مكانة العمل والإنتاج في الإسلام

مكانة العمل والإنتاج في الإسلام

  لا شك أن الأمة التي تستهلك ولا تنتج عالة على غيرها من الأمم، وعدمها أفضل من وجودها، ولم نر دينًا أعطى أتباعه حركة دافعة للإنتاج والإنجاز في كل المجالات المفيدة والحيوية مثل الإسلام الذي جعل أجرًا على عمارة الأرض وعلى رفع الحرج وإزالة الكروب وتحقيق الرفاهية للأمم والشعوب؛ فقرر أن نعم المال الصالح للعبد الصالح وأعطى أجرًا أخرويًا على الزراعة والصناعة بالإضافة إلى الثمرة الدنيوية حتى عمت فائدة المسلم أرجاء الكون؛ فنال من فوائده الشجر والحجر والبيئة، فعد إماطة الأذى عن الطريق صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة.. وهكذا.

نقول هذا الكلام والبلاد تحتاج إلى كل ذرة من جهد للبناء والتعمير لا التخريب والتدمير وفي وقت صار المسلمون فيه عالة بما يستهلكونه من منتجات غيرهم، ولنحاول رسم المسار في هذه النقاط:

 أولا: مفهوم العمل الصالح في الإسلام: غالبًا ما يذكر القرآن العمل الصالح بعد الإيمان كدليل عليه وعلامة بين يديه في مثل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} (الكهف:107)، والعمل الصالح هو مطلق العمل الذي ينفع البشرية؛ فعمل ذي القرنين عمل صالح رغم أنه ليس صلاةً ولا صيامًا وإنما خلط معادن وإيقاد النار عليها ونفخ فيها وبناء السد بها.. إلخ. وقال القرآن على لسانه: {مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ..}(الكهف:95).

 وقد سمى القرآن الكريم ما قدمه داود عليه السلام للبشرية من صناعة الدروع الحربية؛ سماه عملا صالحًا فقال تعالى: {أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ۖ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}(سبأ:11)، والأمة المسلمة بطبيعتها أمة منتجة ولا فصل بين العمل النافع والإنتاج الهادف وبين جوانب دينها أبدًا {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (الملك:15)، {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} (الجمعة:10).

وقد نسي المسلمون أو تناسوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبر فيما رواه الطبراني في الكبير: «طَلَبُ الْحَلَالِ فَرِيضَةٌ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ» ( المعجم الكبير للطبراني) وروى البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ » (البخاري)

 وقد عد النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الذي خرج مبكرًا لطلب الحلال ساعيًا على الرزق - هو في سبيل الله كما عد العمل المثمر الذي ينفع المسلمين عملاً صالحًا مكفرًا للذنوب، فمن بات كالاً من طلب الحلال بات مغفورًا له، وجعل من الذنوب ذنوبًا لا يكفرها الصيام ولا الصدقة ولكن يكفرها السعي في طلب الحلال وجعل الحرفة أمانًا من الفقر.

 فَوِفْقَ هذه المقاصد الحسنة يعمل المسلم ويتحرك للكسب فيأخذ الأجر من الله عز وجل إضافةً إلى الأجر الدنيوي فإن لم يُقَدِّرْ جهدَهُ البَشَرُ فحسبه أن الله تعالى يقدره {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا}(الكهف:30)، وهذه النية إذا دخلت على العمل حولته من العادة إلى العبادة.

 ثانيًا: أكذوبة المهن الوضيعة: درج البعض على تسمية بعض المهن الحلال (مهنًا وضيعة) وليس ذلك لشيء إلا لأنها لا تتناسب والكبرياء الفارغ الذي ملأ صدور كثير من المسلمين في هذا الزمان، هذا.. وقد كان العرب قديمًا يأنفون من الحدادة والزراعة والنجارة والحياكة وغير ذلك من المهن التي أتقنها يهود المدينة وحققوا بها أرباحًا داينوا بها العرب عن طريق الإغراق في الربا، فملك اليهود ثروة كبيرة جعلت سلام بن أبي الحقيق وهو من متوسطي اليهود في الدخل يملأ جلد ثور ذهبًا عند خروجه مع بني النضير ويضرب عليه ويقول: هذا ما أعددناه لخفض الأرض ورفعها!

 أما أولاد الأكابر من العرب فقد أنفوا من العمل وجعلوا ينتظرون الحصاد السنوي من المزارع التي اقترضوا قيمتها من اليهود بالربا طبعًا، وأتلفته أجور العمال من اليهود أيضًا، إلى أن جاء الإسلام فغير الفكرة تمامًا بأسلوبه الحكيم وحضهم على تغبير الأيدي في العمل. والناظر إلى واقعنا يدرك وبجلاء كيف احتكر غير المسلمين مهنًا معينة من بابها فغيروا بها الكثير والكثير لصالحهم، وأثروا بها في الحياة الاقتصادية ولا يزال المسلمون يأنفون من العمل، ودينهم يذكرهم بقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» البخاري.

 والسؤال لماذا ضرب الرسول المثل بداود عليه السلام على وجه الخصوص؟

 والجواب لأن داود عليه السلام كان ملكًا نبيًا، والمفترض أن الملك يأكل ما لذ وطاب ولا يجهد نفسه في الأعمال الحرفية ولكنه اختار عملا من أصعب الأعمال، وهو النبي الملك!!

 والملاحظ على عمل داود عليه السلام الآتي:

 1- أن داود عليه السلام لم يحتقر العمل النافع المفيد وإن كان الحدادة حيث الدخان والرائحة الكريهة والتعامل مع العامة من الناس.

 2- أن المجال الذي اختاره داود عليه السلام تحتاجه الأمة فعلًا فهو يخدم الأمة قبل أن يخدم شخصه هو، وذلك أن الجيوش المسلمة كانت تحتاج الدروع وأراد داود عليه السلام أن يرفع الحرج عن أمته وبنفسه فدخل هذا المجال الصعب ليصنع الدروع محليًا وبيد مؤمنة.

 3- وأنه عليه السلام لم يرد بنيته طعام البطن فحسب بل ابتغى بعمله رفع الحرج عن الأمة.

 4- بلغ داود عليه السلام من الإتقان والمهارة في المجال الذي شغله مبلغا عظيما لدرجة أنه قدم للبشرية اختراعا في مجاله {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ}(الأنبياء:80) .

 5- ووجه الجدة في ذلك أن الدروع التي كانت تصنع آنذاك كانت من الحديد المصمت وكانت تعوق الحركة مع زيادة الوزن والتكلفة معا فكان الجديد الذي قدمه داود أن صنعها على هيئة حلقات متداخلة وتلافى بذلك زيادة الوزن والتكلفة الباهظة وأمكن معها سهولة الحركة بالإضافة إلى كونها صناعة محلية صرفة، وهذا المقصود بالتعبير القرآني: {أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ} كاسيات لمواضع الطعن {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ}حتى لا يزيد الوزن والتكلفة {وَاعْمَلُوا صَالِحًا} فسمى هذا المنتج عملا صالحًا.

 وهذا النموذج يصلح أن يحتذيَ به كل عامل مسلم، فلا يحتقر المهنة التي يتخصص فيها مع تجويد الصنعة والإتقان فيها ولا يحقرن مهنة ما وأن يكون لديه تصور عام عن المهنة التي يعمل فيها وأن يسد بمهنته ثغور المسلمين، وأسوته في ذلك داود عليه السلام.

 ثالثا: الإسلام وتنمية الإنتاج: تعوذ عمر بن الخطاب رضي الله عنه من جلدِ الفاجر وعجز الثقة وهذا نراه في واقعنا المعاصر فالكفار لديهم جَلَدُ عجيب في السعي والكد والإنتاج والتصنيع بالقدر الذي أخجل المسلمين أمام ربهم وأمام أنفسهم.. والمسلمون الذين يظنون أنهم سيبلغون رضوان الله تعالى بغير جد واجتهاد واهمون، ولن يجيدوا إلا فن التثاؤب والكسل إذا استمروا على ذلك، وقبل أن نخوض في التفاصيل نسوق الرؤية القرآنية لتحقيق الاكتفاء الذاتي، فهذا نبي الله يوسف عليه السلام يضع لقومه خطة اقتصادية خمس عشرية بوحيٍ من الله تعالى: {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ}(يوسف آية 47- 48-49) فتقوم خطته العامة على:

   1.      الإنتاج (الزراعة) بدأبٍ واجتهاد ونشاط.

   2.      الادخار لوقت الحاجة وذلك في صورة (تكوين مخزون استراتيجي من القمح).(فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ)

   3.      ترشيد الاستهلاك والإنفاق {إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ}. فكانت النتيجة المبهرة لتطبيق هذه الخطة الرشيدة بأيدي الأطهار؛ هي نجاة مصر من أزمة اقتصادية خانقة (شدة القحط والمجاعة) بل وقيامها بدور قائدة النظام العالمي القديم في تقديم المنح والهبات للشعوب المجاورة وبلا مقابل (انظر تفصيل ذلك في سورة يوسف).

 ومثال آخر وهو ذو القرنين ويمكننا أن نستخرج من قصته مع أهل السَّدَّيْنِ ما يأتي:

 1- المتابعة الجادة والمستمرة منه لمن تحت يده، ودراسة المسائل دراسة ميدانية وافية لا تعتمد على التقارير وحدها، فهو ينطلق من مغرب الشمس لمشرقها وعند السدين في متابعة ميدانية مبهرة.

 2- القوم القاطنون عند السدين بينهم وبين مسلمي اليوم أحوال متشابهة، فالقوم لديهم ثروة ومال بدليل {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا}، ولديهم ثروة معدنية بدليل {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ}، ولديهم ثروة بشرية تستطيع أن تفعل وأن تنتج بدليل أنهم قاموا ذاتيا بالمهمة مع تعدد مراحلها بإشراف ذي القرنين لاحظ معي الأفعال {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ.. آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ.. انْفُخُوا.. آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا}، ومع الثروة البشرية والمعدنية والاقتصادية إلا أنهم قوم لا يجيدون التفكير فيأتي غيرهم لسلب ثرواتهم، وهم لا يكادون يفقهون قولا فهم يحتاجون لقائد أمين يضع يده على الداء ويستغل الثروات في النافع المفيد ويضع الأمور في موضعها ولا يستخدم موارد الأمة فيما يسيء إليها ولسان حاله: {مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ}.

 3- وإذا ما طبقنا المثال القرآني على واقع المسلمين وجدنا أنفسنا بحاجة إلى مَنْ يوظف الطاقات ويجعل الإنتاج في مساره الصحيح ولكل عصر يأجوجه ومأجوجه الذين يبتزون ثروات من لا يفقهون قولا!!

 ولكي يتحقق لنا الاكتفاء الذاتي علينا بما يأتي:

 أولا: رصد الطاقات والإمكانات المتاحة ومحاولة تفعيلها والاستفادة منها ما أمكن، ومن ذلك الثروة البشرية، ومصر والحمد لله تملك أفضل القوى البشرية.

 ثانيًا: إعادة هيكلة وتوزيع الطاقات ووضع الطاقات المناسبة في المواطن التي تصلح لها والرجل المناسب في المكان المناسب كما فعل ذو القرنين لينجي أمته من هلاك محقق.                                         

 ثالثًا: الإسلام والاستثمار المادي: وعلى المستثمر المسلم أن يجعل استثماراته في النافع لأمته وألا يبني مجدًا شخصيًا لنفسه على حساب الأمة وحقوق أبنائها، وبعض أصحاب رءوس الأموال يستعجلون الربح ويؤخرون المبادئ فتراهم يضعون أموالهم عند الأعداء ويستثمرونها في بلادهم.

 فعلى المستثمر أن يراعي الآتي:

 1- أن يختار في مجال عمله إنتاج ما يسد به ثغرة احتياجات الأمة الضرورية و الداعمة لاقتصاد الوطن كالقمح في مجال الزراعة والتعدين والتسليح في مجال الصناعة وهكذا.

 2- الحرص على تطبيق الضوابط الضامنة لجودة الصناعة حتى تخرج السلعة متقنة.

 3- العمل على تصنيع المنتجات التي لا تصنع محليًا لنستغني بذلك عن الاستيراد ويتحقق لدينا الاكتفاء الذاتي كما فعل داود عليه السلام.

 4- لا تتعامل بالربا في جميع استثماراتك وإلا فهي الحرب من الله ورسوله.

 5- تجنب الغش والاحتكار وكل ما يخالف الشريعة الإسلامية: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟» قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» مسلم، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ احْتَكَرَ حُكْرَةً، يُرِيدُ أَنْ يُغْلِيَ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ خَاطِئٌ»(مسند أحمد)، وقَولَه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ»(مسلم).

 7- وكما أن الاستثمار يكون بالمال فإنه يكون أيضًا بالعقول فعلى العقول المسلمة مراجعة قصة كعب بن مالك والتي تُفَوِّتُ على العدو الاستفادة بالمواهب الإسلامية مستغلة لظروف الأمة.

 رابعًا: أن ينفق المسلم على قدر دخله: بأن يقتصد على الضرورات وهي ما تلزم لاستمرار الحياة في صورةٍ سلسة ولا بد من توضيح نظرة الشرع لحدود هذه الضرورة، فالضرورة تقدر بقدرها ومثال ذلك ما رواه الترمذي عن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَيْسَ لِابْنِ آدَمَ حَقٌّ فِي سِوَى هَذِهِ الْخِصَالِ بَيْتٌ يَسْكُنُهُ وَثَوْبٌ يُوَارِي عَوْرَتَهُ وَجِلْفُ (جلف الخبز: أي الخبز ليس معه إدام) الْخُبْزِ وَالْمَاءِ » (الترمذي ) وليس معنى هذا نبذ باقي النعم ولكن ليعلم الإنسان أن ما زاد، إنما هو فضل الله، والنموذج المثالي الذي حدده القرآن {فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ}(يوسف 47). والذي ينفق أكثر من دخله إما أن يسرق وإما أن يستدين وأقلهما شر.

 وللمسلم أن يصبر على شظف العيش أفضل له من أن يتوسع في النفقة فيمد يده للسؤال أو السرقة أو حتى للدين، فيجب أن يشكر المسلم ربه وأن يقنع ويرضى. قال صلى الله عليه وسلم: «الطاعم الشاكر كالصائم الصابر» (ابن ماجة) وقال صلى الله عليه وسلم: « قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّهُ » (الترمذي ) فالمسلم يعيش على قدر دخله وإن كان كفافًا كما أنه لا يتوسع في المباح، إذ أن المباح هو الزيادة عن الضرورة- في غير حرام طبعًا-، فتنوع الأطعمة - مثلاً - على المائدة من المباح الذي يجب أن يخضع لمقاييس النفع والضر سواءً في المال أو البدن وهذا ليس خاصًا بالطعام فقط وإنما بكل نعمة أنعم الله بها على الإنسان، والانهماك في الكماليات مضرة أيّ مضرة كأن يتوسع المرء فيها فيحوز في منزله التكييف ويركب السيارة الفارهة على حساب أشياء أخرى ضرورية كديون واجبة السداد أو فوات مصلحة من علم أو دين أو صون عرض، ومعلوم أن الضرورات مقدمة على الحاجيات والأخيرة مقدمة على التحسينيات، والضرورات "كحفظ الدين والنفس والعرض والعقل والمال" أولى من الحاجيات "كالحاجة للتعليم والسكن وخلافه" وهذه الحاجيات أولى من الكماليات أو التحسينيات "كزركشة الثياب وترطيب الجو بالمكيفات وما إلى ذلك .

 خامسًا: ترك الإسراف في الاستهلاك: انطلاقًا من الوسطية التي رسمها لنا الإسلام، حرم الإسلام الإسراف والتبذير كما حرم الشح والتقتير سواءً بسواء؛ فالتبذير يفني الكثير بقليل نفعٍ - إن خلا من اكتساب ضر – يتمثل هذا في الخراب المحقق وتبديد الثروات.

 وقد مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وهو يتوضأ فلاحظ عليه إسرافًا في استعمال الماء فأمره ألا يسرف وقد كان سعد يظن أن ليس في الماء سرفٌ فقال له صلى الله عليه وسلم « مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ قَالَ أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ قَالَ نَعَمْ وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ » (ابن ماجة)

 ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ حَسْبُ الْآدَمِيِّ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ غَلَبَتْ الْآدَمِيَّ نَفْسُهُ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ» (مسلم)، ويقول الحق تبارك وتعالى: {إنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً}(الإسراء: 27)، وللمسلم أن ينفق في حلالٍ ما لم يقارف إسرافًا أو خيلاء، قال صلى الله عليه وسلم: « كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ »(البخاري)، فذم الإسلام الإسراف بكل صوره.

 خاتمة: هكذا نرى أن الإنتاج وحده لا يكفي لحل المشكلة الاقتصادية أو لبناء الأوطان، بل لابد من عدالة التوزيع وترشيد الاستهلاك.

 خلاصة

 الأمة التي تستهلك ولا تنتج عالة على غيرها من الأمم.

  • الإسلام جعل أجرًا على عمارة الأرض وعلى رفع الحرج وإزالة الكروب وتحقيق الرفاهية للأمم والشعوب.
  • غالبًا ما يذكر القرآن العمل الصالح بعد الإيمان كدليل عليه وعلامة بين يديه.
  • والعمل الصالح هو مطلق العمل الذي ينفع البشرية.
  • قال النبي صلى الله عليه وسلم: « مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ » (البخاري)
  • الإسلام يحترم العمل الحرفي، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» البخاري.

 لكي يتحقق لنا الاكتفاء الذاتي علينا بما يأتي:

 أولا: رصد الطاقات والإمكانات المتاحة ومحاولة تفعيلها والاستفادة منها.

 ثانيًا: إعادة هيكلة وتوزيع الطاقات ووضع الطاقات المناسبة في المكان المناسب.

 ثالثا: على المستثمر المسلم أن يجعل استثماراته في النافع لأمته.

 على المستثمر أن يراعي الآتي:

 1- أن يختار في مجال عمله إنتاج ما يسد به ثغرة احتياجات الأمة الضرورية والداعمة لها.

 2- الحرص على تطبيق الضوابط الضامنة لجودة الصناعة حتى تخرج السلعة متقنة.

 3- العمل على تصنيع المنتجات التي لا تصنع محليًا.

 4- لا تتعامل بالربا في جميع استثماراتك وإلا فهي الحرب من الله ورسوله.

 5- تجنب الغش والاحتكار وكل ما يخالف الشريعة الإسلامية.       

 6- تجنب الإسراف والتبذير.

pdfمكانة-العمل-والإنتاج-في-الإسلام.pdf