حب الوطن... أسس ومنطلقات

حب الوطن... أسس ومنطلقات

إن حب الوطن هو غريزة فطرية وسليقة بشرية، ونزعة إنسانية، فيتعلق الإنسان بالأرض التي يعيش عليها ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بأهلها، فترى حب الوطن بالنسبة للإنسان كحبه لولده ووالده وقومه وعشيرته وزوجته وأقاربه ومعارفه، فهو حب مغروس في جبلة الإنسان، متأصل في فطرته وكيانه.

مفهوم الوطن في المنظور الإسلامي: إن المتأمل والمتدبر لآيات القرآن الكريم وسيرة النبي العظيم صلى الله عليه وسلم ليدرك تمام الإدراك أن الدين مقدم على الوطن، وحب الله تعالى وطاعته قبل حب الوطن (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ) (البقرة:165) والأمة الإسلامية أمة واحدة وجامعة كبرى ورابطة عظمى جمعهم الدين ووَحّدتهم العقيدة وألف بينهم أخوة الإسلام ومودته مهما تفرقت البلدان وتباينت الأوطان وتنوعت الأجناس واختلفت الألسنة (إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً )(الأنبياء: 92)، (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ )(الحجرات:10).


أبي الإسلام لا أب لي سواه

*


إذا افتخروا بقيس أو تميم

الخليل عليه السلام وحب الوطن: قال تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)(البقرة: 126) وقال تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ*رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ*رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)(إبراهيم:35 :37)، فهذا نبي الله وخليله إبراهيم عليه السلام يعلم شباب الأمة اليوم وشيبتها ورجالها ونساءها وأفرادها وجماعاتها وصغارها وكبارها أن بناء الوطن إنما يقوم على تحقيق الأمن في ربوعه وتنشيط الاقتصاد في جوانبه ودروبه، فلا قيام لأمة ولا بناء لنهضة ولا إقامة لحضارة مع شيوع الفوضى وانتشار البلطجة واصطناع الفتن.

فيدعو عليه السلام لهذا البلد الناشىء وتلك البقعة المباركة الوليدة أن يعمها الأمن والأمان ويسودها السلامة والإسلام مقدرًا قيمة الرزق لأبناء أي وطن لا زال في طور البناء أو إعادة الهيكلة فيقول: (وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)(البقرة:37)، ما أجمل نعمتي الأمن والرخاء، وما أحوج الأوطان إليهما لا سيما وهي في مرحلة البناء فلقد امتن الله تعالى على قريش بهاتين النعمتين فقال عز سلطانه (الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ)(قريش:4)، وقال صلى الله عليه وسلم (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا) (أخرجه الترمذي، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ)

حب النبي صلى الله عليه وسلم لوطنه:

فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ حَمْرَاءَ الزُّهْرِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفًا عَلَى الْحَزْوَرَةِ فَقَالَ وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ)(أخرجه الترمذي، وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ»)، وفي رواية الطبراني: (اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا مِنْ حُبِّ الْمَدِينَةِ مِثْلَ مَا جَعَلْتَ فِي قُلُوبِنَا مِنْ حُبِّ مَكَّةَ)

أسس بناء الأوطان:

الأساس الأول: البناء الاجتماعي وتحقيق العدل والمساواة:

فأي وطن لكي يبني على أسس قوية متينة لابد أن يتساوى الجميع فيه أمام القانون العام الذي يحكمهم فلا تتميز طبقة على طبقة ولا تعلو فئة على أخرى، ولا مجال للواسطة أو المحسوبية أو الرشوة التي تقدم الذي لا يستحق على صاحب الحق، بل إن الرئيس يطبق على نفسه الحق والعدل والمساواة برعيته قبل المرؤوس، فها هو نبينا صلى الله عليه وسلم يغضب من حِبِّهِ أسامة بن زيد حينما كلمه في شأن المرأة المخزومية التي سرقت مُعَنِّفًا له بقوله: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ»، درس في المساواة أمام قانون الله، فكأني به صلى الله عليه وسلم يقول: ألا فلتعلم يا أسامة أن المخزومية الحسيبة النسيبة مثلها مثل الأمة الحبشية الغريبة، فالإسلام يا أسامة قد سوَّى بين عمر القرشي وبلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي كلهم في الحقوق والواجبات سواء، ثم قرر صلى الله عليه وسلم قاعدة عظيمة حينما قال (وَأيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا) متفق عليه. ويؤكد على ذات المعنى قبل أن يفارق الدنيا بواحد وثمانين يوما حينما قال بأبي هو وأمي «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13] )(مسند أحمد).

إذا كان أصحاب أي وطن يرجون معية الله وتسديده وتوفيقه وتأييده ونصره فلابد أن يقيموا العدل واقعًا نابضًا بالحياة مفعمًا بالتنفيذ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «إن الله لينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ويخذل الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة».

ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأسوة الحسنة – بعد الهجرة إلى المدينة المنورة، حيث آخى بين المهاجرين والأنصار، ثم كانت وثيقة المدينة التي جمعت بين جميع الشرائح والطوائف في مجتمع شعاره التعايش السلمي، القائم على الحرية والعدل والمساواة.

الأساس الثاني: البناء السلوكي:

وذلك بنشر القيم الأخلاقية، وتقديم القدوة العملية للناس في تطبيقها، ففي الحديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» الأدب المفرد/ صحيح.، وعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: سُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَتْ: " كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ " مسند أحمد/ صحيح.

الأساس الثالث: البناء الفكري:

وذلك بنشر الفكر الوسطي المعتدل الذي وصف الله تعالى به أمة الإسلام:" وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا" ( البقرة: 143 )

الأساس الرابع: البناء الاقتصادي: اقتداء بالرسول - صلى الله عليه وسلم- حيث اهتم بهذا البناء مباشرة بعد الهجرة، ومن أهم مظاهره إنشاء سوق تجاري للمسلمين، واهتم بالزراعة والصناعة، حتى يحقق الاستقلال الاقتصادي، ويحقق تمام الكفاية للأفراد والاكتفاء الذاتي للأمة.

الأساس الخامس: التضحية بالنفس والمال:

فلابد من التضحية لبناء الوطن ليقاوم معاول الهدم، وكذلك لابد من إيثار المصلحة العامة على الخاصة، والحفاظ على المال العام، والحرص على العمل والإنتاج، و العمل على رفع الكرب عن أصحاب الكروب من الأيتام، والمرضى، والفقراء والمساكين وأصحاب الحاجة والضعفاء عمومًا.

ولذلك نتواصى بالإسهام في مشروعات العمل الصالح لخدمة المحتاجين، ومن ذلك المشروعات الطبية، والتنموية، والاجتماعية، ولعل ما تقدمه الجمعية الشرعية، والجمعيات الخيرية الأخرى، نموذجا لنا في العطاء والبذل والعطاء لبناء الإنسان والوطن.

الأساس السادس: الإيجابية واستشعار المسئولية:

فعن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: « مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا» البخاري. قوله: (مثل القائم على حدود الله تعالى) أي: المستقيم على ما منع الله تعالى من مجاوزتها، ويقال: القائم بأمر الله معناه: الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر. (والواقع فيها) أي: في الحدود، أي: التارك للمعروف المرتكب للمنكر.

يتبين لنا من الحديث: أنه إذا أقيمت الحدود وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر تحصل النجاة للكل وإلا هلك العاصي بالمعصية وغيرهم بترك الإقامة.( عمدة القاري).

الأساس السابع: الحفاظ على الوحدة ونبذ الفرقة:

التأصيل من القرآن الكريم: أمر الله تعالى بالوحدة فقال:" وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا "(آل عمران:103)، ونهى عن التفرق ونفر منه فقال: "وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ" (آل عمران:105)، وتبرأ من أهل النزاع والشقاق فقال:" إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ" (الأنعام:159)، وأخبر أن المسلمين جميعًا أمة واحدة لا تفرقهم الأنساب والأعراق فقال:" إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ"(الأنبياء:92), وأمرنا الله بالتعاون على فعل الخير, فقال تعالى:"وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ "(المائدة: 2)

أدلة من السنة المطهرة:عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بِالجَابِيَةِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا فَقَالَ: «أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ، وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ، أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ، عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ فَلْيَلْزَمُ الجَمَاعَةَ، مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ» الترمذي/ حسن. وعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ- رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» مسلم. وعَنْ أَبِي مُوسَى- رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» مسلم. هذه الأحاديث صريحة في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد في غير إثم ولا مكروه.

مبادئ الوحدة الوطنية:

1- تربية المواطن على قبول الآخر.

2- الاحترام والتعاون المتبادل.

3- التأكيد على مبدأ الحرية والمساواة.

4- كفالة حق العيش للجميع.

5- الاستفادة من «وثيقة المدينة» التى أرساها الرسول صلى الله عليه وسلم بين المسلمين وغيرهم بعد هجرته إلى المدينة المنورة، وبيان حقوق المواطنة حتى يلتزم بها جميع المواطنين من الطرفين.

الأساس الثامن: حفظ الدماء والأموال والأعراض: فَعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ»( مسلم) وتشريعات الإسلام الربانية فيها ما يحافظ على عرض المسلم، ودمه، وماله، ومن أجل ذلك كان تحريم القتل، والسرقة، والزنى، والقذف، وجعلت الحدود المغلظة على من ارتكب تلك المحرمات، وقد يصل الأمر للقتل – كالزاني المحصن – حفاظًا على أعراض الناس, والإسلام حرَّم على المسلم إخافة أخيه، ولو مازحًا، فعن السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ رضي الله عنه أنَّه سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لاَ يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لاَعِبًا وَلاَ جَادًّا، فَمَنْ أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا إِلَيْهِ »رواه الترمذي/ حسن. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرٍ، فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى نبْلٍ مَعَهُ، فَأَخَذَهَا، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ الرَّجُلُ فَزِعَ، فَضَحِكَ الْقَوْمُ، فَقَالَ : مَا يُضْحِكُكُمْ ؟، فَقَالُوا: لا، إلا أَنَّا أَخَذْنَا نبْلَ هَذَا فَفَزِعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا » رواه أحمد/ صحيح.

منطلق البناء: ينطلق البناء بهذه الأسس من المساجد كما انطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مسجده الشريف – وهذه دعوة لتفعيل رسالة المسجد للنهوض بالمجتمع أخلاقيًا وسلوكيًا واجتماعيًا وفكريًا.

العطاء للوطن يكون بالصلاح الذاتي والإصلاح المجتمعي:

إذا كُتب لنا معاشر المسلمين الكرام أن نقدم لهذا البلد ونحدث له نهضة حقيقية وأن يستعملنا الله عزوجل في إقامة دينه وإعزاز شريعته وإعلاء كلمة الحق فلابد من مراعاة الصلاح على المستوى الفردي، الصلاح الذي يعني الإيمان والطاعة والقرب من الله تعالى حتى يُمَدَّ الصالحون بعون الله ويُؤيَّدوا بتوفيقه، قال تعالى:(التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ ) (التوبة:112). كلها صفات صلاح شخصي ذاتي، فالجيل الذي يستحق نصر الله ويستأهل معيته لابد وأن تكون صفته هكذا، ثم لابد من مراعاة الإصلاح المجتمعي وذلك بحفظ حدود الله وإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ليظل المجتمع محفوظًا ومصانًا من كل خَبَثٍ ومنكر ومعصية قال تعالى: (الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)(التوبة:112).

وفي آية أخرى في سورة الحج يؤكد ربنا عز وجل هذا المعنى الهام في البناء والعطاء للوطن، وكأنه بذكر هذه الآية في سورة الحج إيماء إلى أن عبودية الحج وفريضته تعين المسلم على الصلاح والإصلاح فالحاج قريب من الله طائع له مستسلم لأوامره منقاد لشرائعه، وهو في ذات الوقت لا يعتدي على الحرمات ولا يؤذي المخلوقات ويأمن منه جميع الكائنات فهو في سلام مع نفسه والخلق منه في سلام، يقول تعالى: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ)(الحج:41). هذه صفات صلاح لنفس المسلم وذاته (وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ)(الحج:41). صفات إصلاح للمجتمع لتتحقق الخيرية لتلك الأمة (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ)(آل عمران:110). ثم يقرر رب العزة سبحانه أنه بعد العطاء يكون قطف الثمار وجني الحصاد فيقول:(وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)(الحج:41) فالنتائج ليست في يديك، أيها الصالح المصلح، وجني الثمرة ربما يكون لغيرك.

فعليك بذر الحب لا قطف الجني              والله للســـاعين خيــر معـين

حقوق المواطنة مكفولة للجميع في صرح دولة الإسلام الشامخ:

بعد أن أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم قواعد دولته ومجتمعه الجديد عقد مع جيرانه اليهود بالمدينة معاهدة قرر لهم فيها النصح والخير تاركًا لهم حرية المعتقد، ولم تكن سياسته صلى الله عليه وسلم معهم سياسة الإبعاد والإقصاء أو المصادرة والخصام، معاهدة قرر فيها حق المواطنة للمسلمين واليهود في هذا المجتمع وأن بينهم النصح والنصيحة والنصر على من دَهَم يثرب، وكذا عاهد صلى الله عليه وسلم قبائل أخرى من العرب بمثل هذه المعاهدة، وهذا يدلل على أن المسلمين لهم منهج عال سامق ذو أدب كامل لا يقصى الآخر ولا يجليه إلا إذا وقع منه عدوان أو خرق للعهد.

وكذا كانت دولة الخلافة الراشدة، فها هو الفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه قامت دولته على الوفاق وإرساء الحقوق فقد كان شديد التسامح مع أهل الذمة وكذا كان عهده وفتوحاته تشهد على احترام الإسلام للأديان الأخرى، فقد جاءت امرأة نصرانية عجوز كانت لها حاجة عنده فقال لها: «أسلمى تسلمي؛ إن الله بعث محمدًا بالحق» فقالت: أنا عجوز كبيرة، والموت إليَّ أقرب، فقضى حاجتها، ولكنه خشي أن يكون في مسلكه هذا ما ينطوي على استغلال حاجتها لمحاولة إكراهها على الإسلام فاستغفر الله مما فعل، وقال: «اللهم إني أرشدت ولم أكره».

فدولة الإسلام وأوطانه إنما تقوم على الخلق الرفيع والذوق العالي والأدب الكامل، دولة العدل والمساواة، والأخوة والمؤاخاة، والمؤازرة والمواساة، دولة لمعاهداتها أخلاق، ولفتوحاتها أخلاق، ولسيوفها أخلاق، ولأهلها أخلاق.

اللهم اجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين، اللهم ارزق أهله الأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى يا رب الأنام.

هذا وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

مقالات ذات صلة