من دروس الهجرة

من دروس الهجرة

أولًا: الإخلاص والتجرد: فعن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ – رضي الله عنه- سمعت رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» البخاري.

ثانيًا: التوكل على الله: وهو يعني الثقة في الله، والاعتماد عليه سبحانه، مع الأخذ بالأسباب المشروعة المتاحة، فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأخذ كل الاحتياطات من أجل الهجرة ولم يعتمد على وعد الله تعالى فقط.

  • منع الصِّدِّيقَ من الهجرة قائلاً: «لعل الله يجعل لك صاحبًا».
  • انتهز الصِّدِّيقُ كَلِمَةَ المصطفى عن الصُّحْبَةِ وجَهَّزَ راحلتين..
  • لم يلفت أنظار الحاضرين بخلو فراشه بل جعل مكانه عليًّا لإيهامهم أنه محمدٌ.. لم يتخطَّ الأسطُحَ حتى يختفي عن أعين المراقبين.. بل قرر أن يخرج من باب بيته وأمام السيوف الْمُشْرَعَةِ، فقد قام بكل ما يستطيعه البشر وأوكل مهمة التخفي إلى رب البشر مُرَتِّلًا قوله سبحانه:{وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ}(يـس: 9)، وهنا تدخلت الْقُدْرَةُ فأعمت أبصارهم.
  • دخل بيت أبي بكر لم يدخله من الباب الأساسي حتى لا يتسبب صوت فتحه في إيقاظ جيرانه فينكشف السر، بل دخل من خوخة صغيرة في الباب.
  • وحين دخل على الصِّدِّيقِ وَجَدَ معه ابنتيه أسماء وعائشة فطلب منه أن يَخْرُجَا فطمأنه صاحبه بأنهما أَهْلٌ لِحِفْظِ السر فأبلغه الْخَبَرَ..
  • استمر النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ بالأسباب، فاتجه به الخبيرُ إلى الجنوب تَمْوِيهًا على القوم.
  • صعد النبي وصاحبه جَبَلَ ثَوْرٍ وبه أغوار كثيرة لكنه تخير غارًا تتحقق فيه كل مواصفات الاختباء ففتحته موازية لأقدام المارة، وهو مكون من صخرة مجوفة ليس بها إلا مكان لجالس ومكان لنائم وبها تهوية خلفية.
  • ووزعت الأدوار على أهل بيت الصِّدِّيقِ: فأسماءُ عليها إحضارُ الطعام وعبدُ الله عليه أن يتحسس أخبارَ القوم وجهودَهُمْ ويُخْبِرُهُمَا بها يوميّاً، وعامر بن فُهَيْرَةَ عليه أن يطمس آثارهما بغنمه ويُعْطِيَ لهما من ألبانها. وبعد أن خَفَّتْ حِدَّةُ الْبَحْثِ كان قد مضى عليهما ثلاثَةُ أيام، انطلقوا في طريقهم إلى المدينة.

ثالثًا: التضحية والإيثار:

النبي خير من ضحى في سبيل الله : فها هو النبي يترك أهله وبلده وهي أحب البلاد إلى الله وإليه، وكل ما يملك، (فعن ابن عباس قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة قال أما والله لأخرج منك وإني لأعلم أنك أحب بلاد الله الي، وأكرمه على الله، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت)(رواه أبو يعلى في مسنده)

صور للبذل والتضحية في الهجرة: لما كان الرسول هو المثل الأعلى في التضحية فقد تعلم أتباعه منه خير تعليم فجعلوا يضربون أفضل النماذج للهجرة، وإليك نماذج من تضحياتهم:

1: نموذج تضحية أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالمال وبالنفس من أجل طاعة الله والهجرة مع رسول الله واحتمالات تعرضه لكل أنواع الأذى والمخاطر في نفسه وفي أهله وفي أولاده. ومن ذلك يجب على العاملين في حقل الدعوة الإسلاميـة أن لا يبخـلوا على دعـوة الله بكل عزيـز لديهم حتى يكونوا صادقين مع الله الذي خلقهم ورزقهم واختارهم لدعوته وهذا شرف عظيم.

2: التضحية بالنفس: وأبرز مثال عليه سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث نام في فراش رسول الله صلي الله عليه وسلم  يفديه بنفسه.

3: نموذج تضحية أسماء بنت أبي بكر وهي تحمل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أبيها وتعرضها لإيذاء الكفار والمشركين. وفي هذا النموذج دروس للأخوات المسلمات العاملات في الدعوة وبيان دورهن الهام بأن ينلن شرف التضحية من أجل دعم المجاهدين في سبيل الله.

4: نموذج تضحية عبد الله بن أبي بكر وهو يحمل المعلومات إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى والده في الغار وتعرضه لإيذاء الكفار، ومن هذا النموذج بيان أهمية المعلومات عن الأعداء في نصرة دعوة الله.

5: نموذج تضحية الأنصار بمالهم لنصرة إخوانهم المجاهدين في سبيل الله وفيهم نزل قول الله تبارك وتعالى: (لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) (الحشر: 8).

6: التضحية بالولد: ومن أبرز التضحيات بيت أبي سلمة؛ حيث كان من أول المهاجرين هو وزوجته وابنه، فقد هاجر قبل العقبة الكبرى بسنة على ما قاله ابن إسحاق ، فلما أجمع على الخروج قال له أصهاره‏:‏ هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه‏؟‏ علام نتركك تسير بها في البلاد‏؟‏ فأخذوا منه زوجته، وغضب آل أبي سلمة لرجلهم، فقالوا‏:‏ لا نترك ابننا معها إذ نزعتموها من صاحبنا، وتجاذبوا الغلام بينهم فخلعوا يده، وذهبوا به‏.‏ وانطلق أبو سلمة وحده إلى المدينة‏، وكانت أم سلمة رضي الله عنها وبعد ذهاب زوجها وضياع ابنها تخرج كل غداة بالأبطح تبكي حتى تمسي، ومضى على ذلك نحو سنة، فرق لها أحد ذويها وقال‏:‏ ألا تخرجون هذه المسكينة‏؟‏ فرقتم بينها وبين زوجها وولدها، فقالوا لها‏:‏ الحقي بزوجك إن شئت، فاسترجعت ابنها من عصبته، وخرجت تريد المدينة.

7: التضحية بالمال: هاجر صُهَيْب بن سِنان الرومي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أراد الهجرة قال له كفار قريش‏:‏ أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك‏؟‏ والله لا يكون ذلك‏.‏ فقال لهم صهيب‏:‏ أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم، قال‏:‏ فإني قد جعلت لكم مالي، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏ربح صهيب، ربح صهيب‏)‏‏، وفيه نزل قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ).‏

رابعًا: وحدة الصف: ولذلك كان التآخي بين المهاجرين والأنصار، ثم كانت وثيقة المدينة التي جمعت بين المسلمين وغير المسلمين بالعدل والمساواة وحرمة الدماء والأنفس والأعراض.

خامسًا: التخلق بأخلاقيات النبوة:

1/ عدم إيذاء الآخرين والبعد عما نهى الله: فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» البخاري.

2/ الأمانة: فقد استبقى– رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عليًّا خلفه ليرد الودائع، برغم أنها لأعدائه الذين أخرجوه من وطنه، ومن مجالات الأمانة التي يجب أن يتحلى بها المسلم، أمانة التكاليف الشرعية، حفظ الجوارح، الودائع، العمل، الكلام، المهام والمسئوليات، الأسرار، البيع والشراء، والعقود...إلخ.