المرأة ودورها الحضاري

المرأة ودورها الحضاري

 خلق الله سبحانه آدم – عليه السلام – ليكون خليفة فى الأرض، وخلق منه زوجه حواء، فجعلها ركنًا ركينًا فى نجاح الخلافة على الأرض؛ إذ بدونها لا تتحقق الخلافة، ولا تتم السعادة.

من مظاهر تكريم المرأة فى القرآن الكريم:

سورة كاملة فى القرآن تسمى بسورة النساء.

ذكر القرآن الكريم نماذج نسائية  كان لها دورها العظيم، كامرأة عمران، والسيدة مريم -عليها السلام- وملكة سبأ، وابنتي الرجل الصالح فى سورة القصص، وذكر الله تعالى المرأة بجوار الرجل (عشر مرات) فى آية واحدة: "إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ .. " (الأحزاب: 35) وغير ذلك من مظاهر التكريم.

الواجبات الشرعية والسلوكية الرجل والمرأة فيها سواء:

فالمرأة كلفها الله سبحانه بأداء الواجبات، وترك المنهى عنه، والوقوف عند حدود الله فى شتى مناحى الحياة، وفى السلوكيات مثل ما كلف الرجل سواء بسواء، وأن لها من الثواب على الأداء والالتزام مثل الذى الرجل، قال تعالى: " فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ" (آل عمران: 195).

حقوق المرأة بين المجتمع الإسلامى وغيره:

أ: نماذج تبين وضع المرأة عند غير المسلمين:

كانت المرأة فى عهد اليونان تباع وتشترى محجورًا عليها لطيشها، بل عقد مؤتمر دولى فى عام 1586م لمناقشة هل المرأة إنسان أم مخلوق آخر؟ وبعد مشاورات قرروا أنها إنسان خلقت لخدمة الرجل. وحتى عام 1805م كان القانون الإنجليزي يبيح للرجل أن يبيع زوجته، وكذلك فإن الثورة الفرنسية لم تكفل للمرأة الأهلية فى التصرفات القانونية.. وعن وضع المرأة فى الجاهلية قبل الإسلام فحدث ولا حرج، كما نعلم جميعا عن أحوال المرأة قبل الإسلام.

ب- مكانة المرأة فى الإسلام:

إن الشرع أعطى للمرأة التكليف مع الحقوق، قال تعالى: " وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ" (البقرة: 228) وأعطاها الأهلية فى البيع والشراء وإبرام العقود والتصرفات، وحتى عقد الزواج لا يتم إلا برضاها وقسَّم لها فى الميراث وأعطاها- رغم حرمانها قبل الإسلام منه- بل أحيانا تأخذ المرأة أكثر من الرجل عندما ترث كأم أو أخت أو بنت مع وجود ذوى الأرحام.

وقد كرمها الإسلام أماً وزوجة وحث على حسن عشرتها بالمعروف والصبر عليها؛ حيث قال تعالى: "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً" (النساء:19) وحتى فى حالة الاختلاف والانفصال، أمر الإسلام بحسن معاملة الزوجة "فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ" (الطلاق:20) بل أعطى للمرأة الحق فى التطليق للضرر والخلع، مع أحقية المرأة فى مشاركة زوجها ولو فى الأمور المهمة أو المصيرية؛ حيث شاركت أم سلمة -رضى الله تعالى عنها- برأيها فى الحديبية لما أشارت إلى أن يخرج الرسول - صلى الله عليه وسلم- ويحلق ويذبح فرفعت عن المسلمين حرجًا شديدًا، وكذلك ضرب الله بها المثل فى الإيمان والكمال والطهارة "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِى عِندَكَ بَيْتاً فِى الْجَنَّةِ" (التحريم :11).

دور المرأة المسلمة فى بيتها ومجتمعها:

المرأة المسلمة مؤثرة فى مجتمعها، بانية لا هادمة، جادة لا هازلة، صادقة لا كاذبة أمينة لا خائنة، يتجلى ذلك من خلال النقاط التالية: 

أولاً: فى الحفاظ على القيم الإسلامية:

إن التدين من أجلَّ الصفات التى تؤثر فى المجتمع، والمرأة المسلمة هى التى تقرُّ الحق وترسخه، وتؤدى الفرض وتظهره، فهى فى البيت معلمة وقدوة، وفى خارج البيت ناشرة شرع ودين، تصون العورة فلا تفتن، وتضرب بالخمر فلا تظهر، ولا تضرب بالأرجل مشيًا لتبدى ما يسْتَر، وتغض من البصر حتى لا تثير، فعن عائشة أم المؤمنين - رضى الله عنها- قالت: "يرحم الله نساء المهاجرات الأُوَل، لما أنزل الله "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" شققن مروطهن واختمرن بها" البخارى. وهى معينة زوجها على الطاعة، قال تعالى: فى شأن زكريا " فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ " (الأنبياء:90)، وقال – صلى الله عليه وسلم: "إذا صلت المرأة خمسها وحصنت فرجها وأطاعت بعلها دخلت من أى أبواب الجنة شاءت" رواه ابن حبان.، وذكر القرآن من نماذج الإيمان، امرأة عمران، التى نذرت ووفت، وتكفل الله وحفظ، وهى تعاون زوجها فى تثبيت دعائم الدين فى الأسرة قال تعالى:" ... وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ... " (الأحقاف:17).

ثانيا: البيت:

إن وظيفة ربة البيت من أشرف وظائف المرأة المسلمة، ولا يقوم بهذه الوظيفة. إلا من استكمل أزكى الأخلاق، وهذا هو الرسول – صلى الله عليه وسلم - يدخل على أم سلمة فى بيتها مستشيرًا لها فى صلح الحديبية، وعند بدء الوحى أحسنت خديجة - رضى الله عنها - التصرف وأصابت فى الرأى وأعانت بالإيمان وهذه أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية «ذهبت إلى مجلس الرسول »... وإذا خرجوا - أى الرجال - للجهاد حفظنا لهم أموالهم وربينا أولادهم أفنشاركهم فى الأجر؟ الحديث سنده حسن - البزار - الطبرانى  وانظر إلى قولها «حفظنا أموالهم وربينا أولادهم»، وكذلك مناقشة أحوال البيت بالإتمار بالمعروف، قال تعالى :" ... وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ ... " (الطلاق:6)، وفى الرزق والكسوة لا تكلف زوجها فوق قدرته،  قال تعالى:"... وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ... " (البقرة:233) وتربية الأولاد على الأخلاق وشرائع الدين، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته.... والمرأة راعية فى بيت زوجها وهى مسئولة عن رعيتها" البخاري ومسلم. وهذه فاطمة بنت الرسول – صلى الله عليه وسلم - وأسماء بنت الصديق لم تتبرما من المعيشة ولم تشكيا كثرة العمل وكانتا معينتين لزوجيهما فى أمر الحياة والقصة معروفة، والمرأة المسلمة هى التى تعين الزوج على غض بصره وتحصين فرجه بالتودد إليه. 

ثالثًا: الروابط الأسرية والاجتماعية

وهى التى تواسى زوجها فى مصابه، كما فعلت أم سليم مع زوجها أبى طلحة لما مات ولده (فتح الباري ج3/202) وهى التى ترضع وليدها وترعى شأنه، وتحفظ الغيب، وتصون البيت، وهى التى تتسم بالخلق الكريم مع الجيران والأقارب والأصدقاء، انظر إلى الحديث "قيل للنبي – صلى الله عليه وسلم - يا رسول الله إن فلانة تقوم الليل وتصوم النهار وتفعل وتصدَّق، وتؤذى جيرانها بلسانها، فقال الرسول – صلى الله عليه وسلم - لا خير فيها هي من أهل النار، قالوا وفلانة تصلى المكتوبة وتتصدق بأثوار ولا تؤذى أحدًا، فقال الرسول – صلى الله عليه وسلم - هى من أهل الجنة" رواه البخاري فى الأدب المفرد.

رابعًا: العلم

حث الإسلام على العلم للرجال والنساء، كل فيما يناسب مهامه وكيانه، ويعينه على أداء وظيفته ورسالته واستخلافه، وحملت المرأة جانبًا كبيرًا منه، وأمر الله أمهات المؤمنين بنشر العلم الذى يتلى فى بيوتهن لينفع المجتمع ويقومه، قال تعالى: " وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ... " (الأحزاب:34).

خامسًا: الجهاد

وللمرأة مواقف جهادية تعدل المرأة فيها آلاف الرجال، رغبة فى ثواب الجهاد الذى وعد الله به عباده وهذه المواقف منها:

1- موقف الخنساء مع أبنائها الأربعة فى موقعة القادسية الهائلة أرسلتهم بعد النصح ووعظتهم بعظيم الأجر فاستشهدوا جميعا، ولما وصلها الخبر، قالت غير جازعة الحمد لله الذى شرفنى بهم.

2- موقف نسيبة المازنية  فى غزوة أحد حيث باشرت القتال دفاعًا عن الرسول e.

3- أم أيمن حاضنة الرسول – صلى الله عليه وسلم - فى غزوة أحد وكانت مع نساء الأنصار يسقين الماء.

4- وأم المؤمنين عائشة وأم سليم وأم سليط وفاطمة وشأنهن معروف.

هذا هو دورها فى الجهاد مباشرة بنفسها، أو مقدمة فلذات أكبادها تبغى الأجر من ربها.

سادسًا: الحياة العامة:

إن الإسلام لم يحرم على المرأة المشاركة فى الحياة العامة، شريطة أن تتفق مع أنوثتها ووظيفتها، والتزامها بمنهج ربها فإذا باشرت الحياة العامة كان عليها، أن تحفظ أنوثتها، وتصون نفسها وعفتها وتضرب خمارها، وألا تتفحش فى قول، أو تبتذل فيما يجب أن يصان (قصة ابنتى شعيب مع موسى عليه السلام).

سابعًا: نماذج نسائية فى البناء الحضاري للأمة:

السيدة خديجة – رضى الله عنها – ودورها مع الرسول – صلى الله عليه وسلم. فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِى – صلى الله عليه وسلم - إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَةَ أَثْنَى عَلَيْهَا فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ قَالَتْ فَغِرْتُ يَوْمًا فَقُلْتُ مَا أَكْثَرَ مَا تَذْكُرُهَا حَمْرَاءَ الشِّدْقِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا خَيْرًا مِنْهَا قَالَ مَا أَبْدَلَنِى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهَا قَدْ آمَنَتْ بِى إِذْ كَفَرَ بِى النَّاسُ وصدقتني إِذْ كذبني النَّاسُ وواستني بِمَالِهَا إِذْ حرمني النَّاسُ ورزقني اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِى أَوْلَادَ النِّسَاءِ" أخرجه أحمد.

السيدة عائشة كانت (طبيبة – محدثة – فقهية – شاعرة) عن أبى موسى الأشعري - رضى الله عنه - قال: قالَ رسولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم - "كَمَلَ منَ الرِّجال كثيرٌ، ولم يَكْمُلْ منَ النِّساءِ إلاَّ مريمُ بنتُ عِمرانَ، وآسِيةُ امرأةُ فِرعونَ، وفضْلُ عائشةَ على النِّساءِ كفَضْل الثَّرِيدِ على سائرِ الطعام" صحيح البخاري.

قال الزُّهريُّ: لو جُمِع عِلمُ عائشة إلى عِلمِ جميعِ النساء، لكان علمُ عائشةَ أفْضلَ

قال ابن كثير: "لم يَكُن فى الأُممِ مثلُ عائشةَ فى حِفْظها وعِلْمها، وفصاحتِها وعَقْلِها"، ويقول الذهبيُّ: "أفْقَهُ نِساء الأمَّة على الإطلاق، ولا أعْلمُ فى أمَّة محمَّد، بل ولا فى النِّساء مطلقًا امرأةً أعلمَ منها".

قال الحافظُ الذهبيُّ: مُسْنَد عائشة يبلُغ ألْفَين ومائتين وعشرة أحاديث، اتَّفق البخارى ومسلمٌ لها على مائةٍ وأربعةٍ وسبعين حديثًا، وانفرَد البخارى بأربعةٍ وخمسين، وانفرد مسلِمٌ بتِسعة وستِّي. ويقول عُروةُ بنُ الزُّبَيْر: "ما رأيتُ أحدًا أعلمَ بفِقه، ولا بِطبٍّ ولا بِشِعر من عائشةَ - رضى الله عنها "وقال فيها أبو عُمرَ بنُ عبد البرِّ: "إنَّ عائشةَ كانتْ وحيدةً بعصرها فى ثلاثةِ علوم: علم الفقه، وعلم الطب، وعلم الشِّعر". (سير أعلام النبلاء)، كما كانتِ المرجعَ الكبيرَ لكِبار الصحابة، خاصَّة عندَ المواقف والملمَّات.

السيدة ( زينب بنت خزيمة ): زوج الرسول – صلى الله عليه وسلم – التى لقبت – بأم المساكين – لدورها البارز فى رعاية الفقراء والمساكين.

السيدة رفيدة الأنصارية رضى الله عنها قال البخارى فى الأدب المفرد: ولما أصيب أكحل سعد يوم الخندق فقيل حولوه عند امرأة يقاللها رفيدة،وكانت تداوى الجرحى وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم -إذا مر به يقول كيف أمسيت وإذا أصبح قال كيف أصبحت فيخبره. وقد ورد فى الإصابة  أن ابن إسحاقذكر رفيدةالأنصارية أو الأسلمية فى قصة سعد بن معاذ لما أصابه بالخندق، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم - : اجعلوه فى خيمة رفيدة التى فى المسجد حتى أعوده من قريب. مستشفى رُفيدة كما تواتر أنه أقيم لها خيمة خاصة وبارزة فى مسجد النبي- صلى الله عليه وسلم - كمستشفى لعلاج المرضى والمصابين بجروح، ودبرت فريقًا من الممرضات حيث قسمتهن إلى مجموعات لرعاية المرضى ليلاً ونهارًا. ولم يكن عمل رفيدة مقتصرًا على الغزوات فقط، بل عَمِلت أيضًا فى وقت السِّلم تُعاون وتُواسى كل محتاج؛ وكانت أول سيدة تعمل فى نظام أشبه ما يكون بنظام المستشفيات فى وقتنا.

السيدة حفصة بنت سيرين: ولدت حفصة فى عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان سنة 31 هجرية، كانت حريصة منذ صغرها على حفظ القرآن، حتى إنها حفظته وهى ابنة اثنتى عشرة سنة، كما اغترفت حفصة من معين علم النبوة منذ طفولتها عن طريق صحابة النبي – صلى الله عليه وسلم - رجالا ونساء، حتى أصبحت العالمة التى تعلم على يديها كثير من علماء سلفنا الصالح ممن يشار إليهم بالبنان، كأيوب السختيانى، وكان أخوها ابن سيرين إذا استشكل عليه شيء من القرآن، قال: اذهبوا، فاسألوا حفصة كيف تقرأ.وامتازت بالعبادة التى لا تنقطع، وبالصبر على البلاء، والأخذ بالعزائم.

واجب المرأة المعاصرة:  أن تحافظ على مكانتها التى أعطاها إياها الإسلام، وتقوم بتربية أولادها على الإسلام، وتصون عرضها، وتحافظ على عفتها، وتؤدي دورها المنوط بها تجاه مجتمعها وأمتها، ومن ذلك تعليم النساء أحكام الدين، وتعليم الصغار وتربيتهم، وإعانة الزوج والأرحام على الطاعة .. إلخ.