صلة الرحم ووحدة الأمة

صلة الرحم ووحدة الأمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد فإن الحديث عن هذا الموضوع يدور حول العناصر الآتية:    

1- لماذا الحديث عن صلة الرحم الآن ؟

2- ما هي الرحم ؟ وما ثواب صلتها ؟

3- واجبات المسلم نحو رحمه

4- ما آثار صلة الرحم على الفرد والمجتمع ؟

اقتضت حكمة الله عز وجل أن يخلق الناس شعوباً وقبائل وأمماً ومجتمعات وأسراً وأفراداً ليتعارفوا ويتآلفوا ويتآخوا، وتشيع بينهم المودة والرحمة والبر والعطف0 (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:13) فكانت العلاقات بين الناس فى الإسلام تنتظم في خمس دوائر لا تترك فرداً يعيش وحده، أويتعرض للإهمال من باقي أفراد المجتمع0 هذه الدوائر هي دائرة الأسرة الصغيرة وهم الآباء والأمهات والزوجة والأولاد، ودائرة العائلة وهم الأقارب والأرحام، ودائرة الحي أوالمجتمع الذي يعيش الفرد بينهم وهم الجيران، ودائرة العقيدة الجامعة التي تجمع بين أهل الإسلام وهم المسلمون أينما كانوا ومتى وجدوا، والدائرة الكبرى هي دائرة الإنسانية عامة التي تجمع بين بنى آدم جميعاً، وكل علاقة من هذه العلاقات أوجب لها الإسلام حقوقاً ورتب تجاهها واجبات0 والحديث معنا الآن يدور حول الدائرة الثانية وهى دائرة الأرحام والأقارب0 لماذا؟ لأن الظاهرة الشائعة بين المسلمين الآن -وهى ظاهرة الفرقة والاختلاف- وصلت الى أقصي درجاتها، حتى دخلت الى العائلات والأسر، فترى كثيراً من الأقارب فى العائلة الواحدة لا يتزاورون ويتقاطعون، وهذا يقسم ألا يكلم هذا، وهذا يمكث بالسنين لا يدخل بيت هذا، بل وربما يوصى بعضهم ألا يشهد أخوه أوبنوعمه جنازته0 بل الأدهى والأمر من ذلك أنهم ربما ضيعوا حتى حقوق المسلمين فيما بينهم، فلا يسلم بعضهم على بعض، ولا يعوده إن مرض، ولا يعزيه إن مات عنده أحد0000 وهكذا وصل الأمر إلي داخل الأسرة الصغيرة بين الآباء والأبناء والإخوة، والأخوات هجر وخصام وجفاء وقطيعةولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ولعل السبب فى شيوع هذه الظاهرة يظهر فيما يلي:

أولاً: استهانة المسلمين بصلة الرحم حتى إن البعض يظن أن الله عز وجل لن يسأله عن أقاربه وأرحامه وحقوقهم عليه0

ثانياً: بعد المسلمين عن التمسك بالقرآن والسنة0 فلوارتبط المسلمون بدينهم لأدوا حقوق أرحامهم عليهم ولعلموا ما للرحم عند الله تعالى من فضل عظيم، وما لواصلها من ثواب عميم، وما لقاطعها من عقاب أليم0

ثالثاً: ركون الكثير من المسلمين إلى الدنيا وانشغالهم بالملذات والشهوات، وتعلقهم الشديد بالمال وحب جمعه وكنزه؛ لدرجة أن الواحد منهم يسأل وماذا يعود علىّ من زيارة أقاربي من نفع مادي؟ وبعضهم لا يسال إلا عمن له عنده منفعة، أويحتاج منه الى معروف، والكثير لا يسأل إلا عمن سأل عنه أوكانت له هديه منه يريد أن يكافأه بها0

رابعاً: التكلف بما ليس عند المرء يجعل الناس تتقاطع كما قال أحد الصحابه رضوان الله عليهم " تقاطع الناس بالتكلف " فهذا يكلف نفسه هدية كبيرة فى زيارة أقاربه وقد لا يجد قريبه ما يرد به هديته فيترك صلته أويتكلف له حتى كره الناس زيارة أهلهم لذلك0 وهذا هوعين ما نهى اللهعز وجل– نبيه صلى الله عليه وسلم عنه فقال "تعالى" (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) (صّ:86) وقد يعتذر البعض بأنه لا وقت عنده لصلة رحمه مع تباعد المسافات والأماكن – ولونظر هذا المعتذر فى حاله لوجد أنه يضيع كثيراً من وقته فى اللهوواللعب0 ولوأراد أن يستغله فى كسب الحسنات من وراء صلة الرحم لفعل0 وقد يقصر هذا المشغول فى السؤال عن رحمه ولوبالهاتف0 هذه بعض الأسباب التى أدت الى شيوع قطع الرحم بين المسلمين، وهى أسباب كلها يمكن القضاء عليها لو فهم المسلم أهمية صلة الرحم في الإسلام، وما أعده الله عز وجل للواصل من الثواب، وما توعد به القاطع من العقاب0 وقبل أن أبين ذلك من خلال القرآن والسنة أجيب على سؤال على درجة كبيرة من الأهمية وهو:

ما هي الرحم؟ كثير من الناس يظن أن الرحم هم أقرب الناس إليه من الأقارب، كالأعمام والأخوال وأبنائهم فقط، والبعض يقصر الرحم على الأخوال أوالأقارب من ناحية الأم0 وهؤلاء وهؤلاء بعدوا عن الصواب والحق أن الرحم هم الأقارب الذين يجمعهم نسب واحد سواء كان بينهم توارث أم لا، وسواء أكان بينهم محرمية أم لا0 ولذا دعا النبي  صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يعرفوا أنسابهم حتى يصلوا أرحامهم0 فقال عليه الصلاة والسلام (تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم) رواه الترمذي بل إن بعض العلماء يُقَسِّمُ الرحمَ إلي قسمين: رحم عامة ورحم خاصة0

ويقصد بالرحم العامة: الإنسانية جميعاً لأنهم جميعاً أبناء رجل واحد وأم واحدة، سيدنا آدم وأمنا حواء0 كما حدث مع سيدنا معاوية رضى الله عنه عندما استأذن عليه رجل وقال لحاجبه قل له: أخوك بالباب، فدخل الحاجب وقال له، فقال سيدنا معاوية: ويحك ألا تعرف أخوتي؟0 قال بلى ولكن هذا لا أعرفه، فقال: دعه يدخل فدخل عليه فقال: له سيدنا معاوية من أى إخوتي أنت0 قال أخوك من أبيك آدم، فقال سيدنا معاوية: رحم مقطوعة لأكونن أول من وصلها، وأكرم الرجل وقضى له حاجته، والرحم الخاصة:هم الأقارب من أي جهة قربت أم بعُدت0

أما ثواب صلة الرحم فى الإسلام وعقاب قاطعها فهو على النحو التالي:

صلة الرحم تصل العبد بخالقه: ووصل الله عز وجل للعبد أن يمن عليه بالتوفيق والسداد في الدنيا، والرحمة والمغفرة والجنة في الآخرة، عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فهولك) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (فاقرءوا إن شئتم "فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) "متفق عليه وهذا لفظ البخاري فى كتاب الأدب"

وعن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله)

صلة الرحم تمنح العبد الزيادة في العمر والسعة في الرزق يقول النبي صلى الله عليه وسلم (من سره أن يبسط له فى رزقه وأن ينسأ له في أجله فليصل رحمه) "متفق عليه وهذا لفظ البخاري"

ج- صلة الرحم من أحب الأعمال إلي الله عز وجل:عن رجل من خثعم قال ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في نفر من أصحابه فقلت أنت الذي تزعم أنك رسول الله؟ قال: نعم قال: (قلت يا رسول الله أي الأعمال أحب إلي الله؟ قال: الإيمان بالله، قال: قلت يا رسول الله: ثم مه؟ قال: ثم صلة الرحم، قال: قلت يا رسول الله: أي الأعمال أبغض إلي الله؟ قال: الإشراك بالله، قال:قلت يا رسول الله: ثم مه؟ قال: ثم قطيعة الرحم، قال: قلت يا رسول الله: ثم مه؟ قال: الأمر بالمنكر والنهى عن المعروف ) "رواه أبويعلى باسناد جيد انظر الترغيب والترهيب 3 /224"

د- صلة الرحم من موجبات دخول الجنة: يقول عز وجل (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَاب * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِِ) (الرعد:21، 22) وعن أبي أيوب الأنصاري رضى الله عنه (أن أعرابياً عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهوفى سفر فأخذ بخطام ناقته أوبزمامها ثم قال يا رسول الله: أو يا محمد أخبرني بما يقربني من الجنة ويباعدنى من النار، قال: فكف النبي صلى الله عليه وسلم ثم نظر في أصحابه ثم قال لقد وفق أو لقد هدى قال: كيف قلت؟ قال فأعادها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصل الرحم دع000 ) " متفق عليه واللفظ لمسلم "

هـ- صلة الرحم باب من أبواب رفع الدرجات: روى عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم ( ألا أدلكم على ما يرفع الله به الدرجات؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: تحلم على من جهل عليك، وتعفو عمن ظلمك وتعطى من حرمك، وتصل من قطعك) (مجمع الزوائد جـ8صـ189)

و- تعجيل الثواب فى الدنيا روي عن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أسرع الخير ثواباً البر وصلة الرحم، وأسرع الشر عقوبة البغى وقطيعة الرحم) ( رواه بن ماجة )

عقوبة قاطع الرحم:

أ- القطع من الله بمعنى عدم التوفيق والسداد وتركه لشهوته وشيطانه فى الدنيا، وعدم رحمته وغفران ذنوبه فى الآخرة0 عن عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله عز وجل: أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته، أوقال بتته) (سنن الترمذي جـ7صـ137)

ب-تحريم دخول الجنة: يقول النبي  صلى الله عليه وسلم (لا يدخل الجنة قاطع) قال سفيان يعنى قاطع رحمه "متفق عليه" وعن سعيد بن زيد رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن من أربي الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق، وإن هذه الرحم شجنة من الرحمن عز وجل من قطعها حرم الله عليه الجنة) ومعنى " شجنة: قرابة مشتبكة كاشتباك العروق"

ج- استحقاق اللعنة من الله وسوء الدار: يقول عز وجل (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) (الرعد:25)

د- عدم قبول العمل الصالح: عن أبى هريرة رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أعمال بنى آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم) "رواه أحمد ورواته ثقات0الترغيب والترهيب 3/ 228

هـ- تعجيل العقوبة فى الدنيا: عن أبى بكرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم ) "رواه الترمذى وقال حديث حسن صحيح "

لماذا هذا الثواب العظيم لواصل الرحم وهذا العقاب الشديد لقاطعها؟ هذا السؤال قد يعرض للكثير والإجابة عليه من خلال ما يلى:

أولاً: لأن الرحمة من أخص صفات المولى عز وجل، ومن أعظم الأخلاق التي دعا الإسلام أهله أن يتحلوا بها0 وهذه الرحمة يجب أن تعم أول من تعم أقرب الناس للعبد وهم والداه وقرابته0 ولذا يعطف الله عز وجل على الوالدين فى آيات كثيرة من القرآن الكريم ذوي القربى مثل قوله عز وجل (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى )(النساء: من الآية36)

ثانياً: لأن الإسلام يريد بناء مجتمع مترابط متآلف وهذا إن لم يحدث على مستوى الأقارب فلن يحدث على مستوى الأمة0 ومن هنا ذكرنا الله بالأرحام فى مطلع سورة النساء فقال:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النساء:1)

ثالثاً: لأن القريب شاء أو أبى ينتفع بقريبه فى أى أمر، ولو بمجرد الاشتراك فى الاسم0 ومن العدل أن يكون له حق فى ماله وفى مودته وبره0 ومن هنا كان تشريع الميراث على درجات القرابة الأقرب فالأقرب0 ومن هنا ذكر الله عز وجل بحقوق القرابة فقال جل وعلا (فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الروم:38)

رابعاً: لأن معرفة العبد بحال أرحامه أشد وأقوى من معرفته بعامة المسلمين0 ومن هنا كان النبي صلى الله عليه وسلم  يرغب فى وضع الصدقة والزكاة والمعروف عندهم؛ حتى تتكافل كل أسرة فيما بينهم، فيقوم غنيهم بفقيرهم، يسد حاجاته، ويحوطه من ورائه0 ففي قصة حديقة بيرحاء التي كانت لأبي طلحة الأنصاري وجاء متصدقاً بها، قال له النبي صلى الله عليه وسلم " أرى أن تجعلها فى الأقربين " وقال للسيدة ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها عندما أعتقت وليدة " الجارية الصغيرة " لوأعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك "

* كيف تصل رحمك ؟

بعد أن رأينا عظم ثواب صلة الرحم وخطورة قطعها، وعرفنا الأسباب التي دعت الإسلام إلى الحث على صلة الرحم، لابد من معرفة واجبات المسلم نحو رحمه فأقول وبالله التوفيق:

صلة الرحم تكون بزيارتهم، والسؤال عنهم، وتفقد أحوالهم، ومشاركتهم أفراحهم، وأتراحهم، ومساعدتهم بالنفس والمال، وتقديمهم على غيرهم، والدعاء لهم0 وحسن عشرتهم واحتمال الأذى منهم ووصلهم وإن قطعوا، وزيارتهم وإن بعدوا، والحلم عليهم وإن جهلوا، والإحسان إليهم وإن أساءوا0 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلَكِنْ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا)(صحيح البخاري) فهذه أعلى درجات الوصل0 وصاحبها الواصل الكامل في صلته وله من الله الثواب العظيم، ففي صحيح الإمام مسلم أن رجلاً قال يا رسول الله: إن لى قرابة أصلهم ويقطعوننى، وأحلم عنهم وهم يجهلون على، وأحسن إليهم وهم يسيئون إلي فقال له النبي عليه الصلاة والسلام (لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل (الرماد الحار) ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك " ولكن هذا لا يمنع ثواب من يصل من وصله إلا أنه ليس في الدرجة العليا التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم 0

*آثار صلة الرحم على الفرد والمجتمع

لا شك أن لصلة الرحم بركاتٍٍ متعددةً على الفرد والمجتمع0 فمن ناحية الفرد تشعر الفرد بالسعادة والطمأنينة من خلال المودة والمحبة التي يتلقاها من أقاربه وأرحامه0 وتساعده فى أموره الدنيوية ويبارك الله له فى داره وماله وعمره، فقد" روي أن (وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ)(مسند أحمد)

الإسلام يدعوللترابط الاجتماعي: فقد بين لنا القرآن الكريم والسنة المطهرة مدى ترابط جميع البشر بصلة واحدة ألا وهي آدم وحواء فهذا نداء من المولى سبحانه للخلق جمعيًا قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13).

ومن ناحية المجتمع فإن صلة الرحم توحد الأمة وتآخى بين أفرادها فمن بر أقاربه جميعاً فلا شك أنه سيتصل بأهل بلده جميعاً بل وربما البلاد المجاورة عن طريق النسب والصهر ولذا قال الله عز وجل على لسان النبي صلى الله عليه وسلم لأهل مكة (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) (الشورى: من الآية23) فإذا اتحدت الأمة على قلب رجل واحد فقد تخلصت من أكبر أدوائها، ومنبع ذلها وضعفها وهوعامل الفرقة وبهذا تنتصر الأمة على أعدائها ويُمَكِّنُ الله عز وجل لها فى الأرض.

النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الأمة كما حذر النبي الأمة من الفرقة بسبب التفاخر بالآباء وما شاكل ذلك ويذكرهم بأنهم من أصل واحد وتربطهم جميعًا صلة واحدة قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُوآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ) (سنن أبي داود)