إعجاز القرآن والسنة في علم الأجنة

إعجاز القرآن والسنة في علم الأجنة

أطوار خلق الجنين

قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون:12-14).

تفيد الآية الكريمة أن الإنسان يخلق في أطوار. ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ﴾ (نوح:14), وقوله تعالى: ﴿ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ﴾ (الزمر:6).

طور النطفة

المعنى اللغوي للنطفة، وأقوال المفسرين:

تطلق "النطفة" في اللغة: على الماء القليل ولو قطرة, وفي الحديث: "وقد اغتسل ينطف رأسه ماء" رواه مسلم.

وقد أطلقها الشارع: على مني الرجل ومني المرأة, وفي الحديث: "من كل يخلق من نطفة الرجل ونطفة المرأة" رواه مسلم.

قال الألوسي: "والحق أن النطفة كما يعبر بها عن مني الرجل يعبر بها عن المني مطلقًا".

كما أطلقها الشارع أيضًا: على امتزاج نطفتي الرجل والمرأة، وسماها: النطفة الأمشاج في قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ ﴾ (الإنسان:2).

وقد عرف المفسرون النطفة الأمشاج بأنها: النطفة المختلطة التي اختلط وامتزج فيها ماء الرجل بماء المرأة.

وتهاجر البُيضة الملقحة بتطوراتها العديدة عبر قناة الرحم إلى تجويفه، وتأخذ شكل قطرة الماء, ولها خاصية الحركة الانسيابية؛ كقطرات الماء تمامًا. وينتهي هذا الطور بتعلق الكيسة الأريمية ببطانة الرحم في نهاية الأسبوع الأول من التلقيح؛ وهي الصورة الأخيرة للنطفة الأمشاج، والتي مازالت تحافظ على شكل قطرة الماء، بالرغم من تضاعف خلاياها أضعافًا مضاعفة. وحينما يفقد هذا الطور حركته الانسيابية ويتعلق ببطانة الرحم, يتحول إلى طور جديد، هو طور العلقة.

طور العلقة

المعنى اللغوي للعلقة، وأقوال المفسرين:

كلمة "علقة" كما يقول المفسرون: مشتقة من علق، وهو الالتصاق والتعلق بشيء ما. وهذا يتوافق مع تعلق الجنين ببطانة الرحم خلال الأسبوع الثاني.

كما يطلق العلق: على الدم عامة, وعلى الدم شديد الحمرة, وعلى الدم الجامد. وهذا يتوافق مع شكل الجنين في هذا الطور, حينما تكون لديه الأوعية الدموية المقفلة والممتلئة بالدماء خلال الأسبوع الثالث.

كما تطلق على دودة العلق: وهي دودة تعيش في البرك, وتتغذى على دماء الحيوانات التي تلتصق بها, والجمع علق. ولهذا الطور عدة أشكال, من بدئه وحتى نهايته.

وقد وصف ابن كثير هذا الطور, فقال: "أي: صيرنا النطفة علقة حمراء على شكل العلقة مستطيلة".

والجنين في نهاية هذا الطور كما يقول المفسرون: يكون على شكل علقة مستطيلة, لونها شديد الحمرة؛ لما فيها من دم متجمد. وهذا يتوافق مع الشكل الأخير لهذا الطور, حيث يأخذ الجنين شكل الدودة التي تمتص الماء وتعيش في الماء, ويتشابه الجنين معها في قوة تعلقه بعائله؛ للحصول على غذائه من امتصاص دمائه. والمدة الزمنية لهذا الطور هي من بداية الأسبوع الثاني وحتى نهاية الأسبوع الثالث من التلقيح.

طور المضغة

المعنى اللغوي للمضغة، وأقوال المفسرين:

قال ابن كثير: "مضغة: قطعة كالبضعة من اللحم، لا شكل فيها ولا تخطيط, قدر ما يمضغ الماضغ, وتتكون من العلقة".

وقال الألوسي: "قطعة لحم بقدر ما يمضغ, لا استبانة ولا تمايز فيها".

وهذا ما يتوافق مع الجنين في أول هذا الطور, حيث يتراوح حجمه من حبة القمح إلى حجم حبة الفول, وهو القدر الذي يمكن مضغه.

ويبدو سطحه من الخارج، وقد ظهرت عليه نتوءات الكتل البدنية والرأس والصدر والبطن, كما تتكون معظم براعم أعضائه الداخلية, مع احتفاظه بالشكل الخارجي المشابه لمادة ممضوغة, ويصدق عليه أنه مخلق وغير مخلق.

وها هو الوصف القرآني يقرر هذه الحقيقة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ (الحج:5).

قال الألوسي: "والمراد تفصيل حال المضغ وكونها أولًا قطعة لم يظهر فيها شيء من الأعضاء, ثم ظهرت بعد ذلك شيئًا فشيئًا؛ لذلك فالوصفان ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ لابد أن يكونا لازمين للمضغة".

قال ابن عاشور: "قوله تعالى: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ صفة مضغة، وأن هذا تطور من تطورات المضغة, وإذ قد جعلت المضغة من مبادئ الخلق تعين أن كلا الوصفين لازم للمضغة".

ويؤكد ذلك الرازي بقوله: "يجب أن تحمل ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ على من سيصير إنسانًا؛ لقوله تعالى في أول الآية: ﴿ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ ﴾ (الحج:5).

وفي هذه النصوص دلالة على أن التخليق يبدأ في هذا الطور, حيث يبدأ القلب في النبض، وينتقل الجنين إلى طور جديد، هو طور المضغة. وقد وصف المفسرون هذا الطور وصفًا دقيقًا, وهو ما أكدته حقائق علم الأجنة في أن التخليق يبدأ في أول الأسبوع الرابع, وبالتحديد في اليوم الثاني والعشرين, وينتهي هذا الطور قبيل نهاية الأسبوع السادس، حيث يبدأ الطور التالي في التخليق، وهو طور العظام.

طور العظام

يتشكل الجنين في هذا الطور على هيئة مخصوصة, وتزال عنه صورة المضغة ليكتسب صورة جديدة؛ حيث يتخلق هيكله العظمي الغضروفي, وتظهر أولى مراكز التعظم في الهيكل الغضروفي في بداية الأسبوع السابع, فيتصلب البدن, وتتميز الرأس من الجذع, وتظهر الأطراف.

قال ابن كثير في قوله تعالى:﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ (المؤمنون:14), يعني شكلناها ذات رأس ويدين ورجلين بعظامها وعصبها وعروقها.

وقال الألوسي: وذلك التصيير بالتصليب بما يراد جعله عظامًا من المضغة, وهذا تصيير بحسب الوصف؛ وحقيقته إزالة الصورة الأولى عن المادة وإفاضة صورة أخرى عليها.

طور كسوة العظام

ثم يبدأ الجنين الطور الأخير من التخليق، وهو كساء العظم باللحم, وفي هذا الطور يزداد تشكل الجنين على هيئة أخص.

أقوال المفسرين في وصف الطور

قال ابن كثير في قوله تعالى:﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ (المؤمنون:14): "أي: جعلنا على ذلك ما يستره ويشده ويقويه. وقال الشوكاني: "أي: أنبت الله سبحانه على كل عظم لحمًا على المقدار الذي يليق به ويناسبه، وكذا قال غيرهم".

وهذا يتوافق مع ما ثبت في علم الأجنة من أن العظام تخلق أولًا, ثم تكسى بالعضلات في نهاية الأسبوع السابع، وخلال الأسبوع الثامن من تلقيح البويضة, وبهذا تنتهي مرحلة التخليق، والتي يسميها علماء الأجنة بالمرحلة الجنينية.

هذا، وقد أكد علم الفحص بأجهزة الموجات فوق الصوتية أن جميع التركيبات الخارجية والداخلية الموجودة في الشخص البالغ تتخلق من الأسبوع الرابع وحتى الأسبوع الثامن من عمر الجنين, كما يمكن أن ترى جميع أعضاء الجنين بهذه الأجهزة خلال الأشهر الثلاثة الأولى.

مرحلة النشأة خلقًا آخر

يبدأ الجنين بعد الأسبوع الثامن مرحلة أخرى مختلفة يسميها علماء الأجنة بالمرحلة الحميلية, ويسميها القرآن الكريم: مرحلة النشأة خلقًا آخر، ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ﴾ (المؤمنون:14), ولذلك يعتبر طور كساء العظام باللحم الحد الفاصل بين المرحلة الجنينية والحميلية. وتبدأ مرحلة النشأة من الأسبوع التاسع  - حيث ينمو الجنين ببطء - إلى الأسبوع الثاني عشر, ثم ينمو بعد ذلك بسرعة كبيرة، وتستمر هذه المرحلة حتى نهاية الحمل.

خصائص مرحلة النشأة

تختص هذه المرحلة بعدة خصائص أهمها:

تطور ونمو أعضاء وأجهزة الجنين, وذلك بتهيئتها للقيام بوظائفها.

تختص بنفخ الروح فيها عند جمهور المفسرين.

قال ابن كثير: "ثم نفخنا فيه الروح، فتحرك، وصار خلقًا آخر, ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب".

وقال الألوسي: "أي: مباينًا للخلق الأول مباينة ما أبعدها, حيث جُعل حيوانًا ناطقَا سميعًا بصيرًا.

حدوث التغيرات في مقاييس الجسم؛ فيصغر حجم الرأس بعدما كان كبيرًا, وتطول الساقان بعدما كانتا قصيرتين, ويأخذ البدن حجمه الطبيعي.

يكتسب الجنين صورته الشخصية, بعدما تتعدل مقاييس الوجه.

وهذه الخصائص هي عين ما أشارت إليه الآيات في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (الانفطار:7­-8).

وكلمة "سَوَّاكَ" تعني: جعل الشيء مستويًا ومستقيمًا مهيئًا لأداء شيء محدد، بعد تمام خلقه.

والتعديل في اللغة تعني: التقويم، وتعني كلمة "فَعَدَلَكَ": غيّر شكلك وهيئتك؛ لتكون شيئًا محددًا، وكلمة "صورة" تعني: هيئة أو شكل.

وما ذكره القرآن الكريم هو ما قررته حقائق علم الأجنة؛ فالتسوية تبدأ عقب عملية الخلق في المرحلة الحميلية، أي: بعد الأسبوع الثامن, حيث يستقيم الجنين وتتهيأ أعضاؤه لأداء وظائفها, ويتخذ الجنين المقاييس الطبيعية لبدنه "التعديل". وتتخذ ملامح الوجه المقاييس البشرية المألوفة, ويكتسب الجنين الصورة الشخصية له "التصوير".

إنك لترى التطابق الدقيق بين مراحل التخليق وبين كلام الخالق, وصدق الله العظيم القائل: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخبير "الملك:14".

أليس هذا دليلًا واضحًا على أن القرآن الكريم هو كلام الخالق العظيم.

السنة تحدد زمن أطوار الجنين الأولى:

أخرج الإمام مسلم بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله وهو الصادق المصدوق, قال: "إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا, ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك, ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك, ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح. ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد".

وأخرج مسلم كذلك بسنده عن أبي حذيفة بن أسيد أن رسول الله ق قال: "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصورها, وخلق لها سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها, ثم قال يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك".

أخبر النبي ق في الحديث الأول أن الجنين يجمع خلقه في أربعين يومًا, فما هو هذا الجمع للخلق؟ تعني كلمة "جمع" في اللغة: جمع الشيء عن تفرقه, قال ابن حجر: "والمراد بالجمع ضم بعض الشيء إلى بعض بعد الانتشار".

ما هو ذلك الشيء المنتشر المفرق الذي يضم بعضه إلى بعض لتحقيق تكوِن الخلق؟

إن هذه العبارة النبوية غاية في الدقة العلمية؛ حيث يمكن استنتاج أن النبي ق أشار بها إلى انقسام وتكاثر الخلايا الجينية الهائل والسريع في اتجاهات متفرقة, وإلى تمايز هذه الخلايا في طور العلقة, ثم تجمع خلايا كل عضو من أعضاء الجنين؛ ليتم تكوينه وتخليقه في طور المضغة في صورة براعم أولية، ولا تنتهي الأربعون يومًا إلا وخلايا جميع أعضاء الجنين المختلفة قد تمايزت, فهاجر ما هاجر منها؛ لتتجمع في الأماكن المحددة لها, بعد أن كانت من قبل متشابهة وغير متمايزة في مرحلة تكاثرها الهائل والسريع في الأسابيع الأولى.

كما أخبر النبي ق في نفس الحديث أن أطوار الجنين الأولى - العلقة، والمضغة- تكتمل أوصافها وتتم خلال هذه الأربعين. فالحديث يتكلم عن التحديد الزمني لقضيتين:

الأولى: جمع الخلق لخلايا أعضاء الجسم في صورة براعم أولية.

والثانية: زمن أطوار الجنين: العلقة والمضغة نصًا، والنطفة لزومًا؛ إذ لا وجود لكلمة النطفة صراحة في الروايات الصحيحة.

والحديث بهذا اللفظ للإمام مسلم يختلف عن حديث الإمام البخاري في زيادة عبارة "في ذلك"، والتي صححت الفهم وأظهرت التطابق التام مع حقائق علم الأجنة في الحديث, فأزالت شبه الزائغين وردت كيد أعداء الإسلام إلى نحورهم, بناء على هذه الرواية للحديث، فخلق أعضاء الجنين يجمع خلال الأربعين يومًا الأولى من عمره.

وأطوار النطفة والعلقة والمضغة تقع وتكتمل كلها في خلال هذه الأربعين؛ لأن لفظ "في ذلك" يعود إلى الوقت, أي: إلى الأربعين يومًا. أما اسم الإشارة في قوله "مثل ذلك", فلابد أنه يعود إلى شيء آخر غير الوقت, وأقرب شيء إليه هنا هو جمع الخلق. والمعنى: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا, ثم يكون في ذلك "أي في ذلك العدد من الأيام" علقة "مجتمعة في خلقها" مثل ذلك "أي في نفس الأربعين يومًا" مضغة "مجتمعة ومكتملة الخلق المقدر لها" مثل ذلك "أي مثلما اجتمع خلقكم في الأربعين يومًا". وذلك من ترتيب الإخبار عن أطوار الجنين, لا من ترتيب المخبر به.

كما أخبر النبي ق في الحديث الثاني, أن الجنين قبل اليوم الثاني والأربعين لا يمكن تمييز صورته الإنسانية, ولا تخلق أجهزته بصورة تامة إلا بعد هذا التاريخ، فالحديث يشير بوضوح إلى أن تشكيل الجنين بتصويره وخلق سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظامه وتمايز أعضائه الجنسية, لا يحدث إلا بعد اليوم الثاني والأربعين.

أوجه الإعجاز العلمي في النصوص الشرعية

أفادت الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون:12-14) أن الإنسان يخلق في أطوار. يؤكد ذلك ما سبق أن شرحناه من قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ (نوح:14), فبينما كان الناس - في زمن النبوة وبعده بأكثر من عشرة قرون - يعتقدون أن الإنسان يخلق كقزم كامل من دم الحيض, أو داخل البويضة أو في رأس الحيوان المنوي, بعد اكتشافهما في القرن السابع عشر والثامن عشر. إلى أن ظهر العالم "سبالا نزالي" في نهاية القرن الثامن عشر "1775م"؛ ليبطل كل هذه النظريات ويثبت أن الإنسان يخلق من كل الحيوان المنوي والبويضة. وذلك عين ما أخبر به النبي ق في إجابته لليهودي الذي سأله: مم يخلق الإنسان؟ فأجابه: "من كل يخلق: من نطفة الرجل ونطفة المرأة". أليس هذا دليلًا على أن محمدًا ق لا ينطق إلا بوحي من الخالق العظيم.

وجه الإعجاز في حديث الأربعين

يدل ظاهر حديث جمع الخلق أن خلق الإنسان يجمع في الأربعين يومًا الأولى، فلا تكاد تمر إلا وقد تمايزت وتجمعت خلايا كل عضو من أعضاء الجنين، وتخلقت في صورة براعم, واجتمعت كلها في حيز، لا يزيد عن سنتيمتر واحد. ثم يذكر الحديث وصف طوري العلقة والمضغة، وأنهما يكتملان خلال الأربعين يومًا الأولى.

ويقرر العلم الحديث أن الجنين فيما بين اليوم الثامن والحادي والعشرين يأخذ صور العلق المختلفة, من تعلق شيء بشيء، ومن ظهوره كقطعة دم جامد, حتى تكتمل صورته؛ كصورة العلقة التي تسبح في البرك، وتتعلق بعوائلها في نهاية الأسبوع الثالث. "ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك"، حيث يأخذ الجنين شكل المضغة المستديرة, والمميزة بعلامات تشبه طبع الأسنان عليها. وبسطح غير منتظم, فيكون شكله أشبه بالمادة الممضوغة. ويتجلى الإعجاز في التطابق بين الاسم والمسمى, مع أن الجنين من الصغر بحيث لا يزيد طوله عن قدر أنملة, والفترة الزمنية بين الأطوار قصيرة, وتقدير عمر الجنين, قبل اكتشاف البويضة وارتباط دورة الحيض بها, أمر غاية في الصعوبة. كما أن ألفاظ النطفة, والعلقة, والمضغة, التي ذكرها القرآن الكريم لم تكن معروفة أصلًا في ذلك الزمان. وكذلك فإن الأعضاء الأساسية للجنين في الداخل تبدأ في التمايز والتخلق, وبالتدريج يأخذ الجنين شكل المضغة المخلقة وغير المخلقة.

وجه الإعجاز في حديث اليوم الثاني والأربعون

يقرر هذا الحديث النبوي الشريف خلق أعضاء السمع والبصر والعضلات وأعضاء الذكورة والأنوثة, والتصوير الآدمي للجنين. ويحدد زمانها باليوم الثاني والأربعين الذي يبدأ بعده خلق أو استكمال خلق هذه الأجهزة, وليس قبله. وذلك ما أكدته الحقائق العلمية في علم الأجنة.

إشارة النصوص إلى مرحلتي التخليق والنمو

تعتبر مرحلة تكوّن الأطوار الخمسة الأولى - من طور النطفة الأمشاج إلى طور كساء العظم باللحم - هي المرحلة الأساسية في التخليق، والتي تسمى في المراجع الطبية بالمرحلة الجنينية. وقد أشار إليها حديث جمع الخلق في الأربعين يومًا الأولى, وحديث اليوم الثاني والأربعين. كما يمكن - بناءً على هذين الحديثين   أيضًا - تقسيم مرحلة التخليق زمنيًّا إلى قسمين:

الأول: الأسابيع الستة الأولى بعد التلقيح, وفيها تقع الأطوار الثلاثة الأولى, "النطفة والعلقة والمضغة", وتتخلق أثناءها براعم أعضاء وأجهزة الجسم؛ وذلك بتجميع خلايا الأعضاء وبداية عملية الخلق.

والثاني: اكتمال خلق أجهزة الجسم في صورتها المعهودة؛ حيث لا يتم ذلك إلا بعد الأسبوع السادس من عمر الجنين.

أما مرحلة النمو واكتمال وظائف الأعضاء المخلقة, فهي التي تتميز بوجود علامات ترجح نفخ الروح فيها، وتبدأ هذه المرحلة من أول الشهر الثالث وتستمر إلى نهاية الحمل, وتعرف في المراجع الطبية بالمرحلة الحميلية, وقد أشارت إليها سورة المؤمنون: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ﴾ (المؤمنون:14).

وقد أثبت علم الأجنة أن مرحلة التخليق تكون في الأسابيع الثمانية الأولى من عمر الجنين, ويتكون خلالها معظم أجزاء أجهزة الجنين. وقسمها العلماء إلى طورين: طور انقسام وتمايز الخلايا الجنينية, وزمنه في الأسابيع الثلاثة الأولى, أي: زمن طوري النطفة والعلقة. ثم طور تكون وتشكل أعضاء الجنين, وزمنه من الأسبوع الرابع إلى الأسبوع الثامن "زمن أطوار المضغة والعظام وكسائها باللحم"، ولا تنتهي هذه الفترة إلا وقد تشكلت الملامح الأساسية للجنين.

لقد تطابقت المعلومات العلمية والدراسات الجنينية الحديثة, بعدما أصبحت حقائق مشاهدة يمكن مقارنتها بما ورد في القرآن الكريم وأحاديث النبي ق، فمن أخبر محمدًا ق بكل هذه الحقائق؟ ومن كان يجرؤ من البشر في زمنه عليه الصلاة والسلام, بل وبعد زمنه بعشرة قرون, أن يحدد تاريخًا دقيقًا باليوم من عمر الجنين؛ ليفصل به بين مرحلتين مختلفتين تمام الاختلاف, ويذكر فيه تفاصيل لم تعرف إلا بعد زمن طويل, وأبحاث مضنية, بعدما تقدمت وسائل المعرفة وظهور اختراع المجاهير الدقيقة.

يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ (فصلت:53 - 54).