كان خلقه القرآن

كان خلقه القرآن

 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد فقد أخرج الإمام أحمد وابن راهوية في مسنديهما بسند صحيح إلى سعد بن هشام قال سألت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله فقالت: أما تقرأ القرآن فقلت: بلى فقالت: إن خلقه كان القرآن، وفي رواية أما تقرأ قول الله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) قال بلى قالت كان خلقه القرآن، وفي رواية أما تقرأ قول الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) إلى قوله (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ) قال بلى قالت فإن خلقه كان القرآن.

1- أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كان صلى الله عليه وسلم على خلق عظيم كما وصفه ربه عز وجل (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ)(القلم:4)، كان يغضب لغضب القرآن ويرضى لرضاه، وكان أحلم الناس، قيل له يا رسول الله ألا تدعو الله على المشركين قال إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذابًا، وكان أشجع الناس، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه كنا إذا حمي البأس ولقي القومُ القومَ اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أعدل الناس، القريب والبعيد والقوي والضعيف عنده في الحق سواء، وكان أعف الناس وأسخى الناس لا يُسأل شيئًا إلا أعطاه، لا يبيت عنده دينار ولا درهم وهناك بالمدينة من يحتاج إليه، وكان أشد الناس حياء من العذراء في خدرها، وكان أكثر الناس تواضعًا يخصف نعله، ويرقع ثوبه ويخيطه، ويقوم على خدمة أهله، ويجيب دعوة الحر والعبد، ويقبل الهدية وإن قلّت ويكافئ عليها ولا يأكل الصدقة، تستتبعه الأَمَةُ والمسكين فيتبعهما حيث دعواه ويحب الفقراء والمساكين ويجالسهم ويؤاكلهم، وكان أصدق الناس لهجة وأوفاهم ذمة وأكرمهم عِشرة، وألينهم عريكة وأحسنهم خلقًا، وكان أشد الناس إكرامًا لأصحابه، يتفقدهم ويسأل عنهم، مَنْ مرض دعاه، ومن غاب دعا له، ومن مات شيعه، لا يدع أحدًا يمشى وهو راكب حتى يحمله، يخدم من خدمه، ما ضرب خادمًا ولا امرأة قط، كان أكثر الناس تبسمًا وأحسنهم بشرًا، يصل ذوي رحمه ولا يجفو على أحد، يقبل معذرة المعتذر، يمزح ولا يقول إلا حقًا، جُلَّ ضحِكِه التبسم، لا يمضي له وقت في غير عمل لله تعالى، أو فيما لابد منه من صلاح نفسه يبدأ من لقيه بالسلام، لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر الله تعالى، ليس بفاحش ولا متفحشٍ ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، لا يحقر حقيرًا لفقره، ولا يهاب ملكًا لملكه، يعظم النعمة وإن قلّت، لا يذم منها شيئًا، وكان يحفظ جاره، ويكرم ضيفه، يأمر بالرفق وينهى عن العنف، ويحث على الصفح ومكارم الأخلاق، مجلسه مجلس علم وحياء وعفاف وأمانة وصيانة وصبر وسكينة يوقر الكبار ويرحم الصغار ويؤثر المحتاج ويحفظ الغريب، كان أرأف الناس بالناس، وخير الناس للناس، أو ليست معاشر المسلمين الكرام هذه هي أخلاقيات القرآن وأدبيات كتاب الله العزيز الحكيم، فكانت أخلاقه صلى الله عليه وسلم نموذجًا حيًا تطبيقيا لمبادئ القرآن وآدابه وأخلاقه وتعاليمه وهدايته، وبالجملة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبع ما يأمره به القرآن ويترك ما ينهاه عنه، يتأدب بآدابه، ويتخلق بأخلاقه، أدبه ربه فأحسن تأديبه، واستضاء بنوره فتنور ظاهره وباطنه صلى الله عليه وسلم.


2- حاجة الأمة إلى التخلق بأخلاقه صلى الله عليه وسلم:

ما أحوج الأمة المسلمة إلى التخلق بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم والتأدب بأدبه، فمن أحب إنسانًا أحب سيرته وأحب الاقتداء به وأطاعه فيما يأمره به، ما أحوج المسلم الصادق إلى أن يقتفي أثره ويتبع سنته ويسير على هديه، من حسن المعاشرة ولين الجانب، وبذل المعروف وإطعام الطعام وإفشاء السلام وعيادة المريض وتشييع الجنازة، وحسن الجوار، وتوقير الكبير، والعفو والإصلاح بين الناس والجود والكرم والسماحة وبذل السلام وكظم الغيظ واجتناب المحرمات من اللهو والباطل والمعازف والغيبة والكذب والبخل والشح والجفاء والمكر والخديعة والنميمة وإفساد ذات البين وقطيعة الرحم وسوء الخلق والتكبر والفحش والتفحش والحقد والبغي والعدوان والظلم، تقرأ في كتاب الله عز وجل (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)(الأعراف:199) فأين أنت من العفو، وتقرأ (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ)(النحل:90) فهل أنت تقيم العدل في حياتك وتشيع الإحسان فيمن حولك، وتنتهي عن المنكر والفحش والظلم؟! ما أجمل أن تتأدب بقول الله تعالى: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)(لقمان 17).

حينما يصير العفو لك سجية ولين الجانب مطية تكون امتثلت لأخلاق القرآن (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)(الشورى:43)، (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)(المائدة:13).

حينما تتعامل مع خلق الله تعالى بحسن الظن وبالقلب السليم النقي فلا تظن بمسلم إلا خيرًا ولا تحمل كلامه على الشر وله في الخير محامل ولو محمل واحد تجد نفسك متخلقا بالأدب الكامل للقرآن الكريم (اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا)(الحجرات:12)، وغير ذلك من التأديبات وأمثال ما سبق في القرآن كثير.

تربت الأمة ولا زالت، وتهذبت أجيالها على مر العصور بأخلاق القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حيكم حميد.

3- القرآن الكريم هداية الله إلى خلقه ونوره المبين:

من تربى على هداية القرآن هداه الله، ومن تخلق بأخلاقه، وتهذب بآدابه وفقه الله تعالى، ومن اتعظ بمواعظه انتفع وارتفع (إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ)(صحيح مسلم)، ومن استنار بنوره نوَّر الله قلبه وأدخله جنات النعيم (وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا)(الشورى:52)، وقالى تعالى (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ *يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)(المائدة: 15، 16) فمن التمس الهداية فيه هداه الله وسدده ووفقه وأرشده إلى ما فيه سعادته في الدنيا والآخرة، ومن طلب الهداية في غيره أضله الله وأهانه وأبعده (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ)(النور:40)، هذا القرآن والنور والضياء شفاء لما في الصدور من شك أو ريبة أو نفاق أو سوء أخلاق (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ)(يونس: 57)، وقال جل شأنه (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا)(الإسراء:82)، فمن أعرض عنه وتنكب صراطه المستقيم وهديه القويم جعل الله معيشته ضنكا (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا* قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ)(طه: 124- 126)، يتسابق أبناء أمة الإسلام في استيراد المناهج والأفكار وعلوم التربية من الشرق والغرب، متغافلين أو متناسين لمنهج القرآن الحق وتربيته الأكيدة التي تربي عليها جيل الصحابة رضوان الله عليهم فأخرجوا للدنيا قممًا سامقة تطاول السماء رفعة وسموًا ورقيًّا أخلاقيا وفكريا واجتماعيا وثقافيا وفي كل مناحي الحياة، علموا الدنيا الأخلاق في السلام والحرب، في الرخاء والكرب، في المحنة والمنحة في البلية والعطية، كانت لا تهمهم الدنيا ولا يهشون لزخارفها وبهرجتها وإنما كان همهم الله والدار الآخرة (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(القصص:83) نوَّر الله قلوبهم وهدى أفئدتهم فأنارت بصائرهم دياجير الكون من حولهم، وأضاءت الدنيا بمشاعل الحق الذي يحملونه وبنور القبس الذي يتبعونه.

إن ما تعانيه الأمة اليوم من أزمة بل من أزمات أخلاقية إنما هو بسبب بعدهم عن أخلاق القرآن ونوره وهدايته، أين نحن من قول الله تعالى: (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)(الإسراء:9)، كل واحد فينا يقرأ في كل ركعة من صلاته (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)(الفاتحة:6) ولكن لم يسأل نفسه كيف اهتدى إلى الصراط المستقيم، لم يأخذ بأسباب الهداية، لم يتنور قلبه بنور الله بعد، لم يتهذب بأخلاق القرآن بعد لم يتأدب بآدابه، لم يهتد بهدايته، لم يقتف أثره، لم يتبع منهجه فكيف تنصلح أحوالنا إذن؟! لننظر كيف تفسر عائشة رضي الله عنها الآيات التي تؤسس لفضائل الأخلاق وتسقطها على خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ من الخشوع مداه ووصل من سمو الأخلاق منتهاه، وترقى في ذرى الكمال الخلقي أقصاه، فكان يخالط الناس ويعاملهم بالأخلاق العالية والأدب الكامل، كما أن الأرض تشتاق إلى الغيث الهامع لتنبعث فيها الحياة وتهتز وتربو وتنبت فكذلك تحتاج الإنسانية الحائرة والبشرية الضائعة إلى هداية الله ونوره ووحيه وتعاليمه التي ترسم لها معالم الطريق الواضحة التي تعصمها من الضلال وتحفظها من الزيغ والزلل والعثار، وتأخذ بناصيتها إلى رضوان الله وجنته وتنقذها من النار والخسار والبوار.

4- أمة الإسلام اليوم .. وهجر العمل بالقرآن:

إن الذي نراه في مجتمعاتنا اليوم وتشاهده صباح مساء من سوء أخلاقيات المسلمين في تعاملاتهم مع جيرانهم وأسرهم وزملاء عملهم وشوارعهم وأسواقهم ومؤسساتهم المختلفة ليبين أننا أمة نعيش بلا تطبيق حقيقي للإسلام الذي يحكم المجتمع ويصونه من الغش والرشوة والاحتكار والظلم والبطش والعدوان وكل الأخلاق المذمومة المرذولة التي نراها ونعيشها، فالقرآن ينهى عن كل منكر، ويأمر بكل معروف، يدعو إلى الفضائل أو ينهى عن الرذائل، من يسافر إلى دول الغرب يرجع ويقول وجدت إسلامًا بلا مسلمين؛ لأنه يجد الإتقان في العمل، الضمير في التعامل، وعدم إخلاف الموعد، واحترام الآخر، وإحكام الصنعة، والوفاء بالعهد، والالتزام بالمتفق عليه بين المتعاقدين بل وحتى الرحمة بالحيوان الأعجم والرفق بالمخلوقات الضعيفة، وكل هذه الأمور الطيبة والهامة يدعو إليها قرآننا ويأمرنا بها في آيات عديدة من كتاب الله العزيز، فالقرآن كتاب يصنع النفوس السليمة ويبني الأمم المستقيمة ويؤسس الحضارة القوية، فالقرآن نور ولكن العيب هو عيب من أبصارنا التي أغُلقت فلا تنتفع بهذا النور، هجرنا القرآن أو أريد لنا أن نهجره عمليًا، فلا نطبق مبادئه في حياتنا، ولا نرسي قواعده في مجتمعاتنا فيما اتبعنا رضوان الله ولا سبل السلام وما استطعنا أن نقدم الإسلام للعالم نقيا صافيا غضا طريا كما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وكما طبقه صحابته الكرام رضوان الله عليهم، إن ملايين البشر في العالم محجوبون عن أضواء القرآن، لا يعرفون عنه شيئًا لأن المسلمين أنفسهم محجوبون عن ضياء القرآن ونوره وهدايته، وفاقد الشيء لا يعطيه.

5- يا أمة القرآن، يا أمة الحبيب العدنان:

ما أحوجنا إلى أن نعود إلى القرآن الكريم علمًا وعملاً وتلاوة وتدبرًا وذكرًا وتذكرًا ومنهجًا، وسلوكًا وتطبيقًا وتحكيمًا؛ هذا الكتاب الخالد والنور الهادي والذكر الحكيم هو دستور حياتنا الرصين الذي تفزع الأمة كلها إليه، وتهتدي بهدايته وتتأس بأخلاقه وتعمل بآدابه وتعمل بمحكمه، ويكون نبراسًا تستضئ به حياتنا وتنصلح أحوالنا وتستقيم أمورنا.

أسأل الله عز وجل أن ينور قلوبنا بنوره وأن يهدي أفئدتنا بهدايته، وأن يرطب ألستنا بذكره، وأن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا، وجلاء همومنا وأحزاننا، وسر نصرنا وتقدمنا وسبب توفيقنا وتسديدنا، وأن يجعله شفيعًا لنا في قبورنا ومؤنسًا لوحشتنا في الدنيا والآخرة اللهم آمين، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

كتبه د/ أسامة إبراهيم محمد