عوامل القوة في بناء الأمّة الإسلامية

عوامل القوة في بناء الأمّة الإسلامية

سُنّة الله في الحضارات والدُّول:

لقد اقتضت سنة الله تعالى في الحضارات والأمم والدّول أن تقوم ثم تسقط، وتزدهر ثم تندثر، فما بين صعود وهبوط، ونجاح وإخفاق، قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140]..

أُمّتنا بين الصعود والهبوط، والقوّة والضعف:

إنّ الأمّة الإسلامية ابتدأت طريقها بصعود وارتفاع في زمن الرسول المُؤَسِّس -صلى الله عليه وسلّم- حتى حدثت ردّة الكثير من قبائل العرب ولم يبق سوى مكة والمدينة وقرية تسمى هجَر وهي بالبحرين حاليًا، فبدأ أبو بكر يعيد مجد الأمة وعزّتها بردّ كيد المرتدين وبداية عصر فتوحات لبلاد الشام، ومصارعة قطبي الصراع العالمي والتنافس الدولي وقتها (بلاد الفرس والروم)، وحقّق المسلمون صعودًا وانتصارًا عظيمًا في زمنه وزمن صاحبه عمر الفاروق، حتى وقعت فتنة في زمن عثمان وعلي انتهت بقتلهما -رضي الله عنهما- فانكسـرت الدولة المسلمة من جديد، وانزوت عن معالم حضارتها..

حتى كانت الدولة الأموية في أوّل عهدها وحققت ارتفاعًا وصعودًا جديدًا للحضارة الإسلامية، حتى أصاب الضعفُ أمراء تلك الدولة وخلدوا إلى الدنيا فكانت سنوات الهبوط والانكسار، ثم كانت مرحلة ارتفاع في مقدمة الدولة العباسية التي قامت على أنقاض دولة الأمويين، ثم شرد خلفاء الدولة العباسية وانزوى نورها واندثرت معها راية الأمّة بين الأمم، حتى جدّد الله للأمّة شبابها على يد الدولة الأيوبية ثم الخلافة العثمانية الراشدة، ثم كانت الانكسارات المتتالية عبر زماننا..

فإن النّاظر في واقع الأمة اليوم يدرك تمام الإدراك أنها تمرّ بمرحلة عصيبة شديدة عليها وعلى أبنائها؛ حيث أصيبت بالتبعية والضعف والهوان والمذلة، حتى تكالب عليها أعداؤها من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، فعملوا على تفريق شملها، وتمزيق وحدتها، والسيطرة على اقتصاديات دولها وأوطانها..

وكأني بالزّمن يعيد دورته التاريخية.. وأشدّ!!

فلقد كان حال المدينة التي هاجر إليها الرسول -صلى الله عليه وسلّم- حين أُذِن له بالهجرة؛ كان حالها فرقة وتنازع وشتات وتسلط لليهود عليها.. حتى أذِن ربنا بهجرة نبينا إليها، فأخذ بعوامل القوة التي تدعم وحدة الدولة الناشئة، وتحفظ لها قوتها ووحدتها واستقلاليتها..

وحريّ بعقلاء الأمة الكبيرة والدُّول التابعة لها أن يحسنوا قراءة سيرة الرسول الحبيب -صلى الله عليه وسلّم-؛ حيث نراه -عليه الصلاة والسلام- وقد أحسن الأخذ بالأسباب في دعم عوامل القوة في بناء الأمة والدولة، وكذا الحذر من أسباب الضعف والهوان..

ملكنا هذه الدنيا قروناً   *** وأخضعها جدود خالدونا

وسطَّرنا صحائف من ضياء *** فما نسيَ الزمان ولا نسينا

وللوقوف على أهم عوامل القوة في بناء الدول فلا بد أولا من ذكر الأسباب التي أدّت بنا إلى هذا الحال المُزْرِي الهزيل؛ سعيًا إلى وضع علاج واقعي لما وصلنا إليه..

أولاً: لماذا ضعُفَت أمّتنا اليوم؟:

ولقد ساهم في إضعاف الأمّة ودولنا العربية عدد من الأسباب تتلخّص في آية واحدة وردت في كتاب الله تعالى في أعقاب غزوة أُحُــد في السنة الثالثة من الهجرة النبوية؛ حيث انكسـر المسلمون في الغزوة وانهزمت قوّة الأُمّة -بعد انتصار بدْر- فنزل قول الله تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165]... نعم: [هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ]!!

فإنّ ما وصل إليه حال أمتنا وبلادِنا مِن عند أنفسنا، لما انهزمنا نفسيًّا صار الغرب هو سيدنا ونحن عبيده، لمّا ضعفت همّتنا في العمل والإنتاج صرْنا أسرى اقتصاد الغرب، لمّا بِتْنا متفرقين انهزمنا وتسلّط علينا عدوّنا، وتبدّل حالنا..

وقد لخّص النبي الحبيب -صلّى الله عليه وسلّم- أسباب الضعف والانكسار في أُمّتنا في حديثه الذي رواه الإمام أحمد في مسنده بإسنادٍ حسَنٍ، عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا" قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: " أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ، تُنْتَزَعُ الْمَهَابَةُ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ، وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ ". قَالَ: قُلْنَا: وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: "حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ".. ذنوب ومعاصي، سلبية ورضا بالدون، تفرق وتشتت وتنازع بعد صعود وقوّة...

كنا ملوكاً على الدنيا وكان لنا *** ملك عظيم وكنا سادة الأمم

كسرى وقيصر والخاقان دان لنا *** وأمرنا كان بين السيف والقلم

ومن عوامل القوة التي اعتمدها الرسول -صلى الله عليه وسلّم- في بناء الوطن، ما يأتي:

أولا: بناء الإنسان مقدّم على بناء العُمران (عقيدة وإيمان)

ثانيًا: بناء وحْدَة الصفّ المجتمعيّ

ثالثًا: بناء منظُومة العمل والاقتصاد المستقلّ وحُسْن توظيف الطاقات

رابعًا: بناء الأمَل في النفوس والقلوب

خامسًا: بناء القيم والأخْلاق الفاضلة

سادسًا: قوّة العِلــم والتعليـم

سابعًا: إقامةُ العدل بين الناس ونبذ الظُّلم

وتفصيل تلك العناصر السابقة على النّحو التالي:

أولا: بناء الإنسان مُقدّم على بناء العُمْران: إنّ الإنسان هو شعلة النشاط، وبارقة الأمل في بناءِ أيّ مجتمع وأيّ أُمّة، فإذا انتهكت حرماته، وضُيِّق عليه في حياته، لن تجد منه عطاءً لوطن، ولا حفاظًا على مقومات أيًّا كانت!! فالاستثمار الحقيقي في الوطن يكون ببناء الإنسان أولاً، عقيدة وثقافة وفكرًا وأخلاقًا واقتصادًا؛ فالإنسان هو أول ركن رئيس في أي خطة للبناء في البلدان والأوطان؛ فهو أساس التقدّم، وهو عمود الرقيّ، وهو ركن التحضّر، والله كرّمه، فكيف نهينه ونمتهن كرامته لمجرّد الاختلاف في الرأي أو الفكر أو حتى العقيدة والدين، يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70]. ودعا الإسلام بني البشر إلى التعارف والتعاون واحترام بعضهم البعض؛ يقول عزّ وجلّ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].. كما حرّم الإسلام الاعتداء على دين الإنسان، وماله، ونفسه، وعِرْضِه، وبدنِه، وأرضِه، وعقلِه، وحريتِه..

وقد كانت أولى خطوات النبي الحبيب -حتى قبل الهجرة- في دار الأرقم، وهي تلك الدار التي استطاع النبي من خلالها أن يبني الإنسان بناء متكاملا من العقيدة والعبادة والأخلاق والشجاعة والهمّة العالية. وبناء الإنسان يأتي من الآتي: من البناء العقدي والإيماني الصحيح لا المغشوش، فهناك تدين مغشوش، تدين الدروشة، تديّن المصلحة، تديّن الظروف، تديّن التلوّن، تديّن القشور والمظهر لا اللباب والمخبر، ... وبناء الإنسان تعبديًّا: حيث تصحيح مفهوم العبادة في حياة الإنسان، والعمل على بنائه أخلاقيا وقيميًّا.

ثانيًا: بناء وحْدة الصفّ المجتمعي لا تقسيمه وتشتيته والتصالح لا التنازع: فإنّ المجتمع الذي يتمزّق فيه عُرى الأخوة والوحدة يكون عُرْضَةً للعنف والشتات والتدخل الخارجيّ؛ فلا بدّ من وحدة الصفّ بين أبناء المجتمع الواحد كما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلّم في أوّل مَقْدِمِهِ إلى المدينة الطيبة؛ آخى بين المسلم والمسلم أخوة إنسانية ووطنية وإسلامية، كما آخى بين المسلم وغير المسلم أخوة إنسانية ووطنيّة، فاستطاع أن يحفظ الوطن في أوّل عهد تأسيسه، يقول الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، وقال سبحانه: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46]، والنبي صلى الله عليه وسلّم يقول –كما ثبت في صحيح مسلم من حديث النُّعمان-: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»..

فكونوا جميعًا إذا اعترى **** خطبٌ ولا تتفرّقوا آحادًا

تأبى الرّماح إذا اجتمعن تكسّرًا **** وإذا تفرّقت تكسّرت أفرادًا..

وفي سبيلِ تحقيقِ هذه الوحدة وتلك الأخوّة أعدّ النبيّ دستورًا ووثيقة تعمل على حماية المواطنين جميعًا مسلمًا وغير مسلم.

وكما قال البعض عن الإسلام: إنه "إسلام يقيم المجتمع على أواصر الإخاء والوحدة بين أبنائه، فلا مكان فيه لصراع الأجناس، ولا لصراع الأديان، ولا لصراع الطبقات، ولا لصراع المذاهب. فالناس كلهم أخوة، تجمع بينهم العبودية لله، والبنوة لآدم، "إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد" واختلافهم واقع بمشيئة الله تعالى وحكمته، وهو يفصل بينهم يوم القيامة، فيما كانوا فيه يختلفون"...

فليتفق الناس على القواسم المشتركة، ويتعاونوا من خلالها، وإن اختلفوا في أمور أخرى..

ثالثًا: بناء منظُومة العمل والاقتصاد المستقلّ وحُسْن توظيف الطاقات: إنّ رفعة الأمم وتقدمها مربوط بحجم عطاء وعمل أبناء الشعوب والأوطان في تلك الأرض، ولا ننسى ما فعله ذو القرنين من تغيير ثقافة شعب كسول خامل عن العمل، كما ورد في سورة الكهف، وماذا كانت نتيجة حركتهم وبذلهم وعطائهم. ولقد عنيت آيات الكتاب المجيد بذكر ما أمر الله به في نصوصه المقدسة الراقية، ومن بين الأوامر قوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105].

وتلك القيمة توفرت وبقوّة مع أصحاب رسول الله: فهذا عبدالرحمن بن عوف، قال لسعد بن الربيع: (دلني على السّوق)، إنها دعوة للتميز والاستقلاليّة لا التبعيّة للآخرين، حتى أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم قرّر مع بدايات هجرته ببناء سوق للمسلمين، بديلا عن سوق اليهود؛ لئلا يكون تبعًا لهم، وأن يكون متميزًا في معاملته التجارية بما يتناسب وشريعة الإسلام،

وكما يقول الشيخ الشعراوي -رحمه الله-: (من لم يكن طعامه من فأسِه، فلن يكون قراره من رأسه)..

نعـم: إنّ النّاظر في القرآن المجيد يكتشف أنّ الإسلام قد اهتمّ بالبذل والعطاء للبشرية والمجتمعات، وحفّز الهِمَم نحو الإنتاج والتنمية بكافة نواحيها، لا سيّما: التنمية الاقتصادية، القائمة على الاستثمار، استثمار الجهود، والطاقات، والأموال، والمادّة الخام، كما حدث في نموذج ذي القرنين حين أتى قومًا سلبيين لا يعملون ولا يتحرّكون، فحرّك هممهم، ووظّف طاقاتهم، وعلّمهم أنّ بالتعاون والتشارك تُبْنى الأُمم وتحصّن من أيّ عدوّ غاشم، فبنَى السدّ بينهم وبين يأجوج ومأجوج..

وكم في هذه القصة من الدروس والعبر، ففيها: (حُسْن استخدام الإمكانات المُتاحَة، وحُسْن توظيف الطاقات البشرية قبل الماديّة، وضرورة وجود إدارة متعاونة لا مستبدّة، والعمل على إيجاد فرصة للتعبير والتحرّك للمصلحة العامّة....الخ). ويبقى العمل مع الإنسان إلى آخر لحظة في حياته: ففي مسند أحمد، -وهو حديث صحيح على شرط مسلم-، وفيه: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ». فمهما كانت ظروف الدنيا فلا أقلّ من العمل والعطاء والبذل والاجتهاد.

إنها دعوة لحُسْن استغلال كل المواد الخام وتوظيفها بطريقة ترفع قدر الأمة والمجتمع الإسلامي، وكما يقول الشيخ الغزالي -رحمه الله-: «الناس رجلان: رجل نام في النور، ورجل استيقظ في الظلام!!». وهو نموذج لمن استغل كل ما تحت يديه، وآخر نام في النور الذي يملكه.

رابعًا: بناء الأمَل في النفوس والقلوب: فلا بدّ من بث الأمل، وتثقيف الناس جميعًا بأن من وراء الشدة يأتي الفرَج القريب، وأنّ مع العُسْر يأتي اليُسْر، وتلك هي رسالة كل الأنبياء والرسل، وصدق الله إذ يقول: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87]..

وقد ورد في صحيح البخاري عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» وهذه رسالة لكل ولي أمر ولكل إنسان أن يعمل على بث الأمل مهما كانت الظروف المظلمة، وكما يقول بعضهم: لن تكون قمرًا منيرًا إلا إذا أحاطتك الظُّلْمة من كُلّ مكان!

ويقول عزّ وجلّ لنبيه موسى وهو في مصر -حفظها الله-: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 87] فأمره ربُّه ببث الأمان بجعل بيوت المصريين قبلة لمن أراد الأمان، وأمره كذلك ببث البشرى والأمل.. ومن بثّ الأمل إزالة الضرر عن الناس في المجتمع، فالمسلم الحقيقي -كما ثبت- هو من سلِم الناس من لسانه وأذاه... أقُول هذا الكلام؛ لأنّ الأُمَم لا تبنى باليأس، ولا تتقدم بالتشاؤم، ولا تنافس غيرها ببث الخوف والرعب بين المنسوبين أو الزائرين للمجتمع..

خامسًا: بناء منظومة القيم والأخلاق: لا شكّ أن للقيم أهمية في بناء المجتمعات والأُمم، وأي أمّة تتنازل عن قيمها وأخلاقياتها لا تستمرّ ولا تدوم، وإذا دامت فترة لا يُكتب لها الخلود، فالمجتمع الملتزم بالقيم مجتمع يجمع بين الرقيّ والأمان، والاحترام والتقدير.، ولِذَا كانت رسالة النبي البشير واضحة في إعلاء وإعلان القيم الفاضلة في كل معاملة وسلوك، بل رتّبت الشريعة الإسلامية الأخلاق كنتيجة طبيعية للعبادات والتشريعات.. وها هو نبينا محمّد صلى الله عليه وسلّم: يختصر رسالته في قوله: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ»... وكما يقول الشاعر: وإنّما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن همُو ذهبت أخلاقهم ذهبوا.. ومن بين القيم والأخلاقيات التي تعمل على بناء الأوطان: المساواة والعدالة والحرية والشورى والشهادة في سبيل الدين والوطن...

سادسًا: قوّة العِلــم والتعليـم:

لا يُمَكِّنُ الله تعالى لأمّة الجهل!!

ولذا كانت أول كلمات الوحي للرسول (اقرأ) وكان اهتمام النبي عمليا بالعلم؛ حين جعل افتداء الأسرى يوم بدر بتعليم عشرة من أصحابه العلم وإزالة الأمية، وقد قال الله تعالى لنبيه ولنا من بعده: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]؛ لأنّ العلم قوّة وقوة عظمى!!

فلم لا نتوجه إلى العلم، ونصب اهتمامنا بإخراج جيل متميز وفائق علميا في مجالي الدين والدنيا معًا؛ لا سيما وأمم الأرض اليوم تتنافس على تبوء أعلى الأماكن علميا؛ لأنهم أدركوا أنّ قيمة الدول حقيقة فيما تحسنه في باب الأبحاث والتقدّم العلميّ، يقول القائل:

بالعلم والمال يبني الناس ملكهم *** لم يبن ملك على جهل وإقلال

كفاني ثراء أنني غير جاهــل *** وأكثر أرباب الغنى اليوم جهال

سابعًا: إقامة العدل بين الناس ونبذ الظُّلم

لقد قصّ علينا القرآن المجيد قصصا لأمم انكسرت وانهزمت واندثرت لما شاع ظلمها وكثُر، قال تعالى: «وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَـاهُمْ لما ظلموا»، فبِالعَدْل قامت السماء، وإنما قامت دولة الإسلام الأولى في رحاب المدينة المنورة يوم أن كان شعار قائدها (لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد -وهو رئيس الدولة وزعيمها- يدها).. عندما تساوى الناس وعادت الحقوق للمظلومين والمقهورين انتصرت الأمة وكُتب لها القوة والتمكين، ، وقد ثبت في حديث ابن ماجه في سننه: (لَا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لَا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ) أي: من غير أن يصيبه أذى يُقلقه ويزعجه.

وقد حدّثنا التاريخُ عن أنباء أمم ودول طغى فيها الظلم المادي والمعنوي، فاستحقت الاندثار والانهزام، وسنة الله تعالى في كونه لا تحابي أحدًا.. ومجرّد نسبة الإنسان أو الأُمّة للرسول لا تعفيها من عقوبة ونتيجة الظلم؛ فمن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه..

كلمة أخيــرة:

إلى المحبين لأمتهم ووطنهم: احرصوا على أن تكونوا أتباعًا حقيقيّين لرسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلّم-؛ بحرصكم على بناء أمّتكم كلها بلا قومية مهينة، أو عصبية مقيتة، تبحثون عن معالم عزّ هذه الأمة وتسعون إلى عملها وإيجادها في واقع حياة الأمّة؛ رغبةً في أن يحفظ الله أمّتنا وأوطاننا..

يتخلّى المغرور عن غروره، ويترك المتكبر كبره، ويعزل المساند للظلم نفسه عن مساندة أتباعه..

أمّتك ووطنك بك لا بغيرك!!

ومن بين حكم الحكماء: (إن لم تزد على الدنيا شيئًا فأنت زائدٌ عليها) (والراضي بالدون دنيء) فأحسِن عملك، وأتقن تخصصك، ونمّ مهاراتِك، ووظِّف ما تجيده في خدمة وطنك وأمّتك....

أسأل الله تعالى أن ينفعنا وإياكم بالدين العظيم، وأن يجمّلنا بأحسن الأخلاق، وأن يجعلنا سببًا في رفعة أمّتنا وعز أوطاننا... اللهم آميـــن..

بقلم د / عادل هندي - المدرس بجامعة الأزهر