حسن الخاتمة

حسن الخاتمة

معنى حسن الخاتمة: أن يوفق العبد قبل موته للتقاصي عما يغضب الرب سبحانه، والتوبة من الذنوب والمعاصي، والإقبال على الطاعات وأعمال الخير، ثم يكون موته بعد ذلك على هذه الحال الحسنة.

مكانة هذه النعمة: إن من أعظم نعم الله على العبد أن يوفقه لحسن الخاتمة، فالأعمال بالخواتيم، فكم من إنسان عمل الخير سنين عديدة ثم انتكس وتوفي على الشر، فعلى الإنسان أن يدعو ربه أن يرزقه حسن الختام، ومن دعائه النبي - صلى الله عليه وسلم -: " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" وهذا يتضمن سؤال حسن الخاتمة، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[آل عمران: 102]أي: استقيموا على الإسلام حتى يأتيكم الموت وأنتم على ذلك،{ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}[الحجر: 99] ومن دعاء الصالحين: سؤال الوفاة على الإسلام كما قال السحرة:{ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرَاً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}[الأعراف: 126]، ويوسف عليه السلام يقول:{ تَوَفَّنِي مُسْلِمَاً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}[يوسف: 101] وهذا كله من سؤال الله حسن الخاتمة.

أسباب حسن الخاتمة: هناك أسباب يستدل بها على حسن الخاتمة منها:

1ـ إقامة التوحيد لله (جلّ وعلا): إن إقامة التوحيد في قلب المسلم يجني ثماره في حياته وعند موته وفي قبره ويوم حشره ويكون سببًا في دخول جنات ربه ورضوانه قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ " البخاري

2ـ الاستقامة: الاستقامة أعظم كرامة وسبب عظيم في حُسن الخاتمة، قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" (الاحقاف، آية: 13). والاستقامة كلمة جامعة، آخذة بمجامع الدين، قال الصديق لما سئل عنها: أن لا تشرك بالله شيئاً، فأراد بها الاستقامة على محض التوحيد، وقال عمر بن الخطاب: الاستقامة: أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعالب

3ـ التقوى: قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ " (آل عمران، آية: 102)، وحق تقاته أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكّر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر. وأصل التقوى: أن يجعل العبد بينه وبين من يخافه ويحذره وقاية تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه، فالتقوى سبب للخروج من كل ضيق، كما قال تعالى:" وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ" (الطلاق، آية: 2، 3). ولا شك أن العبد عند السكرات يكون في ضيق وشدة فتكون التقوى سبباً لنجاته، والتقوى سبب لتيسير السكرات على العبد المؤمن، قال تعالى:" وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا" (الطلاق، آية: 4)، والتقوى سبب للنجاة من المهالك، قال تعالى:" وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا" (مريم، آية: 71، 72). وهي سبب لدخول الجنة، قال تعالى:" تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا" (مريم، آية: 63).

4ـ الصدق: قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ" (التوبة، آية: 119). وقال صلى الله عليه وسلم:" وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا" مسلم.

5ـ التوبة: قال تعالى:" وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (النور، آية: 31). وقال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (التحريم، آية: 8).

6ـ الدعاء: كان من دعاء الصالحين أن يتوفاهم الله حين انقضاء آجالهم وهم متمسكون بالطاعات ملازمون لها، ومجانبون للمعاصي مفارقون لها، مصاحبون للابرار معدودون في زمرتهم، مجافون للفجار حائدون عن صحبتهم وفي ذلك يقول عنهم المولى عز وجل:" رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ" (آل عمران، آية: 193). لقد كان ذلك مطلب يوسف عليه السلام حين دعا ربه عند انقضاء أجله وذهاب عمره أن يميته على الإسلام ويثبته عليه ، قال تعالى:" رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ" (يوسف، آية: 101).

7ـ قصر الأمل والتفكر في حقارة الدنيا: قال تعالى:" اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ" (الحديد، آية: 20). وقال صلى الله عليه وسلم: " الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه أو عالماً أو متعلماً" . فالمؤمن يعلم يقيناً أن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة وأنه سينسى كل شقاء بغمسة واحدة في جنة الرحمن جلّ وعلا، ولذلك فهو لا يتعلق قلبه بأي شيء من حطام الدنيا، بل يمسى ويصيح وهو مشغول بالعمل لهذا الدين، ولا يرى أمام عينيه إلا الجنة والنار فهو يعلم يقيناً أنه لا راحة إلا في جنة العزيز الغفار.

8ـ الإكثار من ذكر الموت: ذكر الموت ينغص اللذات، ويحقّر الشهوات ويجعل الآخرة نصب العين، ومشاهدة المحتضرين والنظر إلى سكراتهم ونزعاتهم ومعالجتهم في طلوع الروح وشدة كربهم أعظم عبرة، وتغسيل الموتى يرق به القلب وتذرف العينان، ورؤية القبور وسكونها تعجل بالتوبة فتكون سبباً لحسن الخاتمة. وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي وتبكي من هذا؟ فقال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن القبر أوّل منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه، وزيارة القبور تذكر بالموت فيزهد في الدنيا، ويرغب في الآخرة ويتعظ بها ويعتبر.

9ـ غلبة الرجاء وحسن الظن بالله: قال تعالى:" مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" (العنكبوت، آية: 5)، ومدح أهله وأثنى عليهم، قال تعالى:" لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا" (الأحزاب، آية: 21). والخوف والرجاء كجناحي طائر إذا استويا استوى الطائر وتمّ طيرانه وإن نقص أحدهما وقع في الطائر النقص، وإن ذهب أحدهما أو كلاهما صار الطائر عرضة للهلاك ولذا جمع الله بينهما في غير موضع، فقال عزّ شأنه:" قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا" (الإسراء، آية: 56، 57). وقال سبحانه:" أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ" (الزمر، آية: 9).

10ـ البعد ان أسباب سوء الخاتمة: فإن من أسباب حُسن الخاتمة، الخوف من سوء الخاتمة والبعد عن أسبابها وهي، فساد المعتقد والانغماس في البدع، النفاق ومخالفة الباطن للظاهر، التسويف بالتوبة، طول الأمل وحب الدنيا، تعلق القلب بغير الله، إلف المعاصي والإصرار عليها، الانتحار واليأس من رحمة الله، مصاحبة أهل الفساد، عدم الاستقامة على الطاعة.

من علامات حسن الخاتمة:

1- قول كلمة التوحيد عند الموت 2- الموت على عمل صالح.                         3- ثناء الناس على الميت.              4- الاستقامة حال الحياة.

من أسباب سوء الخاتمة: أسباب سوء الخاتمة كثيرة، نذكر منها على الإجمال: والشك والجحود والتعبد بالبدع، تسويف التوبة، عدم الاستقامة على الطاعة، طول الأمل، حب الدنيا، صحبة الأشرار، مخالفة الباطن الظاهر، تعلق القلب بغير الله، سوء الظن بالله، الإصرار على الذنوب والمعاصي، نسيان الآخرة وعدم ذكر الموت، الظلم. وقد تحدث العلماء عن علامات سوء الخاتمة وذكروا منها: الأمن من مكر الله عز وجل، والغفلة عن ذكر الله عز وجل، والنفاق والرياء وحب السمعة، وغير ذلك من العلامات.