أجمعين.

ثانيًا: من وصايا الحبيب – صلى الله عليه وسلم – للشباب:

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ»، قال الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

ثالثًا: من نماذج الشباب في الفتوحات الإسلامية:

1- جعفر بن أبي طالب: من السابقين الأولين إلى الإسلام، هاجر مع جماعة من المسلمين إلى الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة المنورة يوم فتح خيبر، فكانت له هجرتان: هجرة إلى الحبشة، وهجرة إلى المدينة، وشهد جعفر بن أبي طالب غزوة مؤتة، التي دارت رحاها سنة ثمان من الهجرة بين المسلمين والروم، وكان هو أميرَ جيش المسلمين، إذ أُصيب قائدُهم الأول زيد بن حارثة، فلما قُتل زيد بن حارثة في المعركة، أخذ جعفر بن أبي طالب اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى استشهد – رضي الله عنه.

2- مصعب بن عمير : أول سفير في الإسلام، وفاتح المدينة المنورة.

3- أسامة بن زيد: أصغر قائد قاد جيشًا إسلاميًّا... حين قرر الرسول- صلى الله عليه وسلم- تجهيز جيش كبير؛ لقتال الروم الذين يهددون المسلمين، ورغم أن الجيش العظيم يضم عددًا كبيرًا من كبار صحابة رسول الله.

4- طارق بن زياد: القائد العسكري الذي فتح الأندلس، وقاد أول الجيوش الإسلامية التي دخلت شبه جزيرة أيبيريا، ويحمل اسمَه جبلُ طارق بجنوب إسبانيا.

5- محمد الفاتح: الشاب الصالح والقائد المسلم الذي تمكن من فتح القسطنطينية.

رابعًا- الحوار مع الشباب.. خير سبيل للدعوة والاستيعاب:

عن أبي أُمَامَةَ، يَقُولُ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- غُلَامٌ شَابٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِي الزِّنَا, فَصَاحَ بِهِ النَّاسُ, وَقَالُوا: مَهْ, فَقَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : «ذَرُوهُ, ادْنُ», فَدَنَا حَتَّى جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟» قَالَ: لَا, قَالَ: «فَكَذَلِكَ النَّاسُ لَا يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ, [أَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «وَكَذَلِكَ النَّاسُ لَا يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ], أَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟» قَالَ: لَا, قَالَ: «فَكَذَلِكَ النَّاسُ لَا يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ , أَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟» قَالَ: لَا, قَالَ: «فَكَذَلِكَ النَّاسُ لَا يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ, [أَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟» قَالَ: لَا, قَالَ: «وَكَذَلِكَ النَّاسُ لَا يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ] , فَاكْرَهْ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ , وَأَحِبَّ لَهُمْ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ», فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُطَهِّرَ قَلْبِي, فَوَضَعَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَغْفِرْ ذَنْبَهُ , وَطَهِّرْ قَلْبَهُ , وَحَصِّنْ فَرْجَهُ», قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ. ( مسند الشاميين).

خامسًا: أخي الشاب.. اغتنم شبابك:

ليعلم الشباب أن زمن الشباب لا يدوم، وأيامه لا تبقى، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: "اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ" رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، وقال: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ».

وكانت حفصة بنت سيرين t تقول: يا معشر الشباب، خذوا من أنفسكم وأنتم شباب، فإني- والله- ما رأيت العمل إلا في الشباب. وهي التي كان محمد بن سيرين إذا أشكل عليه شيء من القرآن قال: اذهبوا فسلوا حفصة كيف تقرؤه" وقد قرأتْ القرآن بنتَ اثنتي عشرة سنة، وماتت بنت تسعين.

سادسًا: بشرى .. لكل شاب صالح:

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ" البخاري.

سابعًا: بشرى سارة.. لكل الموحدين: من لطيف الإشارات- ونحن نتحدث عن الشباب- أن أهل الجنة يدخلونها شبابًا، فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ t أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ: "يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا، مُرْدًا، مُكَحَّلِينَ، أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً" رواه الترمذي، ولا شك أن الإرادة القوية، والنفس الطموح، والقوة في ممارسة الحق من الفتوة والشباب اللذين ينعم الله بهما على عباده الصالحين.